من خفض الفائدة إلى رفعها.. التضخم والنفط يضعان الفيدرالي أمام اختبار صعب وترمب يضغط

تتجه أنظار الأسواق العالمية إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأسبوع المقبل، وسط تحول لافت في توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة، بعدما ارتفعت رهانات الأسواق على رفعها إلى أكثر من 80%، مدفوعة ببيانات تضخم متماسكة وقوة سوق العمل وارتفاع أسعار النفط.

وتشير أحدث تقديرات الأسواق إلى احتمال رفع الفائدة بنحو 82.5%، مقارنة بنحو 68% قبل صدور بيانات التضخم، في تحول يعكس إعادة تسعير سريعة لمسار السياسة النقدية الأمريكية.

ولا يقتصر ترقب المستثمرين على قرار الفيدرالي، إذ تتجه الأنظار أيضًا إلى تصريحات رئيس البنك المركزي كيفين وارش بشأن المسار المحتمل للفائدة خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة إلى مستويات مرتفعة.

التضخم يعيد رفع الفائدة إلى الواجهة

أظهرت أحدث بيانات التضخم الأمريكية ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.4% خلال أغسطس على أساس شهري، مقابل 0.1% في يوليو، بينما استقر معدل التضخم السنوي عند 3.4%.

كما ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، بنسبة 0.3% خلال الشهر، في إشارة إلى استمرار الضغوط السعرية الأساسية داخل الاقتصاد الأمريكي.

ورغم أن البيانات لم تتضمن مفاجأة كبيرة في التضخم العام، فإنها لم تقدم للفيدرالي الدليل الكافي على أن الضغوط السعرية تتراجع بالسرعة المطلوبة نحو مستهدفه البالغ 2%.

وأدى ذلك إلى إعادة تقييم توقعات السياسة النقدية، خصوصًا مع استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي وقدرة سوق العمل على تحمل مستويات أعلى من تكاليف الاقتراض.

سوق العمل يمنح الفيدرالي مساحة للتحرك

تزامنت بيانات التضخم مع مؤشرات قوية لسوق العمل الأمريكي.

ووفق بيانات مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل الأمريكية، زاد عدد الوظائف غير الزراعية بنحو 162 ألف وظيفة خلال الشهر الماضي، بعد تعديل بيانات يوليو بالرفع لتشير إلى زيادة قدرها 21 ألف وظيفة.

وكان اقتصاديون استطلعت وكالة رويترز آراءهم يتوقعون زيادة الوظائف بنحو 56 ألف وظيفة فقط، بعد انخفاض قدره 23 ألف وظيفة في القراءة السابقة لشهر يوليو.

وتمنح هذه البيانات الفيدرالي مساحة أكبر لمواجهة التضخم، إذ لا تظهر سوق العمل حتى الآن ضعفًا حادًا يفرض بالضرورة التراجع عن سياسة نقدية أكثر تشددًا.

رهانات الأسواق تتجاوز 80%

بعد صدور بيانات التضخم، ارتفعت رهانات الأسواق على رفع أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل بصورة واضحة.

وتشير أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة بورصة شيكاغو التجارية إلى احتمال يقترب من 86% لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، بينما تدور تقديرات أخرى للسوق حول مستويات تقترب من 87%.

وتكشف هذه الأرقام عن تغير كبير في المزاج الاستثماري، بعدما كانت الأسواق قبل أسابيع تركز بصورة أكبر على احتمال بدء دورة لخفض الفائدة الأمريكية.

كما تشير العقود الآجلة لصناديق الاحتياطي الفيدرالي إلى توقعات برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في 3.7 مناسبة خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، وفي 2.4 مناسبة خلال الأشهر الستة المقبلة، وفق أبحاث «يارديني».

وارش أمام اختبار مزدوج

يأتي اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في توقيت بالغ الحساسية لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش.

وكان وارش قد أرسل خلال خطابه في جاكسون هول الشهر الماضي رسالة أكثر تشددًا بشأن التضخم، مؤكدًا أن الاتجاهات الأساسية للأسعار لا تظهر تحسنًا كافيًا.

وأشار حينها إلى أن الفيدرالي «لديه عمل ينبغي إنجازه» إذا لم يتحرك التضخم نحو مستهدفه بالسرعة المطلوبة.

وفي المقابل، تجنب وارش تقديم توجيه واضح بشأن المسار المقبل للفائدة، ما أبقى الأسواق في حالة ترقب وجعل البيانات الاقتصادية اللاحقة أكثر أهمية في تحديد اتجاه السياسة النقدية.

ويأتي ارتفاع التضخم الأساسي خلال أغسطس ليمنحه مبررًا إضافيًا للتشدد، خصوصًا مع استمرار قوة سوق العمل والاقتصاد الأمريكي.

3 أعضاء رفعوا الفائدة في اجتماع يوليو

ويزداد تعقيد المشهد داخل الفيدرالي مع وجود انقسام متنامٍ بشأن المسار المناسب للسياسة النقدية.

فقد صوت ثلاثة أعضاء في اجتماع يوليو لصالح رفع أسعار الفائدة، في مؤشر مبكر على اتساع الخلاف داخل لجنة السوق المفتوحة بشأن التعامل مع التضخم.

ويعني ذلك أن اجتماع سبتمبر لن يكون اختبارًا للبيانات الاقتصادية فقط، وإنما سيكون أيضًا اختبارًا لقدرة وارش على إدارة الانقسام داخل البنك المركزي.

النفط يضيف وقودًا جديدًا للتضخم

لا تأتي ضغوط التضخم منفردة، إذ تجاوز سعر خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل، ما يضيف عنصرًا جديدًا إلى معادلة الفيدرالي.

وارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يعيد إشعال الضغوط التضخمية، سواء من خلال تكاليف النقل والإنتاج أو عبر انتقال الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات.

وتصبح هذه المسألة أكثر حساسية إذا استمرت أسعار النفط المرتفعة لفترة طويلة، لأنها قد تؤثر في توقعات التضخم لدى المستهلكين والشركات.

وبالتالي، فإن صدمة النفط تجعل مهمة الفيدرالي أكثر تعقيدًا، خاصة إذا تزامنت مع تضخم أساسي لا يزال أعلى كثيرًا من مستهدف البنك المركزي.

عوائد السندات تضغط على الاقتصاد

وتتحمل الأسواق بالفعل تأثير ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، التي ارتفعت بفعل مخاوف التضخم وزيادة توقعات رفع الفائدة.

ويمثل ارتفاع العوائد طويلة الأجل عامل ضغط على تكلفة التمويل بالنسبة للحكومة والشركات والأسر، كما يمكن أن يدعم الدولار ويؤثر في تقييمات الأصول المالية.

وتزداد حساسية هذا العامل مع استمرار المخاوف بشأن حجم الديون الأمريكية، في وقت تجاوز فيه الدين الأمريكي مستوى 40 تريليون دولار.

ومن ثم، يواجه الفيدرالي معادلة معقدة بين مكافحة التضخم من جهة، وتجنب زيادة الضغوط على تكاليف التمويل والأسواق من جهة أخرى.

وارش أمام ضغوط ترامب

ويمثل اجتماع سبتمبر اختبارًا سياسيًا أيضًا لرئيس الفيدرالي.

فالرئيس دونالد ترامب يضغط منذ فترة من أجل خفض أسعار الفائدة، بينما تشير البيانات الأخيرة إلى أن الفيدرالي قد يجد نفسه مضطرًا إلى التحرك في الاتجاه المعاكس.

وفي حال قرر البنك رفع الفائدة، فإن القرار سيحمل رسالة واضحة بشأن أولوية استقرار الأسعار واستقلالية السياسة النقدية، حتى في ظل الضغوط السياسية.

أما إذا أبقى الفيدرالي على الفائدة دون تغيير، فقد تحتاج الأسواق إلى تفسير واضح بشأن مدى تأثير التضخم وأسعار النفط في قرارات الاجتماعات المقبلة.

الاقتصاديون والأسواق على طرفي نقيض

وتكشف التطورات الأخيرة عن فجوة بين توقعات الاقتصاديين وتسعير الأسواق.

فقد أظهر استطلاع أجرته رويترز قبل صدور بيانات التضخم أن غالبية الاقتصاديين كانت تتوقع الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماع سبتمبر.

لكن الأسواق أصبحت أكثر ميلًا إلى رفع الفائدة بعد صدور بيانات الأسعار.

وتشير بعض التوقعات إلى أن رفع سبتمبر قد لا يكون الأخير؛ إذ تتوقع «كابيتال إيكونوميكس» زيادة ثانية في ديسمبر، ثم زيادة أخرى في مارس 2027.

في المقابل، يرى اقتصاديون آخرون أن استمرار التشديد سيتوقف على مدى انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى التضخم الأساسي وتوقعات الأسعار.

الذهب والدولار أمام اختبار جديد

ويحمل تحول توقعات الفائدة انعكاسات مباشرة على أسواق الذهب والدولار والسندات.

فارتفاع توقعات الفائدة يدعم الدولار وعوائد السندات، ويرفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب الذي لا يدر عائدًا دوريًا.

وفي المقابل، فإن أي إشارات إلى تراجع التضخم أو ضعف سوق العمل قد تعيد الأسواق سريعًا إلى تسعير خفض الفائدة، وهو ما قد يمنح الذهب دعمًا جديدًا.

وهنا تكمن أهمية خطاب وارش والمؤتمر الصحفي الذي يعقب قرار الفيدرالي، إذ ستبحث الأسواق عن أي إشارات بشأن الخطوات التالية، وليس قرار سبتمبر وحده.

قرارات البنوك المركزية تحت المجهر

ويمتد أسبوع القرارات النقدية إلى خارج الولايات المتحدة، مع ترقب قرار بشأن أسعار الفائدة في المملكة المتحدة.

كما تشير التوقعات إلى أن بنك اليابان قد يتجه إلى رفع أسعار الفائدة، بينما يراقب المستثمرون أيضًا توجهات البنك المركزي في تايوان.

وفي آسيا، ستقدم بيانات النشاط الاقتصادي في الصين مؤشرات جديدة بشأن قوة النمو القائم على الصادرات، بينما ستكون بيانات التضخم في الهند مهمة لتقييم اتجاه السياسة النقدية هناك.

الفيدرالي أمام مفترق طرق

وبذلك يدخل الاحتياطي الفيدرالي اجتماع سبتمبر أمام مفترق طرق واضح.

فالتضخم لا يزال أعلى من المستهدف، وسوق العمل تبدو أكثر قوة من التوقعات، بينما تضيف أسعار النفط المرتفعة خطرًا جديدًا على استقرار الأسعار.

وفي الوقت نفسه، ترتفع عوائد سندات الخزانة وتزداد تكاليف التمويل، ما يجعل أي تشديد إضافي أكثر تأثيرًا على الاقتصاد والأسواق.

والسؤال لم يعد فقط ما إذا كان الفيدرالي سيرفع الفائدة، بعدما أصبحت الأسواق تسعر هذا الاحتمال بقوة، وإنما إلى أي مدى سيذهب وارش في مواجهة التضخم، وهل تكون زيادة واحدة كافية، أم تبدأ الولايات المتحدة دورة جديدة من التشديد النقدي؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى