واشنطن تضرب «جسر» المدفوعات بين روسيا وإيران والصين بعقوبات على بنك «VTB»

صعّدت الولايات المتحدة ضغوطها على الشبكات المالية المرتبطة بإيران، بفرض عقوبات جديدة على بنك «في تي بي» الروسي، الذي وصفته واشنطن بأنه يمثل «جسرًا حيويًا» بين منظومة التسويات المالية الروسية–الإيرانية والقطاع المصرفي الصيني.
وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، الاثنين، إدراج البنك ضمن العقوبات المرتبطة بإيران، متهمة المؤسسة المالية بالمشاركة في جهود تستهدف الالتفاف على القيود الاقتصادية المفروضة على طهران.
وجاء القرار ضمن عملية «المنبوذ الاقتصادي» (Operation Economic Outcast)، التي أطلقتها الولايات المتحدة الشهر الماضي بهدف تكثيف الضغوط الاقتصادية على إيران والجهات التي تتعامل معها.
«VTB» في مرمى العقوبات الأمريكية
ويكتسب استهداف بنك «في تي بي» أهمية خاصة بسبب وجود فرعه في شنغهاي، ودوره في ترتيبات المدفوعات والتسويات التي تربط أطرافًا مرتبطة بروسيا وإيران بمؤسسات وشركات عاملة في الصين.
وتسعى واشنطن من خلال استهداف البنك إلى تضييق القنوات التي يمكن أن تستخدمها الجهات الإيرانية للوصول إلى النظام المالي الدولي، خاصة القنوات التي تمر عبر القطاع المصرفي الصيني.
وتتهم الإدارة الأمريكية مؤسسات مالية وكيانات تجارية بتوفير خدمات وترتيبات تساعد إيران على مواصلة تجارتها الخارجية رغم العقوبات، سواء من خلال تسهيل المدفوعات أو خدمات التسوية أو هياكل مالية عابرة للحدود.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة ستواصل استهداف وعزل الجهات التي تمكن النظام الإيراني من الوصول إلى الموارد المالية أو تساعده على تجاوز القيود الاقتصادية المفروضة عليه.
العقوبات تضع البنوك الصينية أمام اختبار جديد
ولا تقتصر تداعيات القرار على البنك الروسي المستهدف، إذ قد تدفع العقوبات البنوك والشركات الصينية إلى إعادة تقييم تعاملاتها مع «في تي بي»، خشية التعرض للعقوبات الثانوية الأمريكية أو فقدان إمكانية الوصول إلى النظام المالي الأمريكي.
وتتسم هذه المخاطر بأهمية خاصة بالنسبة للبنوك التي تربطها علاقات مراسلة مصرفية أو ترتيبات تسوية مع مؤسسات روسية، حتى عندما لا تكون المعاملات محل البحث مرتبطة بصورة مباشرة بإيران.
وفي مثل هذه الحالات، قد تفضل المؤسسات المالية تقليص العلاقات مع البنك المستهدف أو تشديد الفحص على المعاملات المرتبطة به، لتقليل مخاطر الامتثال والعقوبات.
ضغوط على المدفوعات بين روسيا وإيران والصين
ومن المتوقع أن تزيد العقوبات تكلفة عمليات التحويل والتسوية بين الشركات الروسية والإيرانية والصينية، خصوصًا في المعاملات التي تعتمد على وسطاء ماليين أو ترتيبات متعددة العملات.
وقد تدفع القيود الجديدة الأطراف المستهدفة إلى توسيع استخدام العملات المحلية وأنظمة المدفوعات البديلة والترتيبات الثنائية بعيدًا عن القنوات المالية الغربية.
لكن هذا التحول لا يعني تجاوز الضغوط بسهولة؛ إذ يمكن أن يؤدي إلى زيادة تكاليف التجارة، وإطالة دورة التسوية، ورفع مخاطر السيولة والامتثال، فضلًا عن زيادة الحاجة إلى وسطاء ماليين قادرين على العمل في بيئات عالية المخاطر.
البنوك تواجه فاتورة امتثال أعلى
ويمثل القرار الأمريكي رسالة مباشرة إلى المؤسسات المصرفية التي تتعامل مع الأسواق والكيانات المرتبطة بإيران، خاصة في الشرق الأوسط وتركيا وآسيا.
وقد يدفع التصعيد المصارف إلى تشديد إجراءات «اعرف عميلك» ومكافحة غسل الأموال، وزيادة فحص المستفيد الحقيقي من المعاملات، والتدقيق في مصادر الأموال ووجهاتها.
كما قد ترتفع تكلفة الامتثال بالنسبة إلى البنوك التي تتعامل مع مؤسسات تقع ضمن شبكات مالية تضم أطرافًا روسية أو إيرانية خاضعة للعقوبات.
موسكو وبكين أمام اختبار مالي جديد
ويأتي استهداف «في تي بي» في وقت تتوسع فيه العلاقات التجارية والمالية بين روسيا والصين، بينما تواجه موسكو وطهران قيودًا واسعة على الوصول إلى النظام المالي العالمي.
ومن ثم، فإن العقوبات الأمريكية تستهدف أكثر من مؤسسة مالية منفردة، إذ تختبر قدرة الشبكات المصرفية التي نشأت خلال السنوات الأخيرة على توفير قنوات بديلة للتجارة والتسوية بعيدًا عن النظام المالي الغربي.
وتحاول واشنطن، عبر هذه السياسة، رفع تكلفة التعامل مع الجهات المرتبطة بإيران، ليس فقط من خلال منع المؤسسات الأمريكية من التعامل معها، وإنما أيضًا عبر دفع البنوك الأجنبية إلى إعادة تقييم علاقاتها معها.
المعركة تنتقل من العقوبات إلى بنية المدفوعات
وتكشف العقوبات الجديدة عن تحول مهم في أدوات الضغط المالي الأمريكية؛ فالمواجهة لم تعد تقتصر على تجميد أصول كيانات محددة، وإنما تمتد إلى البنية التي تسمح بتدفق الأموال وتسوية التجارة بين الدول الخاضعة للعقوبات.
وتكمن أهمية استهداف «VTB» في أن أي تضييق على قنوات التسوية قد يفرض على الشركات والبنوك البحث عن مسارات بديلة، لكن هذه المسارات غالبًا ما تكون أكثر تكلفة وتعقيدًا وأعلى مخاطرة من الناحية التنظيمية.
وتترقب الأسواق والجهات الرقابية ردود فعل المؤسسات المصرفية الصينية والروسية على القرار، ومدى تأثيره في ترتيبات التجارة والمدفوعات بين الصين وروسيا وإيران خلال الفترة المقبلة.
والرسالة الأوسع من القرار أن واشنطن تحاول تضييق مساحة المناورة أمام شبكات التمويل البديلة، عبر استهداف المؤسسات التي تربط هذه الشبكات بالنظام المالي العالمي.









