أكبر موجة اندماجات مصرفية منذ 2008.. 7 بنوك أميركية قد تتجاوز تريليون دولار

يتجه القطاع المصرفي الأميركي، وفق تحليل حديث لشركة Bain & Co.، إلى موجة اندماجات واستحواذات قد تكون الأكبر منذ الأزمة المالية لعام 2008، مع توقع ارتفاع عدد البنوك الأميركية التي تتجاوز أصولها تريليون دولار من أربعة بنوك حاليًا إلى ما يصل إلى سبعة بنوك بحلول 2030.
ويربط التحليل هذا الاتجاه بعدة عوامل، أبرزها ما تصفه Bain ببيئة تنظيمية أكثر انفتاحًا أمام صفقات الاندماج، إلى جانب طفرة التكنولوجيا وامتلاك 17 بنكًا أميركيًا أكثر من 10 مليارات دولار لكل منها من رأس المال الفائض.
وترى الشركة أن هذا الفائض الرأسمالي، بالتزامن مع سهولة أكبر في مسار الموافقات التنظيمية، قد يدفع البنوك ذات الميزانيات القوية إلى زيادة نشاط الاندماج والاستحواذ خلال السنوات المقبلة.
7 بنوك فوق التريليون دولار بحلول 2030
يقوم السيناريو الذي تطرحه Bain على انتقال القطاع من أربعة بنوك تتجاوز قيمة أصولها تريليون دولار — JPMorgan Chase وBank of America وCitigroup وWells Fargo — إلى ما يصل إلى سبعة بنوك بحلول 2030.
ولا يعني ذلك أن البنوك الثلاثة الإضافية محددة سلفًا، وإنما يعكس تقديرًا من Bain بأن عمليات الاندماج، خصوصًا بين البنوك الإقليمية، قد تنتج مؤسسات جديدة بالحجم الكافي لدخول نادي البنوك ذات الأصول التي تتجاوز تريليون دولار.
وكانت تقارير مصرفية سابقة قد أشارت أيضًا إلى تقديرات Bain بإمكانية ظهور بنك واحد إلى ثلاثة بنوك ضخمة جديدة بحلول 2030 مع تقلص عدد البنوك الإقليمية.
فائض رأسمالي يتجاوز 10 مليارات دولار لدى 17 بنكًا
تستند Bain في جزء من تحليلها إلى وجود 17 بنكًا أميركيًا يملكون حاليًا أكثر من 10 مليارات دولار من رأس المال الفائض.
وبحسب الشركة، جرى تجميع الرقم من الإفصاحات الفصلية العامة ومصادر بيانات من أطراف ثالثة، من بينها Refinitiv.
ويمنح هذا الفائض البنوك مساحة أكبر لتمويل صفقات استحواذ دون الحاجة بالضرورة إلى الاعتماد بالدرجة نفسها على زيادة رأس المال، وهو ما ترى Bain أنه قد يمثل محركًا رئيسيًا لموجة الصفقات المقبلة.
قيمة صفقات الاندماج المصرفي ترتفع
وجد تحليل Bain أن القيمة الإجمالية لصفقات الاندماج والاستحواذ المصرفية ارتفعت بنسبة 19% خلال 2025، ثم زادت بنحو 7% أخرى خلال العام الحالي حتى وقت إعداد التحليل.
وقال جو ليشوي، الشريك في ممارسة الخدمات المالية واستراتيجية العملاء في Bain، إن قيمة الصفقات المنفذة ارتفعت بالفعل، لكنه اعتبر العامل التنظيمي من أبرز المحركات التي قد تدعم استمرار النشاط.
سانتاندير–ويبستر نموذج لصفقات المرحلة المقبلة
يمثل استحواذ Banco Santander على Webster Financial نموذجًا مبكرًا للنوع من الصفقات التي قد تنتشر بصورة أكبر خلال السنوات المقبلة.
وأكمل Santander الصفقة في 20 أغسطس 2026 بعد الحصول على الموافقات التنظيمية المطلوبة، لتنشأ مجموعة مصرفية أميركية أكبر من حيث الحجم والانتشار الجغرافي.
وكانت الصفقة قد حصلت على موافقة الاحتياطي الفيدرالي في أغسطس بعد موافقة مكتب مراقب العملة في يونيو والبنك المركزي الأوروبي في يوليو.
ويرى تحليل Bain أن هذه الصفقة توضح كيف يمكن للبنك المستحوذ الجمع بين التوسع الجغرافي والحصول على قدرات متخصصة، إذ يمنح استحواذ Webster Santander حضورًا أكبر في الشمال الشرقي الأميركي، إلى جانب أنشطة ومنتجات لم تكن بالقوة نفسها ضمن منظومته السابقة.
تخفيف إجراءات الاندماج يعزز شهية البنوك
وتأتي توقعات Bain في ظل تغييرات تنظيمية أميركية جارية بشأن مراجعة صفقات البنوك.
ففي 17 سبتمبر 2026 اقترحت المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع FDIC إعادة صياغة إطار مراجعة عمليات الاندماج المصرفي، بهدف زيادة سرعة ووضوح وقابلية التنبؤ بإجراءات المراجعة وتقليل الأعباء على بعض المعاملات.
ويتضمن المقترح مسارًا مبسطًا لبعض الصفقات الصغيرة جدًا، وتخصيص متطلبات تقديم الملفات وفق حجم الصفقة ومستوى المخاطر، فضلًا عن آليات تستهدف تقليص زمن المعالجة.
وهذه الإجراءات مقترحات تنظيمية وليست قواعد نهائية، لكنها تمثل أحد الأسباب التي تستند إليها القراءة السوقية بشأن زيادة سهولة تنفيذ الصفقات خلال المرحلة المقبلة.
المقياس أم النطاق؟ صفقات البنوك تنقسم إلى مسارين
تقسم Bain صفقات البنوك إلى فئتين رئيسيتين: صفقات التوسع في الحجم وصفات التوسع في النطاق.
وتستهدف صفقات التوسع في الحجم زيادة الودائع والفروع والحضور الجغرافي، بينما تركز صفقات التوسع في النطاق على إضافة قدرات لا يمتلكها البنك المستحوذ أصلًا.
وترى Bain أن الصفقات التي تجمع بين الحجم والنطاق قد تحقق قيمة أكبر، لأنها لا تكتفي بتوسيع الميزانية والانتشار، وإنما تضيف أيضًا منتجًا أو شبكة أو قدرة تقنية جديدة.
كابيتال وان وDiscover مثال على إضافة القدرة
يبرز استحواذ Capital One على Discover كمثال على صفقة توسع في النطاق إلى جانب الحجم.
وأكملت Capital One الاستحواذ في 18 مايو 2025، بعد حصول الصفقة على الموافقات التنظيمية اللازمة، ما أضاف إلى Capital One شبكة مدفوعات لم تكن تمتلكها قبل الصفقة.
وتشير Bain إلى أن هذا النوع من الصفقات قد يكون جذابًا عندما تسمح عملية الاستحواذ للبنك بإضافة قدرة استراتيجية لا يمكن بناؤها بالسرعة نفسها داخليًا.
صفقة Fifth Third وComerica تختلف في طبيعتها
في المقابل، تمثل صفقة Fifth Third Bancorp وComerica نموذجًا أقرب إلى صفقة توسيع الحجم، إذ ينصب التركيز بصورة أكبر على دمج الودائع والفروع والأعمال المصرفية القائمة.
وبذلك، تختلف طبيعة القيمة المحتملة من صفقة إلى أخرى؛ فصفقة توسع الحجم تعتمد بدرجة أكبر على وفورات التكلفة والكفاءة، بينما تضيف صفقة توسع النطاق قدرة أو منتجًا جديدًا إلى البنك المستحوذ.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يدفعان البنوك إلى الاستحواذ
لا يرتبط اندفاع البنوك نحو الاستحواذ بالحجم وحده، إذ أصبحت الذكاء الاصطناعي والبيانات والمدفوعات والأصول الرقمية والبلوك تشين مجالات رئيسية للمنافسة المصرفية.
وتحذر Bain من أن البنوك التي لا تطور أو تستحوذ على القدرات التكنولوجية المطلوبة قد تواجه خطر التأخر عن المنافسين.
ويرى ليشوي أن الهدف لا ينبغي أن يكون شراء شركات التكنولوجيا المالية بصورة عشوائية، وإنما تحديد فجوات القدرات داخل البنك ثم تحديد ما إذا كان من الأفضل سدها داخليًا أو من خلال الاستحواذ، مع إجراء فحص دقيق قبل دمج الأصل الجديد.
الاستحواذ على شركات التكنولوجيا المالية يحمل مخاطر أكبر
ورغم جاذبية شركات التكنولوجيا المالية بالنسبة للبنوك الباحثة عن قدرات تقنية سريعة، فإن تقييم هذه الشركات قد يكون أكثر تعقيدًا من الاستحواذ على بنك يعمل في نشاط تقليدي مشابه.
وتتعلق صعوبة التقييم بطبيعة الأعمال الجديدة، واستدامة الإيرادات، وتكلفة دمج البنية التقنية الحديثة مع الأنظمة المصرفية القديمة، إضافة إلى احتمالات فقدان المؤسسين والمهندسين الرئيسيين بعد إتمام الصفقة.
وقال جيف بارينغتون، المدير الإداري في Windsor Drake، إن البنوك قد تقع في أخطاء تشمل دفع مبالغ مرتفعة مقابل إيرادات غير مستدامة، والتقليل من تكلفة الدمج التقني، وسوء تقدير المخاطر التنظيمية ومخاطر البنوك الشريكة.
المستهلكون والمنافسة في قلب النقاش
وفي المقابل، تحمل موجة الاندماجات المحتملة تأثيرات تتجاوز البنوك والمساهمين.
ويحذر منتقدو التركز المصرفي، بحسب بارينغتون، من أن تقليص عدد البنوك قد يؤدي إلى انخفاض الخيارات أمام العملاء وإغلاق بعض الفروع وتراجع الإقراض القائم على العلاقات، خصوصًا في المدن الصغيرة وبين رواد الأعمال الذين يعتمدون على التواصل المباشر مع البنوك.
في المقابل، يمكن أن يتيح الحجم الأكبر تمويل استثمارات أوسع في التكنولوجيا وتحسين الخدمات، ما يجعل تأثير الاندماجات على العملاء مرتبطًا بهيكل كل صفقة ونتائجها الفعلية وليس بمجرد إتمام الاستحواذ.
البنوك تحتاج إلى اختبار قدرتها قبل شراء منافس
وتقترح Bain على إدارات البنوك إجراء تقييم ذاتي قبل الدخول في صفقة، يشمل الحجم المالي، والكثافة الجغرافية، ومزيج الأعمال، وقدرات المنتجات، والتكنولوجيا والسيولة.
وبحسب هذا الإطار، ينبغي ألا يبدأ البنك من السؤال حول المؤسسة التي يريد شراءها، وإنما من تحديد نقاط الضعف التي يريد معالجتها، ثم مقارنة تكلفة بناء القدرة داخليًا بتكلفة الحصول عليها من خلال الاستحواذ.
ويحذر هذا النهج من تحول عمليات الاندماج إلى مجرد سباق نحو زيادة الحجم دون وجود استراتيجية واضحة لخلق قيمة إضافية.
هل تتجه أميركا فعلًا إلى أكبر موجة منذ 2008؟
تقدم Bain توقعًا قويًا بشأن اتجاه السوق، لكنها لا تعني أن كل صفقات الاندماج المحتملة ستتم أو أن عدد البنوك ذات الأصول التي تتجاوز تريليون دولار سيصل حتمًا إلى سبعة.
فالصفقات لا تزال خاضعة لمراجعة الجهات التنظيمية، ومتطلبات المنافسة والاستقرار المالي واحتياجات المجتمعات، فضلًا عن اعتبارات التقييم والتمويل وقدرة المؤسسات على دمج الأصول المستحوذ عليها. ويؤكد الإطار المقترح من FDIC أن الموافقة التنظيمية لا تزال تتطلب تقييم عوامل متعددة، حتى مع اقتراح تسريع بعض مسارات المراجعة.
وبذلك، فإن المشهد المصرفي الأميركي يدخل مرحلة نشطة من البحث عن الحجم والقدرات، مدفوعة برأس المال المتاح والتكنولوجيا والتغيرات التنظيمية، بينما ستحدد جودة الصفقات ونتائجها الفعلية ما إذا كانت موجة الاندماج المتوقعة ستتحول بالفعل إلى إعادة رسم واسعة لخريطة القطاع المصرفي الأميركي.









