579.4 مليار دولار خسائر الاحتيال.. الذكاء الاصطناعي يشعل معركة البنوك والمجرمين

دخلت البنوك والمؤسسات المالية مرحلة جديدة في مواجهة الاحتيال، بعدما بدأ المجرمون في توظيف الذكاء الاصطناعي لجعل هجماتهم أكثر إقناعًا وتوسيع نطاقها، بينما تتجه المؤسسات المصرفية إلى استخدام التكنولوجيا نفسها لتحليل سلوك العملاء ورصد الأنشطة المشبوهة قبل تحولها إلى خسائر مالية.

وقدرت شركة ناسداك فيرافين خسائر الاحتيال المصرفي وعمليات النصب عالميًا بنحو 579.4 مليار دولار خلال 2025، مع تسجيل الخسائر معدل نمو سنوي مركب بلغ 9.2% منذ 2023، وفق تقريرها العالمي عن الجرائم المالية لعام 2026.

ويكشف التقرير عن تسارع واضح في استخدام الذكاء الاصطناعي من جانب المجرمين؛ إذ أفاد 90% من المتخصصين في مكافحة الجرائم المالية الذين شملهم الاستطلاع بأن الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي ارتفعت خلال العامين الماضيين، بينما يعتزم 75% من المشاركين زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الجرائم المالية.

المحتالون يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتوسيع نطاق الهجمات

أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي أداة جديدة في عمليات انتحال الشخصية والتصيد الاحتيالي والهندسة الاجتماعية، بما يجعل الرسائل والاتصالات الاحتيالية أكثر قدرة على إقناع الضحايا.

وتزداد خطورة هذه الأدوات لأنها لا تجعل الهجوم أكثر إقناعًا فقط، بل تسمح للمجرمين بإنتاج عدد أكبر من المحاولات في وقت أقصر، ما يصعب على أنظمة الرقابة التقليدية اكتشاف الأنماط بسرعة.

وتقول جولي جيردمان، المسؤولة التنفيذية عن منصة المدفوعات والتجارة العالمية في بنك نيويورك، إن عمليات الاحتيال في المدفوعات أصبحت أكثر تعقيدًا وتتطور بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.

الاحتيال في المدفوعات المصرح بها يفرض تحديًا مختلفًا

تزداد صعوبة المواجهة عندما يوافق العميل بنفسه على العملية المصرفية بعد تعرضه للخداع.

ويعرف هذا النوع باسم الاحتيال في المدفوعات المصرح بها، حيث يتمكن المحتال من إقناع الضحية بتحويل الأموال طواعية إلى حساب يسيطر عليه.

وفي بريطانيا، ارتفعت الخسائر الناجمة عن هذا النوع من الاحتيال بنسبة 19% خلال 2025 على أساس سنوي، وفق البيانات المشار إليها في المادة.

وتكمن المشكلة هنا في أن الضوابط المصرفية التقليدية قد ترى عملية صحيحة من الناحية التقنية؛ فالعميل استخدم بياناته الحقيقية وصادق على التحويل بنفسه، ما يجعل اكتشاف الخداع أكثر صعوبة.

الذكاء السلوكي يبحث عن العميل وليس العملية فقط

تتجه البنوك لذلك إلى استخدام أدوات تعتمد على الذكاء السلوكي لدراسة طريقة تعامل العميل مع التطبيق أو المنصة بدل الاكتفاء بفحص خصائص المعاملة نفسها.

ويقول جوناثان فروست، المدير الاستشاري العالمي لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في BioCatch، إن عملية المصادقة التقليدية قد تؤكد صحة بيانات الاعتماد، لكن تحليل السلوك يساعد على الإجابة عن سؤال مختلف يتعلق بمن يقف فعليًا خلف الجلسة المصرفية.

ويمكن أن تشمل المؤشرات التي ترصدها الأنظمة جلسة أطول من المعتاد، أو ترددًا غير طبيعي قبل تأكيد الدفع، أو نمط تنقل مختلفًا، أو تغيرًا في توقيتات الإدخال وحركة الجهاز.

وتسمح هذه المؤشرات للبنك بتحديد الحالات التي قد يكون فيها العميل نفسه ضحية للتلاعب، حتى لو كانت بيانات الدخول والتحويل تبدو صحيحة.

البنوك تضيف الذكاء الاصطناعي إلى طبقات الحماية القائمة

لا تتجه المؤسسات المالية إلى استبدال ضوابطها التقليدية بالذكاء الاصطناعي، وإنما إلى دمجه ضمن إطار رقابي متعدد الطبقات.

ويشمل هذا الإطار، إلى جانب تحليل السلوك، فحوص العقوبات، والتحقق من الهوية، والضوابط الخاصة بالأشخاص المصرح لهم بالوصول إلى المدفوعات أو الموافقة عليها، فضلًا عن المراجعة البشرية.

وتوضح جيردمان أن الذكاء الاصطناعي يحقق أكبر قيمة عندما يعمل ضمن منظومة تحكم أوسع، وليس باعتباره خط دفاع منفردًا.

الذكاء الاصطناعي يرفع سرعة ودقة اكتشاف المدفوعات الشاذة

ويستخدم بنك نيويورك أدوات للذكاء الاصطناعي لتحسين سرعة ودقة النماذج التي تدعم حلول التحقق من المدفوعات، بهدف اكتشاف العمليات غير المعتادة والاحتيال المحتمل.

كما تستخدم المؤسسة تعليمات باللغة الطبيعية لضبط وتحسين ضوابط مكافحة الاحتيال لديها، بما يسمح بإدارة الأنظمة بصورة أكثر مرونة وفق تطور أنماط الهجمات.

ويعكس ذلك تحولًا في دور الذكاء الاصطناعي داخل البنوك من أداة تحليل بيانات فقط إلى وسيلة للمساعدة في تطوير قواعد الكشف نفسها.

الاحتيال وغسل الأموال وجهان لسلسلة واحدة

لا تتوقف العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والجرائم المالية عند اكتشاف الاحتيال، إذ أصبحت البنوك تربط هذه القدرات بصورة أكبر مع أنظمة مكافحة غسل الأموال.

ويقول فروست إن الاحتيال وغسل الأموال يمكن النظر إليهما باعتبارهما حدثًا واحدًا تتم ملاحظته في نقطتين مختلفتين من السلسلة المالية.

وهذا الترابط يسمح للمؤسسات بمتابعة الأموال الناتجة عن عملية الاحتيال بعد انتقالها، بدل الاكتفاء بمنع أو اكتشاف العملية الاحتيالية الأصلية.

أستراليا تطبق نموذجًا لتبادل المعلومات بين البنوك

تقدم أستراليا نموذجًا مبكرًا للتعاون بين البنوك في مواجهة الاحتيال المدعوم بالتكنولوجيا.

فقد أطلقت BioCatch Trust Australia عام 2024 بالتعاون مع خمسة من أكبر البنوك في البلاد، لتشكيل شبكة لتبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالاحتيال السلوكي والاحتيال القائم على الأجهزة.

وتستخدم الشبكة البيانات المشتركة بين المؤسسات المشاركة لتقييم مخاطر الاستيلاء على الحسابات في الوقت الفعلي، بما يسمح للبنك الذي يرسل الأموال بمراجعة المعاملة المشبوهة قبل انتقالها إلى الحساب المستفيد.

أكثر من 85% من عملاء البنوك الأسترالية مشمولون بالشبكة

وبحسب BioCatch، تغطي الشبكة حاليًا أكثر من 85% من السكان الأستراليين الذين لديهم حسابات مصرفية.

كما قامت بتحليل أكثر من 180 مليون دفعة بقيمة إجمالية بلغت 330 مليار دولار أسترالي، بما يعادل نحو 233 مليار دولار أميركي، خلال الربع الثالث من 2025، وكشفت محاولات احتيال بقيمة تجاوزت 60 مليون دولار أسترالي.

وتشير هذه التجربة إلى أهمية تبادل المعلومات بين المؤسسات، خصوصًا عندما يستخدم المحتالون أكثر من بنك ضمن سلسلة واحدة لتحريك الأموال بسرعة.

التحدي الأكبر: حماية العميل دون تعطيل المدفوعات

رغم التطور السريع في أدوات اكتشاف الاحتيال، تواجه البنوك معادلة معقدة تتمثل في رفع مستوى الحماية دون تعطيل المدفوعات المشروعة أو إرهاق العملاء بعمليات تحقق إضافية.

فالاعتماد المفرط على التحذيرات قد يؤدي إلى زيادة رفض المعاملات السليمة ورفع الاحتكاك في الخدمات المصرفية، بينما يؤدي ضعف الرقابة إلى ترك مساحة أوسع للمحتالين.

ولهذا تتجه البنوك إلى الجمع بين التحليل الآلي والسلوك الرقمي والمصادقة التقليدية والمراجعة البشرية للوصول إلى توازن بين الأمن وسهولة الاستخدام.

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم معركة الجرائم المالية

تظهر التطورات الأخيرة أن الذكاء الاصطناعي غيّر طبيعة المعركة بين البنوك والمحتالين؛ فالمجرمون يستخدمونه لتوسيع نطاق الهجمات وتحسين قدرتها على الإقناع، بينما تستخدمه البنوك لالتقاط السلوك غير المعتاد وربط الأحداث المالية ببعضها.

ومع وصول الخسائر العالمية من الاحتيال والنصب إلى 579.4 مليار دولار في 2025، تصبح قدرة المؤسسات على اكتشاف الهجمات قبل انتقال الأموال أكثر أهمية.

لكن نجاح هذه الأدوات لن يعتمد على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على دمجه مع التحقق من الهوية، وضوابط المدفوعات، ومكافحة غسل الأموال، وتبادل المعلومات، والمراجعة البشرية.

وبذلك، تتحول المنافسة إلى سباق مستمر بين قدرة المجرمين على تطوير أساليب الاحتيال وقدرة المؤسسات المالية على اكتشاف الأنماط الجديدة والاستجابة لها بالسرعة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى