54.4 مليار دولار احتياطيًا.. لماذا أبقت فيتش تصنيف مصر عند B؟

أبقت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني التصنيف السيادي طويل الأجل لمصر عند B مع نظرة مستقبلية مستقرة، في أحدث مراجعة لها، مستندة إلى تحسن الاحتياطيات والمرونة أمام الصدمات الخارجية واستمرار الدعم من الشركاء الدوليين، في مقابل استمرار ضغوط الدين العام وارتفاع تكلفة خدمته والتضخم والاحتياجات التمويلية الخارجية.

ورفعت مصر إجمالي احتياطياتها الدولية بنحو 5.5 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 لتصل إلى 54.4 مليار دولار، بينما تتوقع فيتش تباطؤ نمو الاقتصاد إلى 4.7% في السنة المالية 2026-2027 من 5.1% في السنة المالية السابقة، مع ارتفاع متوسط التضخم إلى 12.3% قبل أن يعود إلى مسار هبوطي في السنة التالية.

الاحتياطيات ترتفع إلى 54.4 مليار دولار

اعتبرت «فيتش» تحسن مؤشرات مصر الخارجية أحد العوامل الداعمة للتصنيف، بعدما ارتفع إجمالي الاحتياطي الدولي بنحو 5.5 مليار دولار خلال أول ثمانية أشهر من العام إلى 54.4 مليار دولار.

كما ارتفع صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي المصري بنحو 5.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها، ليصل إلى نحو 19 مليار دولار في أغسطس.

وترى الوكالة أن هذا التحسن يعكس قدرة أكبر على تمويل الاحتياجات الخارجية، مدعومًا بتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر والاقتراض الخارجي وتحسن مصادر النقد الأجنبي، إلى جانب استمرار إيرادات السياحة وتحويلات العاملين في الخارج.

مرونة الجنيه نجحت في اختبار صعب

رأت فيتش أن نظام سعر الصرف المرن خضع لاختبار حقيقي خلال تداعيات الحرب مع إيران، بعدما خرج أكثر من 6 مليارات دولار من استثمارات المحافظ الأجنبية في أدوات الدين الحكومية.

وأدت الصدمة إلى انخفاض الجنيه بأكثر من 14% أمام الدولار قبل أن يستعيد جزءًا كبيرًا من خسائره مع عودة تدفقات المحافظ الأجنبية.

وبحسب فيتش، حافظ البنك المركزي على قابلية تحويل العملة دون فرض قيود على النقد الأجنبي أو التدخل بصورة كبيرة لدعم سعر الصرف، وهو ما عزز مصداقية نظام سعر الصرف المرن.

5.1% نموًا.. لكن 2027 يحمل تباطؤًا

تسارع نمو الاقتصاد المصري إلى 5.1% في السنة المالية 2025-2026، بدعم من السياحة والصناعات التحويلية الموجهة للتصدير واستهلاك الأسر.

لكن فيتش تتوقع تباطؤ النمو إلى 4.7% في السنة المالية 2026-2027، مع استمرار أثر التضخم المرتفع على الاستهلاك الخاص وتباطؤ وتيرة الاستثمار.

ورغم خفض توقعات النمو، ترى الوكالة أن الاقتصاد المصري لا يزال يتمتع بإمكانات نمو مرتفعة نسبيًا مقارنة بعدد من الاقتصادات النظيرة ضمن الفئة التصنيفية نفسها.

التضخم يرتفع إلى 12.3% قبل عودة التراجع

توقعت فيتش ارتفاع متوسط التضخم إلى 12.3% في السنة المالية 2026-2027 مقابل 11.6% في السنة المالية 2025-2026، نتيجة استمرار الضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة والسلع الأساسية.

وتتوقع الوكالة عودة التضخم إلى مستوى أقل من 10% في السنة المالية 2027-2028، مدعومًا بمرونة سعر الصرف وتشدد السياسة النقدية وتراجع أسعار السلع الأساسية.

كما رجحت فيتش أن تُجري مصر زيادات إضافية في أسعار الوقود خلال الربع الأخير من 2026 بعد الزيادات التي شهدتها الأسعار في مارس.

عجز الحساب الجاري يرتفع قبل تحسن متوقع

قدرت فيتش عجز الحساب الجاري بنحو 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025-2026، مقابل 4.2% في العام السابق، متأثرًا بارتفاع تكلفة واردات الطاقة.

وفي المقابل، ساهم نمو إيرادات السياحة بنسبة 10% وارتفاع تحويلات العاملين بنسبة 18% في الحد من اتساع العجز.

وتتوقع الوكالة انخفاض عجز الحساب الجاري إلى أقل من 3.5% من الناتج بحلول السنة المالية 2027-2028، مع تحسن مصادر التمويل الخارجي.

الدين يتراجع.. لكن فوائد القروض تظل ثقيلة

على مستوى المالية العامة، تتوقع فيتش اتساع عجز الحكومة العامة إلى 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2026-2027، مقابل 5.3% في السنة السابقة، قبل تراجعه إلى أقل من 5% في السنة المالية التالية.

وفي الوقت نفسه، ترجح الوكالة انخفاض الدين الحكومي بنحو 8 نقاط مئوية ليصل إلى 72% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية السنة المالية 2027-2028.

لكن عبء الفوائد يظل نقطة الضعف الأكبر، إذ تتوقع فيتش تراجعه إلى 52% من الإيرادات الحكومية في 2027-2028، مقابل 63% في 2025-2026، وهو مستوى لا يزال أعلى بكثير من متوسط الدول المصنفة عند B والبالغ نحو 14%.

لماذا لم تحصل مصر على ترقية؟

رغم تحسن الاحتياطيات واستعادة قدر من الاستقرار في سوق الصرف وتسارع النمو، ترى فيتش أن مجموعة من المخاطر لا تزال تمنع رفع التصنيف.

وتشمل هذه المخاطر ضعف المالية العامة، وارتفاع نسبة فوائد الدين إلى الإيرادات، وكبر الاحتياجات التمويلية الخارجية، وتقلب تدفقات التمويل التجاري، واستمرار التضخم والمخاطر الجيوسياسية.

وبالتالي، فإن التحسن في المؤشرات الخارجية لم يكن كافيًا بمفرده لنقل التصنيف السيادي إلى درجة أعلى، خصوصًا مع استمرار ارتفاع تكلفة خدمة الدين والحاجة إلى تمويل خارجي كبير.

لا برنامج تمويلي جديد مع صندوق النقد بعد نوفمبر

وقالت فيتش إنها لا تتوقع دخول مصر في برنامج جديد لصندوق النقد الدولي يتضمن تمويلات جديدة بعد انتهاء البرامج الحالية في نوفمبر 2026.

لكن الوكالة تتوقع استمرار المزيج الحالي للسياسات الاقتصادية، بما يشمل الحفاظ على أسعار فائدة حقيقية موجبة، وفائض أولي، وسعر صرف أكثر مرونة، إلى جانب مواصلة الإصلاحات الهيكلية.

دعم دولي مستمر مقابل مخاطر لم تختفِ

تظل قدرة مصر على الوصول إلى دعم من الشركاء الثنائيين ومتعددي الأطراف أحد أبرز العوامل الداعمة للتصنيف، إلى جانب الحجم الكبير للاقتصاد وإمكانات النمو.

لكن الصورة التي ترسمها فيتش تظل مزدوجة: احتياطيات أقوى ومرونة أكبر في مواجهة الصدمات الخارجية من جهة، وضغوط مالية وتضخمية مرتفعة من جهة أخرى.

وبقاء التصنيف عند B مع نظرة مستقرة يعني أن الوكالة ترى أن المخاطر الحالية لا تستدعي خفضًا للتصنيف، لكنها في الوقت نفسه لم ترَ تحسنًا كافيًا ومستدامًا في المؤشرات المالية والخارجية لتبرير رفعه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى