الدكتور أحمد النعماني يكتب: « الرئيس السيسي والنمور الآسيوية.. 5 مكاسب اقتصادية تراهن عليها مصر »
خبير اقتصادي / الأمين العام المساعد - أمانة العضوية المركزية - حزب مستقبل وطن

في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية، وتشتد فيه المنافسة على رؤوس الأموال والتكنولوجيا والأسواق، لم تعد الزيارات الرئاسية مجرد محطات دبلوماسية لتأكيد العلاقات السياسية، بل أصبحت أداة مهمة لفتح الأسواق، وبناء الشراكات الاستثمارية، وتعزيز قدرة الدول على تحقيق النمو المستدام.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الجولة الآسيوية التي يقوم بها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كوريا الجنوبية وماليزيا أهمية اقتصادية خاصة، في ظل سعي مصر إلى تنويع شركائها الدوليين، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتعزيز الإنتاج المحلي والصادرات، بما يدعم قدرة الاقتصاد الوطني على التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية.
أولًا: كوريا الجنوبية.. شراكة استراتيجية تتجاوز حدود التجارة
تمثل كوريا الجنوبية نموذجًا اقتصاديًا يستحق الدراسة؛ فقد نجحت في بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة، وأصبحت من الاقتصادات المؤثرة عالميًا في مجالات الإلكترونيات والسيارات وبناء السفن والابتكار.
وجاءت زيارة الرئيس السيسي إلى سول لتمثل خطوة مهمة في مسار العلاقات المصرية الكورية، مع الارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وإطلاق مفاوضات بشأن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، إلى جانب توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات متعددة.
اقتصاديًا، تتمثل القيمة الحقيقية لهذه الخطوة في إمكانية الانتقال من نمط التعاون التجاري التقليدي إلى شراكة إنتاجية تقوم على التصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، وزيادة القيمة المضافة للاقتصاد المصري.
وتبرز هنا أهمية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي يمكن أن تمثل قاعدة صناعية وتصديرية للشركات الكورية، مستفيدة من الموقع الجغرافي لمصر وشبكة اتفاقياتها التجارية، بما يتيح فرصًا للوصول إلى أسواق إقليمية ودولية.
كما تتيح قطاعات السيارات الكهربائية والإلكترونيات والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والصناعات الدوائية فرصًا لتوسيع الاستثمارات النوعية، وتطوير مهارات العمالة المصرية، وخلق وظائف ترتبط بالتكنولوجيا الحديثة. وتمثل هذه المجالات فرصًا مهمة لتعميق التعاون الصناعي والتكنولوجي بين البلدين.
القطاع المصرفي.. شريك في تمويل الاستثمارات الجديدة
ومن منظور مصرفي، يفتح توسع الاستثمارات الصناعية المجال أمام البنوك لتمويل المشروعات الجديدة، وتقديم خدمات تمويل التجارة، وإدارة المدفوعات الدولية، وتمويل سلاسل الإمداد، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالشركات الكبرى.
كما يمكن أن يسهم التعاون المصرفي في تسهيل المعاملات العابرة للحدود، وتوفير أدوات إدارة مخاطر أسعار الصرف، وتيسير حصول الشركات المصدرة والمستوردة على الخدمات المالية اللازمة لتوسيع أنشطتها.
وبذلك، لا تقتصر الاستفادة من الشراكة المصرية الكورية على تدفقات الاستثمار المباشر، بل تمتد إلى فرص نمو الأعمال المصرفية المرتبطة بالإنتاج والتصدير والتجارة الدولية.
ثانيًا: ماليزيا.. بوابة لتعميق العلاقات الاقتصادية مع آسيا
تمثل ماليزيا محطة مهمة في الجولة الآسيوية، بالنظر إلى خبرتها في التصنيع والتصدير والصناعات الإلكترونية، إلى جانب فرص التعاون في مجالات التكنولوجيا والصناعات الغذائية والخدمات والسياحة والاستثمار.
وتأتي زيارة الرئيس السيسي إلى كوالالمبور في إطار تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي بين البلدين، بما يتيح فرصًا للاستفادة المتبادلة من المقومات الإنتاجية والتجارية لدى الجانبين.
وتكمن أهمية هذه الشراكة في إمكانية الاستفادة من التجربة الماليزية في تطوير الصناعات الموجهة للتصدير، ورفع كفاءة الإنتاج، وربط الاستثمار بالتكنولوجيا والتدريب والتأهيل.
كما يمكن أن يفتح التعاون مع ماليزيا آفاقًا أوسع أمام الشركات المصرية للوصول إلى أسواق جنوب شرق آسيا، وهي منطقة تتمتع بفرص تجارية واستثمارية مهمة.
وفي المقابل، تمتلك مصر مقومات يمكن توظيفها لجذب الشركات الماليزية، من بينها السوق المحلية الكبيرة، والموقع الاستراتيجي، والبنية الأساسية، والفرص المتاحة في قطاعات الصناعة والخدمات اللوجستية والسياحة.
لكن العبرة الاقتصادية لا تكمن في توقيع الاتفاقيات أو الإعلان عن فرص التعاون فحسب، وإنما في قدرة الجانبين على تحويل هذه التفاهمات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، باستثمارات محددة وجداول زمنية واضحة وعوائد اقتصادية قابلة للقياس.
ثالثًا: 5 مسارات لتحقيق أكبر عائد اقتصادي لمصر
في تقديري، تتوقف النتائج الاقتصادية الفعلية لهذه التحركات على خمسة مسارات رئيسية، يمكن أن تحدد مدى قدرة مصر على تحويل الشراكات الدولية إلى مكاسب مستدامة.
1- جذب استثمارات إنتاجية حقيقية
يجب أن تتجه الأولوية إلى المشروعات التي تضيف طاقات إنتاجية جديدة، وتوفر فرص عمل، وتزيد مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي. فالمعيار الأساسي لنجاح الاستثمار ليس حجمه المعلن فقط، بل قدرته على توليد قيمة مضافة مستدامة للاقتصاد.
2- توطين التكنولوجيا ونقل المعرفة
لا ينبغي أن يقتصر التعاون على استيراد المنتجات النهائية، بل يجب أن يمتد إلى نقل المعرفة الفنية، وتدريب الكوادر المصرية، وزيادة المكون المحلي في الصناعات المستهدفة.
فكلما ارتفعت قدرة الشركات المصرية على اكتساب التكنولوجيا وتطوير مهاراتها الإنتاجية، زادت فرص بناء قاعدة صناعية أكثر تنافسية وأقل اعتمادًا على الخارج.
3- تعزيز الصادرات وتوفير النقد الأجنبي
يمثل التوسع في الصادرات وإحلال الواردات أحد أهم المسارات لتعزيز الموارد من العملات الأجنبية وتخفيف الضغوط على ميزان المدفوعات.
لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب تقييم العائد الصافي لكل مشروع، وليس الاكتفاء بقيمة صادراته الإجمالية؛ إذ ينبغي احتساب احتياجاته من المكونات المستوردة والتزاماته الخارجية، للتأكد من مساهمته الفعلية في توفير النقد الأجنبي.
4- تمكين القطاع الخاص
يتطلب نجاح الشراكات الدولية بيئة استثمارية مستقرة، وإجراءات واضحة وسريعة، ومنافسة عادلة، وقدرة أكبر للقطاع الخاص على قيادة النشاط الإنتاجي والتصديري.
كما أن جذب الشركات الأجنبية لا يرتبط بالحوافز الاستثمارية وحدها، بل يتطلب وضوح القواعد المنظمة للأعمال، وسهولة ممارسة النشاط الاقتصادي، وتوافر العمالة المؤهلة والبنية الأساسية المناسبة.
5- توسيع دور القطاع المصرفي
لا تقتصر وظيفة البنوك على تمويل الاستثمار، بل تمتد إلى المشاركة في تحويل الفرص الاستثمارية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، من خلال التمويل طويل الأجل، وتمويل الصادرات، والضمانات المصرفية، وإدارة المخاطر، وتوفير الحلول المالية للشركات المحلية والأجنبية.
ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة في المشروعات الصناعية والتكنولوجية التي تحتاج إلى تمويل مستدام، وخدمات مالية متخصصة، وقدرة على إدارة التدفقات النقدية والمعاملات الدولية.
رابعًا: التحدي الحقيقي.. من الدبلوماسية الاقتصادية إلى نتائج ملموسة
لا يمكن قياس نجاح الجولة بعدد اللقاءات أو الاتفاقيات الموقعة وحدها، بل بمدى انعكاسها على المؤشرات الاقتصادية الفعلية.
ومن هنا، تستلزم المرحلة التالية وضع آليات متابعة واضحة تحدد المشروعات ذات الأولوية، وحجم الاستثمارات المستهدفة، وفرص العمل المتوقع توفيرها، ونسب المكون المحلي، وحجم الصادرات الجديدة، ومدى نقل التكنولوجيا إلى السوق المصرية.
كما ينبغي التعامل مع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم باعتبارها بداية لمسار اقتصادي، وليس دليلًا في حد ذاتها على تحقق الاستثمارات أو تدفقاتها المالية.
وتبرز أهمية التنسيق بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والبنوك والمؤسسات المعنية بالتجارة والاستثمار، لضمان سرعة الانتقال من التفاهمات إلى التنفيذ، ومعالجة المعوقات التنظيمية أو التمويلية التي قد تواجه المستثمرين.
ومن الضروري أيضًا تقييم نتائج هذه الشراكات وفق مؤشرات أداء محددة، تشمل الاستثمارات التي دخلت حيز التنفيذ، والطاقة الإنتاجية المضافة، وفرص العمل الفعلية، ونمو الصادرات، وحجم التكنولوجيا والمعرفة التي انتقلت إلى الشركات المصرية.
فبهذه المؤشرات يمكن التمييز بين النجاح الدبلوماسي في بناء العلاقات، والنجاح الاقتصادي في تحقيق عائد ملموس للمواطن والاقتصاد الوطني.
الخلاصة: تنويع الشراكات لتعزيز قوة الاقتصاد المصري
يعكس التحرك المصري نحو كوريا الجنوبية وماليزيا توجهًا مهمًا لتوسيع شبكة الشراكات الاقتصادية الدولية، والاستفادة من التجارب الآسيوية في التصنيع والتكنولوجيا والتصدير.
وقد مثلت محطة كوريا الجنوبية خطوة مهمة على مستوى العلاقات الثنائية، من خلال إرساء الشراكة الاستراتيجية وإطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، بينما تظل النتائج الاقتصادية للمحطة الماليزية مرهونة بما تسفر عنه الزيارة من اتفاقات ومشروعات قابلة للتنفيذ.
إن الرهان الحقيقي أمام الاقتصاد المصري هو تحويل العلاقات السياسية القوية إلى قيمة اقتصادية مضافة: استثمار يدخل، ومصنع يعمل، وتكنولوجيا تنتقل، وصادرات تنمو، وفرص عمل تتسع.
وفي ظل التحديات الاقتصادية العالمية، لم يعد تنويع الشراكات الدولية مجرد خيار دبلوماسي، بل أصبح أحد مسارات تعزيز المرونة الاقتصادية، ودعم القدرة التنافسية، وتحقيق نمو أكثر استدامة.
ومتى اقترنت التحركات الخارجية بإصلاحات داخلية مستمرة، وبيئة استثمارية جاذبة، وإدارة فعالة للموارد، فإن الشراكات الآسيوية يمكن أن تمثل إضافة حقيقية لمسار التنمية الاقتصادية في مصر، وتدعم بناء اقتصاد أكثر إنتاجًا وقدرة على المنافسة.









