ديون فرنسا ومستقبل لاغارد يضعان المركزي الأوروبي أمام اختبار جديد

تتجه أنظار الأسواق إلى قرار البنك المركزي الأوروبي بشأن أسعار الفائدة، وسط توقعات بالإبقاء على سعر الفائدة على الودائع عند 2.5%، بينما تتصاعد الضغوط بفعل اضطرابات سوق السندات الفرنسية ومخاوف التضخم المرتبط بارتفاع أسعار النفط، إلى جانب التكهنات بشأن مستقبل كريستين لاغارد على رأس البنك.
ويأتي القرار في وقت تواجه فيه منطقة اليورو معادلة معقدة بين احتواء الضغوط التضخمية وتدهور ظروف التمويل، إذ قد تدفع زيادة تكاليف الاقتراض صناع السياسة النقدية إلى التريث قبل تشديد السياسة مجددًا، رغم استمرار المخاطر المرتبطة بأسعار الطاقة.
الفائدة الأوروبية عند 2.5%.. والأسواق تترقب زيادات جديدة
من المتوقع أن يُبقي البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة على الودائع دون تغيير، بعد رفع أسعار الفائدة مرتين منذ يونيو، مع احتمال استئناف التشديد النقدي خلال الأشهر المقبلة لمنع انتقال صدمة أسعار النفط المرتبطة بالصراع الإيراني إلى بقية الأسعار والأجور.
وقال هولجر شميدينج، كبير الاقتصاديين في بنك بيرنبرج الألماني، إن الارتفاع الأخير في أسعار النفط قد يزيد مخاطر التضخم مقارنة بالتقديرات السابقة.
وفي المقابل، تضع أسواق المال في حساباتها نحو 3 زيادات إضافية في أسعار الفائدة، وهو ما قد يرفع سعر الفائدة على الودائع إلى 3.25%، وفقًا للتوقعات الواردة في التقرير.
لكن ارتفاع عوائد السندات الحكومية وتزايد تكاليف التمويل يضيفان عاملًا ضاغطًا على قرارات البنك المركزي، في ظل تأثير تشديد الأوضاع المالية على نمو الاقتصاد والتضخم.
مستقبل كريستين لاغارد يثير تساؤلات حول قيادة البنك
لا تقتصر التحديات التي تواجه البنك المركزي الأوروبي على السياسة النقدية، إذ تترقب الأسواق أيضًا ما قد تكشفه كريستين لاغارد بشأن مستقبلها خلال المؤتمر الصحفي.
وتدور تكهنات حول احتمال مغادرة لاغارد منصبها قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في الربيع، رغم تبقي عام على انتهاء ولايتها. وقد يتيح الرحيل المبكر للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وقادة الاتحاد الأوروبي الآخرين اختيار رئيس جديد للبنك قبل الانتخابات.
وتشير المعلومات الواردة في التقرير إلى احتمال انتقال لاغارد إلى رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي في أقرب وقت خلال نوفمبر، وهو ما قد يعجل بترتيبات الخلافة ويفتح الباب أمام تغييرات أوسع في قيادة البنك المركزي الأوروبي.
من أبرز الأسماء المطروحة لخلافة لاغارد؟
يبرز اسما كلاس نوت، المحافظ السابق للبنك المركزي الهولندي، وبابلو هيرنانديز دي كوس، المحافظ السابق للبنك المركزي الإسباني، ضمن الأسماء التي يُنظر إليها باعتبارها مرشحة لتولي رئاسة البنك المركزي الأوروبي.
وقال هنري كوك، كبير الاقتصاديين في شركة الوساطة اليابانية «إم يو إف جي»، إن وجود غموض بشأن القيادة ليس وضعًا مثاليًا في وقت يواجه فيه البنك ظروفًا مالية أكثر صرامة، وارتفاعًا في أسعار الطاقة، وعدم يقين بشأن التوقعات الاقتصادية.
السندات الفرنسية في قلب المخاوف المالية الأوروبية
تمثل اضطرابات سوق السندات أحد أبرز التحديات أمام صناع السياسة النقدية، في ظل ارتفاع عالمي للعوائد مدفوع بتوقعات النمو، وزيادة إصدارات الديون الحكومية، والإنفاق الاستثماري الضخم المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
وفي فرنسا، تتزايد مخاوف المستثمرين بشأن عبء الدين العام وعدم وضوح التوقعات المالية، وهي مخاوف تفاقمت عقب الانتخابات الأخيرة والتصريحات الصادرة عن أطراف سياسية بشأن إمكانية شطب الديون التي يحتفظ بها البنك المركزي الأوروبي.
وأدت هذه التطورات إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض الفرنسية، مع وصول بعض العوائد إلى مستويات مرتفعة مقارنة بما شهدته خلال ربع القرن الماضي. كما اتسعت العلاوة التي يطلبها المستثمرون للاحتفاظ بالسندات الفرنسية مقارنة بالسندات الألمانية المرجعية، لتصبح الأعلى بين دول منطقة اليورو وفقًا للتقرير.
وتعكس هذه التحركات تزايد حساسية الأسواق تجاه قدرة الحكومة الفرنسية على إدارة ديونها، في وقت تؤدي فيه زيادة عوائد السندات إلى رفع تكلفة التمويل على الحكومة والأسر والشركات.
هل يتدخل البنك المركزي الأوروبي لاحتواء أزمة السندات؟
تتجه التوقعات إلى أن يبدأ البنك المركزي الأوروبي التعامل مع الضغوط عبر أدواته المتاحة، دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ إجراء فوري في السوق الفرنسية.
ومن بين الخيارات المطروحة، إعادة استثمار عائدات السندات التي جرى شراؤها في إطار برامج شراء الأصول السابقة بصورة مرنة، بما يتيح للبنك التعامل مع التباينات في ظروف التمويل بين دول منطقة اليورو.
كما يمكن للبنك تفعيل أداة حماية انتقال السياسة النقدية (TPI)، التي صُممت لمواجهة ما يراه صناع السياسة ضغوطًا غير مبررة في أسواق السندات تعوق انتقال أثر السياسة النقدية بين دول التكتل، ولم تُستخدم حتى الآن.
وقال جيل مويك، كبير الاقتصاديين في شركة التأمين الفرنسية «أكسا جروب»، إن الاحتفاظ بإمكانية تدخل البنك المركزي الأوروبي لا يزال ضروريًا.
وفي المقابل، يرى اقتصاديون في شركة إدارة الصناديق «ألجبريس» أن المخاطر الفرنسية لا تزال محصورة داخل فرنسا، مع احتمال بحث استخدام الأدوات المتاحة إذا امتدت الضغوط إلى أسواق أخرى في منطقة اليورو.
التضخم وتكاليف الاقتراض يحددان مسار السياسة النقدية
يواجه البنك المركزي الأوروبي تحديًا مزدوجًا؛ فاستمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة، بينما يؤدي صعود عوائد السندات إلى تشديد الأوضاع المالية ورفع تكلفة الاقتراض.
وبالتالي، لن يتوقف مسار أسعار الفائدة على تطورات التضخم وحدها، بل سيتأثر أيضًا بمدى استقرار أسواق الدين وقدرة الاقتصادات الأوروبية على تحمل تكاليف التمويل المتزايدة.
وتبقى فرنسا محورًا مهمًا في هذه المعادلة، إذ إن استمرار اضطرابات سنداتها قد يزيد الضغوط على البنك المركزي الأوروبي لاتخاذ موقف يضمن انتقال السياسة النقدية بصورة متوازنة بين دول منطقة اليورو، دون أن يؤدي ذلك إلى تفاقم المخاطر المالية.









