الدكتور وليد فاروق يكتب: « الذهب في حياة النبي صلى الله عليه و سلم »

لم يكن الذهب غائبًا عن المجتمع في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد ظهر في حُلي النساء وهدايا الملوك ومعاملات التجارة وصدقات المسلمين، غير أن السنة النبوية قدمت رؤية متوازنة للمعدن النفيس، فلم تحرّم امتلاكه أو الاتجار فيه، ولم تجعله غاية في ذاته، وإنما ربطت قيمته بالانتفاع المشروع وأداء الحقوق والإنفاق، مع رفض الإسراف والتفاخر.

خاتم الذهب ومرحلة النهي

تكشف الأحاديث الصحيحة أن علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بخاتم الذهب مرت بمرحلة تشريعية واضحة؛ إذ ثبت في صحيحي البخاري ومسلم أنه اتخذ خاتمًا من ذهب، فاتخذ بعض الناس خواتيم من ذهب اقتداءً به، ثم نبذه وقال: «إني لن ألبسه أبدًا»، فطرح الناس خواتيمهم.

ويبين تسلسل الروايات أن اتخاذ الخاتم وقع قبل استقرار النهي عن لبس الذهب للرجال، ثم جاء التحريم فتركه النبي صلى الله عليه وسلم، وأعلن أمام أصحابه عدم العودة إلى ارتدائه، في تطبيق عملي للحكم الشرعي.

ولم يكن ترك خاتم الذهب رفضًا للمعدن أو لقيمته المالية، وإنما تعلق الحكم بالتحلي به للرجال؛ إذ ظل الذهب مالًا مباحًا يجوز امتلاكه وبيعه وشراؤه وإهداؤه، كما بقي زينة مشروعة للنساء.

خاتم من فضة لختم الرسائل

بعد ترك خاتم الذهب، اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا من فضة، أصبح من أشهر المقتنيات المرتبطة بالسيرة النبوية، ليس بوصفه قطعة للزينة فقط، وإنما باعتباره أداة استخدمت في ختم الرسائل.

وثبت في صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم، قيل له إنهم لا يقرأون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة، ونقش عليه «محمد رسول الله».

وانتقل الخاتم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم، حتى سقط في بئر أريس بالمدينة خلال خلافة عثمان.

وهكذا لم يكن خاتم الفضة مجرد قطعة للزينة، وإنما أدى وظيفة دبلوماسية وإدارية في توثيق المكاتبات، ما يوضح أن قيمة القطعة لم تكن مرتبطة بالمعدن أو ثمنه، وإنما بما تؤديه من وظيفة مشروعة ونافعة.

الذهب زينة مباحة للنساء

في مقابل تحريم التحلي بالذهب على الرجال، أقر النبي صلى الله عليه وسلم الذهب زينة للنساء، وهو الحكم الذي استقر عليه جمهور الفقهاء.

وقال الشيخ حسن مأمون، مفتي الديار المصرية الأسبق، في فتوى منشورة عبر دار الإفتاء المصرية، إن لبس الذهب محرم على الرجال دون النساء عند جمهور الفقهاء، باستثناء الحالات التي تقتضيها الضرورة، بينما يجوز للرجل التختم بالفضة.

ويقدم حديث هدية النجاشي صورة عملية لهذا الحكم؛ فقد قدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم حُليّ أهداها إليه ملك الحبشة، كان بينها خاتم من ذهب له فص حبشي، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم بعود معرضًا عنه، أو ببعض أصابعه، ثم دعا أمامة بنت أبي العاص، حفيدته من ابنته زينب، وقال لها: «تحلّي بهذا يا بُنيّة».

والحديث رواه أبو داود وأحمد، وحُكم على إسناده بالحسن، ويكشف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهدر قيمة الهدية أو يتخلص منها، وإنما وجهها إلى الاستخدام المشروع، فتحولت قطعة الذهب إلى هدية تتزين بها فتاة من أهل بيته.

الذهب مباح للرجال عند الضرورة

لم يكن النهي عن الذهب للرجال مطلقًا في جميع الأحوال؛ فقد أجاز الفقهاء استعماله عند الضرورة أو الحاجة العلاجية إذا لم يوجد بديل يحقق الغرض نفسه.

واستدل العلماء بحديث عَرْفَجة بن أسعد رضي الله عنه، الذي أُصيب أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفًا من فضة، غير أنه تسبب له في رائحة كريهة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفًا من ذهب.

والحديث حسن، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، ويُعد شاهدًا مبكرًا على جواز استعمال الذهب في العلاج عند الضرورة، رغم تحريم التحلي به على الرجال.

وأوضحت دار الإفتاء المصرية أن الفقهاء أجازوا من الذهب ما تدعو إليه الضرورة، مثل تعويض عضو مفقود أو استعماله في تركيبات الأسنان عند الحاجة، كما ناقشوا جواز استخدامه في أدوات الحماية والحرب إذا لم يوجد ما يقوم مقامه.

ويقوم الحكم هنا على وجود حاجة حقيقية؛ فإذا توافر بديل يحقق الغرض نفسه انتفت الضرورة، أما إذا تعذر البديل وأصبح استخدام الذهب لازمًا للعلاج أو الحماية جاز استعماله، وهو ما يؤكد أن التحريم يتعلق بالزينة المحظورة على الرجال، ولا يشمل الضرورة الطبية المعتبرة.

الأقراط والخواتيم في مجتمع المدينة

تشير الأحاديث الصحيحة إلى تعدد أشكال الحلي التي عرفتها نساء المدينة، ومنها الأقراط والخواتيم والقلائد.

ففي يوم العيد، وعندما حث النبي صلى الله عليه وسلم النساء على الصدقة، بسط بلال بن رباح رضي الله عنه ثوبه، فجعلت النساء يلقين فيه من حليهن، فتضع المرأة قرطها أو خاتمها.

ووردت الواقعة في صحيحي البخاري ومسلم، وهي لا تعني أن جميع القطع التي قدمتها النساء كانت مصنوعة من الذهب؛ فقد كان بينها ما يصنع من الفضة أو الخرز، لكنها تثبت انتشار الحلي بين النساء وامتلاكهن لها وقدرتهن على التصرف فيها والتبرع بها.

ويكشف هذا المشهد عن وظيفة اجتماعية واقتصادية للحلي؛ فقد كانت زينة تلبسها المرأة، وفي الوقت نفسه مالًا يمكنها تقديمه عند الحاجة، وهو الدور المزدوج الذي ظل الذهب يؤديه عبر العصور باعتباره زينة ومدخرًا قابلًا للتحويل إلى نقد.

ضوابط تجارة الذهب واختلاف الواقع المعاصر

لم تقتصر السنة النبوية على بيان من يجوز له التحلي بالذهب، وإنما وضعت قواعد دقيقة لتداوله، تحمي المتعاملين من الربا والتلاعب.

ففي الحديث المتفق عليه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالذهب إلا متماثلًا في الوزن، مع التقابض في مجلس البيع، كما نهى عن مبادلة كمية حاضرة من الذهب بأخرى مؤجلة من الجنس نفسه.

وتكشف هذه الضوابط عن طبيعة الذهب في ذلك العصر؛ إذ لم يكن مجرد معدن للتزين، وإنما كان نقدًا ومالًا ووسيطًا للتبادل، ولذلك اشترطت السنة التماثل عند مبادلة الذهب بالذهب والتقابض الفوري، منعًا للربا وحماية للحقوق.

غير أن دار الإفتاء المصرية تنبه إلى اختلاف الواقع النقدي المعاصر، خاصة فيما يتعلق بالذهب المصوغ؛ فالذهب والفضة لم يعودا وسيطًا تجاريًا للتبادل كما كانا في الماضي، وأصبحت المشغولات الذهبية والسبائك، بما دخلها من صناعة وصياغة، سلعًا تُباع وتُشترى وتُحتسب فيها قيمة الصنعة.

وبناءً على هذا التكييف، استقرت فتاوى دار الإفتاء المصرية على أن المشغولات الذهبية والسبائك لا تدخل في نطاق الحديث بالصورة نفسها؛ لأن الصياغة أخرجتها عن وظيفة الأثمان وجعلتها من السلع، ومن ثم لا يشترط عند بيعها التماثل أو التقابض الفوري، ويجوز بيعها بالأجل أو بالتقسيط، مع الالتزام بالضوابط العامة للبيع ومنع الغش والاستغلال.

ذهب يُنفق ولا يتحول إلى غاية

أما موقف النبي صلى الله عليه وسلم من امتلاك الثروة، فلم يقم على تحريم المال أو رفض الادخار المشروع، وإنما على منع تحول المال إلى غاية تستولي على الإنسان أو تعزله عن واجباته تجاه أسرته ومجتمعه.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لو امتلك مثل جبل أُحد ذهبًا، لما أحب أن يبقى عنده منه شيء بعد ثلاث ليال، إلا مقدارًا يحتفظ به لسداد دَين، والحديث متفق عليه، ويضع الوفاء بحقوق الناس في مقدمة أوجه استخدام المال.

ولا يحمل الحديث تحريمًا لامتلاك الذهب أو ادخاره، وإنما يعكس موقف النبي صلى الله عليه وسلم من التوسع في جمع المال لنفسه، وحرصه على بذله في قضاء الحقوق والإنفاق ومساعدة المحتاجين، مع تقديم سداد الديون على غيره من أوجه الإنفاق.

وتكتمل الصورة بما رواه البخاري من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك عند وفاته دينارًا ولا درهمًا، وإنما ترك سلاحه وبغلته البيضاء وأرضًا جعلها صدقة لابن السبيل.

وبين خاتم الذهب الذي طُرح، وخاتم الفضة الذي خُتمت به رسائل الدعوة، وحلي النساء التي تحولت إلى صدقات، وأنف عَرْفَجة الذي صُنع من الذهب للعلاج، تتشكل رؤية نبوية متوازنة تجعل قيمة المعدن النفيس فيما يحققه من منفعة، لا في مجرد بريقه أو ارتفاع ثمنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى