محضر الفيدرالي يكشف الانقسام.. أغلبية لرفع آخر وأكتوبر يقترب من التثبيت

كشف محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في سبتمبر عن انقسام أعمق مما أظهره التصويت بالإجماع على رفع أسعار الفائدة، إذ رأى معظم صانعي السياسة أن زيادة أخرى ستكون مناسبة على الأرجح قبل نهاية 2026، بينما اتسعت في المقابل قناعة الأسواق بأن البنك المركزي قد يتوقف مؤقتًا عن التشديد خلال اجتماع أكتوبر.
ورفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة في اجتماع 15 و16 سبتمبر بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%-4% في قرار أُقر بالإجماع، وهو أول رفع للفائدة منذ أكثر من ثلاث سنوات.
لكن المحضر، الذي صدر الأربعاء 7 أكتوبر، أظهر أن الإجماع على القرار لم يكن يعني اتفاقًا كاملًا حول الأسباب التي تستدعي التشديد أو مقدار الزيادات المطلوبة لاحقًا.
قرار واحد.. وقراءتان مختلفتان لمسار الفائدة
أوضح المحضر أن معظم المشاركين رأوا أن رفعًا جديدًا لنطاق الفائدة سيكون مناسبًا على الأرجح بحلول نهاية العام.
لكن دوافع هذا الموقف لم تكن موحدة؛ فقد اعتبر بعض المسؤولين أن التشديد ضروري للحد من انتقال صدمات الطاقة والأسعار الأخرى إلى التضخم، بينما رأى اتجاه أكثر تشددًا أن المشكلة تتجاوز صدمات العرض إلى ضغوط ناتجة عن قوة الطلب المحلي.
كما رأى عدد من المشاركين أن رفع الفائدة يمثل نوعًا من التحوط ضد خطر بقاء التضخم أعلى من مستهدف البنك، سواء بسبب الطلب الأقوى من المتوقع أو بسبب صدمات جديدة في جانب العرض.
وفي المقابل، أشار المحضر إلى أن بعض المسؤولين اعتبروا سعر الفائدة الحالي غير تقييدي أو تقييديًا بصورة طفيفة فقط، ما يترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من الرفع إذا استمر التضخم في الارتفاع.
16 مسؤولًا توقعوا رفعًا إضافيًا
وجاءت هذه الرؤية متسقة إلى حد كبير مع التوقعات الاقتصادية التي أصدرها الفيدرالي عقب اجتماع سبتمبر، إذ أظهرت أن 16 من أصل 18 مسؤولًا قدموا توقعاتهم رأوا أن مستوى الفائدة في نهاية 2026 ينبغي أن يكون أعلى من نطاق ما بعد اجتماع سبتمبر، بما يعني عمليًا توقع رفع إضافي بمقدار ربع نقطة على الأقل.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الرفع الإضافي محسوم في أكتوبر، إذ أكدت اللجنة أن قراراتها المقبلة ستظل مرتبطة بالبيانات الجديدة وبالتغيرات في توقعات التضخم وسوق العمل وتوازن المخاطر.
الأسواق تنقلب على رهانات أكتوبر
بعد اجتماع سبتمبر، كانت الأسواق تتوقع في البداية استمرار رفع الفائدة خلال أكتوبر ثم ديسمبر.
لكن الصورة تغيرت سريعًا بعد صدور بيانات اقتصادية أضعف من المتوقع وتصريحات أكثر حذرًا من بعض مسؤولي الفيدرالي، وعلى رأسهم جون ويليامز، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، الذي قال إنه لا توجد حاجة إلى التعجل في اتخاذ خطوة جديدة.
وتعزز هذا الاتجاه بعد تصريحات نائب رئيس الفيدرالي فيليب جيفرسون التي دعت إلى الانتظار للحصول على مزيد من البيانات قبل اتخاذ قرار جديد.
وبحلول موعد صدور المحضر، أصبح المستثمرون يميلون بقوة إلى إبقاء الفائدة عند نطاق 3.75%-4% خلال اجتماع 27 و28 أكتوبر، مع استمرار ترقب إمكانية رفعها في ديسمبر.
التضخم ما زال أعلى من هدف الفيدرالي
يظل التضخم المشكلة الأساسية التي تمنع الاحتياطي الفيدرالي من إعلان نهاية دورة التشديد.
وأظهرت أحدث بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي PCE أن المؤشر ارتفع بنسبة 3.4% على أساس سنوي في أغسطس، بينما ارتفع المؤشر الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، بنسبة 3%.
وعلى أساس شهري، ارتفع مؤشر PCE بنسبة 0.3%، مقابل زيادة بلغت 0.2% في المؤشر الأساسي.
ولا يزال كلا المؤشرين أعلى بوضوح من هدف الفيدرالي البالغ 2%، ما يوفر مبررًا لاستمرار الضغط على السياسة النقدية حتى مع ظهور بعض الإشارات على تحسن مسار الأسعار.
سوق العمل يقدم للفيدرالي سببًا للانتظار
في المقابل، بدأ سوق العمل يعطي إشارات أكثر اعتدالًا، وهو ما يدعم الاتجاه الذي يفضل التريث بدلًا من تنفيذ زيادات متتالية.
وأظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي إضافة الاقتصاد 29 ألف وظيفة غير زراعية فقط في سبتمبر، مع استقرار معدل البطالة عند 4.2%. وجاء نمو الوظائف أضعف من المتوقع، مع مراجعات هبوطية لبيانات الأشهر السابقة.
ويضع ذلك الفيدرالي أمام معادلة أكثر تعقيدًا: التضخم لا يزال مرتفعًا ويبرر التشديد، بينما يوفر تباطؤ التوظيف مبررًا للتوقف مؤقتًا وتقييم تأثير الزيادات السابقة.
عوائد السندات ترفع تكلفة الاقتراض من خارج الفيدرالي
ناقش مسؤولو الفيدرالي في اجتماع سبتمبر أيضًا الارتفاع الحاد في عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل.
وأشار المحضر إلى عوامل متعددة وراء هذا الصعود، من بينها قوة البيانات الاقتصادية، وزيادة التوقعات بشأن الاقتراض المرتبط باستثمارات الذكاء الاصطناعي، والتطورات الجيوسياسية.
ورأى عدد من المشاركين أن الظروف المالية لا تزال داعمة للنمو رغم ارتفاع عوائد السندات، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الأسهم وبقاء فروق العائد على سندات الشركات عند مستويات ضيقة.
ويمثل ذلك عاملًا مهمًا في حسابات السياسة النقدية، لأن ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل يرفع بالفعل تكلفة التمويل للأسر والشركات، وقد يؤدي إلى تشديد الظروف المالية حتى من دون رفع جديد للفائدة الرسمية.
صراع «التضخم أولًا» في مواجهة «الانتظار»
تكشف تفاصيل المحضر أن الخلاف داخل الفيدرالي لا يدور فقط حول سؤال هل نرفع الفائدة؟، وإنما حول تفسير طبيعة التضخم نفسه.
فإذا كانت الزيادة في الأسعار مرتبطة أساسًا بالطاقة والرسوم الجمركية وصدمات العرض، فقد يكون الانتظار أكثر منطقية مع مرور هذه الضغوط.
أما إذا تحولت تلك الصدمات إلى تضخم أكثر اتساعًا بفعل قوة الطلب، فقد يحتاج البنك المركزي إلى رفع الفائدة بوتيرة أكبر وإبقائها عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
ولهذا السبب، أشار المحضر إلى أن بعض المشاركين ما زالوا يرون الحاجة إلى زيادات إضافية، بينما يفضل آخرون الحصول على مزيد من البيانات قبل التحرك.
أكتوبر قد يكون شهر التوقف لا نهاية التشديد
رغم أن أغلبية المشاركين تتوقع رفعًا إضافيًا قبل نهاية 2026، فإن قراءة المحضر لا تعني بالضرورة أن اجتماع أكتوبر سيشهد زيادة جديدة.
والبيانات التي صدرت بعد اجتماع سبتمبر غيّرت بالفعل حسابات الأسواق؛ فقد جاء التضخم أقل من المتوقع، بينما تباطأ نمو الوظائف بشدة في سبتمبر.
وفي الوقت نفسه، لم يتراجع القلق بشأن التضخم بصورة تسمح للفيدرالي بإعلان نهاية دورة التشديد، ما يترك ديسمبر مرشحًا ليكون الموعد الأكثر احتمالًا لأي زيادة جديدة إذا أثبتت البيانات المقبلة أن ضغوط الأسعار ما زالت مستمرة.
الفيدرالي يدخل الربع الأخير بين نارين
يدخل الاحتياطي الفيدرالي الربع الأخير من 2026 وهو أمام اقتصاد لا يعطي إشارة واحدة واضحة.
التضخم فوق الهدف، وبعض المسؤولين يريدون مزيدًا من التشديد، بينما سوق العمل يفقد جزءًا من زخمه، وتصريحات المسؤولين الأكثر حذرًا دفعت الأسواق إلى إعادة تسعير اجتماع أكتوبر.
وبينما يؤكد محضر سبتمبر أن أغلبية صانعي السياسة ما زالت ترى رفعًا آخر مناسبًا قبل نهاية العام، فإن الأسواق باتت تنتظر أولًا اختبار بيانات أكتوبر قبل معرفة ما إذا كان التشديد سيُنفذ في ديسمبر، أم أن دورة رفع الفائدة اقتربت فعلًا من نهايتها.









