محيي الكردوسي يكتب « أنا غلبان يا حكومة ! »

أقسم بالله… الحسبة لم تعد تحتاج إلى آلة حاسبة، بل إلى فريق كامل من الجهاز المركزي للمحاسبات!
أجلس في نهاية كل شهر، أفتح الراتب وكأنني أفتح صندوقًا للمفاجآت. أبدأ بفاتورة الكهرباء… فيقفز الغاز من جانبه قائلًا: “وأنا كمان!” ثم تدخل المياه دون استئذان، ويأتي الإيجار، وتلوح مصروفات المدارس من بعيد، ثم المواصلات، ثم الخضار، ثم الجزار… الذي يبدو أنه قرر تسعير اللحم بالدولار، لا بالجنيه!
أجمع… وأطرح… وأضرب… وأقسم… ثم أعيد الحساب مرة أخرى، وفي النهاية أكتشف أن الراتب اختفى في ظروف غامضة، وأعلن وفاته قبل أن يبدأ الشهر!
أذهب إلى سوق الخضار فأشعر وكأنني دخلت قاعة مزادات عالمية، لا سوقًا شعبية. كل بائع يتحدث بثقة رئيس بورصة، والطماطم تتعامل مع نفسها على أنها “ذهب أحمر”، والبطاطس تعيش عصرها الذهبي، أما الليمون فقد قرر أن يدخل نادي السلع الفاخرة!
أما عند الجزار… فالمشهد مختلف تمامًا. لا أنظر إلى اللحم أولًا، بل أنظر إلى محفظتي لأطمئن عليها، ثم أسأل عن السعر وأنا أردد الشهادة في سري. وعندما أسمع الرقم، أشعر أن الجزار لا يبيع لحمًا… بل يبيع أسهمًا في البورصة!
ثم تأتي المدارس… يا سلام! موسم الدراسة لم يعد بداية عام تعليمي، بل أصبح موسمًا رسميًا لاستنزاف الجيوب. مصروفات، وكتب، وزي مدرسي، وحافلات، ودروس… حتى أصبحت أعتقد أن الطالب سيتخرج بشهادة في “إدارة الأزمات المالية” قبل أن يحصل على شهادته الدراسية.
وفي وسط كل ذلك، يخرج عليك أحدهم مبتسمًا ويقول: “شد الحزام.” يا سيدي، والله لم يعد في الحزام ثقب جديد يمكن شده، ولو استمرت الأسعار في الصعود، فسوف نضطر إلى شد البنطال نفسه!
أنا لا أطلب أن أصبح مليونيرًا، ولا أن أتناول الكافيار على الإفطار. كل ما أتمناه أن أدخل السوبر ماركت دون أن أحتاج إلى قرض، وأن أشتري كيلو لحم دون أن أراجع رصيدي البنكي، وأن أفتح فاتورة الكهرباء دون أن أبحث عن طبيب قلب.
وفي النهاية… إذا استمرت هذه الزيادات، فأقترح اقتراحًا بسيطًا: بدلًا من إرسال فاتورة الكهرباء أو الغاز أو المياه، أرسلوا معها محاسبًا قانونيًا، وخبيرًا اقتصاديًا، وطبيبًا نفسيًا… حتى يشرحوا لنا كيف ندفعها، وكيف نحافظ على هدوء أعصابنا بعد قراءتها!
أنا غلبان يا حكومة… والغلابة لم يعودوا يحتاجون إلى دعم فقط، بل إلى معجزة في نهاية كل شهر… أو إلى راتب يعيش حتى آخره!









