مشتري الذهب لا يثق في «المتابعين».. السعر والوزن والمصنعية تحسم قرار الشراء

كشف «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» عن نتائج دراسة أكاديمية حديثة ترصد سلوك مشتري الذهب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت أن قرار الشراء لا تحسمه شهرة صفحة المتجر أو عدد متابعيها، وإنما تتصدره عوامل عملية، في مقدمتها سهولة البيع والشراء، ووضوح سعر المنتج ووزنه، وتفاصيل المصنعية، وسياسات البيع والاسترجاع، وجودة المنتج وتجارب العملاء السابقين.

وأظهرت الدراسة مفارقة لافتة، إذ جاء امتلاك صفحة الذهب عددًا كبيرًا من المتابعين في ذيل الأسباب التي تشجع المستهلكين على متابعتها والشراء منها، بنسبة 16% فقط، بينما تصدرت سهولة عملية البيع والشراء قائمة الدوافع بنسبة 39.5%.

وحملت الدراسة عنوان «انعكاسات استخدام متاجر بيع الذهب لتقنيات التسويق الخفي على النية الشرائية لدى العملاء»، وأعدتها الدكتورة داليا أحمد عبدالوهاب عبدالرؤوف، مدرس العلاقات العامة والإعلان بالمعهد الكندي العالي لتكنولوجيا الإعلام الحديث، ونشرت في العدد الثاني والثلاثين من «المجلة العلمية لبحوث العلاقات العامة والإعلان» في عام 2025. واعتمدت الدراسة على عينة احتمالية منتظمة شملت 382 متابعًا لصفحات الذهب على مواقع التواصل الاجتماعي.

عدد المتابعين ليس كلمة السر في شراء الذهب

تكشف نتائج الدراسة أن المستهلك لا ينظر إلى عدد متابعي صفحة الذهب باعتباره دليلًا كافيًا على المصداقية أو جودة المنتج.

وجاءت سهولة عملية البيع والشراء في مقدمة أسباب متابعة صفحات الذهب والشراء منها بنسبة 39.5%، تلتها معرفة تفاصيل وزن المنتج وسعره بالصوت والصورة بنسبة 34.5%.

وحل وضوح وصف المنتجات ووجود مراجعات عن المتجر ومنتجاته في المرتبة التالية بنسبة 29.1% لكل منهما، ثم تقديم محتوى حديث وغير مكرر عن الذهب ومواصفاته بنسبة 23.6%، وكثرة التعليقات والتفاعل بنسبة 17.3%.

أما وجود عدد كبير من المتابعين فجاء أخيرًا بنسبة 16% فقط.

وتعني هذه النتيجة أن الصفحة التي تمتلك ملايين المتابعين لا تضمن بالضرورة قدرتها على تحويل المتابع إلى مشترٍ، إذا كانت تفتقر إلى المعلومات التي يحتاجها العميل قبل دفع أمواله.

السعر والوزن والمصنعية.. العميل يريد أن يعرف ماذا يشتري

تظهر الدراسة بوضوح أن المستهلك يبحث عن المعلومات التي تمكنه من تقييم قيمة المشغولة الذهبية قبل اتخاذ قرار الشراء.

وأيد 60.5% من أفراد العينة المنشورات التي توضح سعر المصنعية وقيمة الاسترداد والدمغة والضريبة، بينما أيد 60.7% المنشورات التي تقدم معلومات حديثة عن أشكال وتصميمات الذهب.

كما أيد 55.5% أهمية المحتوى المتعلق بسياسة البيع والاسترجاع، وفضل 55.2% المنشورات التي تقدم أدلة ومصادر للمعلومات المتعلقة بالمنتج.

في المقابل، كان الاهتمام أقل بالمحتوى الذي يركز على الشركة وأنشطتها الاجتماعية والخيرية، وكذلك المحتوى الذي يقدم معلومات المنتج في صورة قصة أو لعبة.

وتكشف هذه النتائج أن المشتري لا يبحث فقط عن صورة جذابة لقطعة ذهبية، وإنما يريد إجابة مباشرة عن أسئلة أكثر أهمية: كم وزن القطعة؟ كم سعرها؟ كم تبلغ المصنعية؟ وما شروط البيع والاسترجاع؟

فيسبوك وإنستجرام يقودان قرار الشراء

وأظهرت الدراسة أن فيسبوك جاء في المركز الأول بين منصات التواصل الاجتماعي الأكثر تشجيعًا على اتخاذ قرار شراء الذهب، بنسبة 66% من أفراد العينة.

وجاء إنستجرام في المركز الثاني بنسبة 50%، ثم منصة «إكس» بنسبة 24.1%، وتيك توك بنسبة 23.8%، وواتساب بنسبة 10.5%، بينما سجل كل من يوتيوب وتليجرام 2.6%.

وتشير هذه النتائج إلى أهمية المنصات التي تجمع بين عرض المنتجات بصريًا وإمكانية التواصل المباشر مع المتجر، خاصة في تجارة المجوهرات التي يعتمد جزء كبير من تسويقها على التصميم والصورة والفيديو.

شراء الذهب عبر مواقع التواصل لم يعد سلوكًا هامشيًا

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة لمشاهدة تصميمات الذهب أو متابعة الأسعار، وإنما أصبحت جزءًا من رحلة الشراء نفسها.

وأفاد 44.8% من أفراد العينة بأنهم اشتروا الذهب أربع مرات أو أكثر خلال السنوات الخمس السابقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مقابل 34% اشتروا من مرتين إلى ثلاث مرات، و21.2% مرة واحدة.

كما قال 47.6% إنهم يتابعون عروض متاجر الذهب عبر الإنترنت دائمًا، مقابل 41.9% يتابعونها أحيانًا.

وتكشف هذه الأرقام عن تحول مهم في سلوك المستهلك؛ إذ تبدأ الرحلة من مشاهدة المنتج والتعرف على التصميم، ثم البحث عن السعر والوزن والمصنعية، ومقارنة الخيارات، قبل الوصول إلى قرار الشراء.

تجارب العملاء تتفوق على بريق المشاهير

ومن أبرز نتائج الدراسة أن التسويق الفيروسي والمشاركة الاجتماعية جاءا ضمن أكثر تقنيات التسويق الخفي تأثيرًا في المستهلكين، بينما جاء تسويق المشاهير والتسويق المضخم في مراتب تالية.

وأظهرت النتائج ميل المستهلكين إلى المنشورات التي تعرض تجارب حقيقية للشراء، وتأثرهم بتجارب الأصدقاء والعائلة، إلى جانب تفاعلهم مع الإعلانات التي تظهر بصورة عفوية وغير مباشرة.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في سوق الذهب؛ لأن تجربة مشترٍ سابق يمكن أن تمنح المستهلك شعورًا أكبر بالثقة من إعلان مباشر لا يعرف مدى ارتباطه بالتجربة الفعلية للمنتج.

لكن الدراسة تضع نقطة مهمة في الاعتبار: التجربة أو المراجعة نفسها قد تكون جزءًا من العملية التسويقية، ولذلك لا ينبغي أن تحل التوصيات الرقمية محل التحقق من بيانات المشغولة وسعرها ومواصفاتها.

«لمسة» تتصدر الصفحات المفضلة في عينة الدراسة

ورصدت الدراسة الصفحات المفضلة لدى المشاركين، وجاءت «لمسة» في المركز الأول بنسبة 47.4%، تلتها «أميرة الذهب» بنسبة 29.1%، ثم «محلات الذهب المستعمل» بنسبة 28.8%.

وجاءت «داماس» بنسبة 26.4%، ثم «لازوردي» بنسبة 23.8%.

ومن المهم التأكيد أن هذه النسب لا تمثل ترتيبًا عامًا لمتاجر الذهب في مصر، ولا تقيس الحصص السوقية أو جودة الشركات، وإنما تعكس تفضيلات أفراد العينة التي اعتمدت عليها الدراسة.

وتكشف القائمة في الوقت نفسه عن اتساع المنافسة الرقمية، التي لم تعد مقصورة على العلامات التجارية الكبرى، وإنما تشمل صفحات ومتاجر ذات أحجام مختلفة.

جودة الذهب والثقة تحسمان القرار النهائي

رغم صعود تأثير مواقع التواصل، ظلت جودة الذهب والثقة في المتجر من أهم العوامل التي تحكم قرار الشراء.

وأبدى 71.2% من أفراد العينة رضاهم عن جودة الذهب الذي سبق لهم شراؤه من المتجر، بينما رأى 55.2% أن سعر الذهب وقت الشراء كان مناسبًا مقارنة بالجودة.

كما قال 60.5% إن العاملين في المتاجر التي تعاملوا معها لديهم معرفة كاملة بالمنتجات والأسعار، والنسبة نفسها أشارت إلى الحصول على نصائح وإرشادات مفيدة عند الشراء.

وقال 60.2% إنهم حصلوا على اهتمام كافٍ، بينما وصف 57.9% العاملين بأنهم محترفون وودودون، وأشار 55.2% إلى سهولة الحصول على المساعدة والرد السريع والدقيق.

وتوضح هذه النتائج أن المنافسة الرقمية لا تنفصل عن جودة التجربة التقليدية داخل المتجر؛ فالصفحة الإلكترونية قد تجذب العميل، لكن جودة المنتج والخدمة يمكن أن تحدد ما إذا كان سيعود للشراء مرة أخرى.

التسويق الخفي يرتبط بقوة بالنية الشرائية

وانتقلت الدراسة من رصد السلوك إلى قياس العلاقة إحصائيًا بين تقنيات التسويق الخفي والنية الشرائية.

وكشفت الاختبارات عن وجود علاقة ارتباط إيجابية قوية بين التسويق الخفي والنية الشرائية، إذ بلغ معامل الارتباط 0.738، بينما بلغ معامل التحديد 0.545.

وبحسب نتائج الدراسة، فإن النموذج استطاع تفسير نحو 54.5% من التباين في النية الشرائية المرتبط بمتغير التسويق الخفي، مع بقاء عوامل أخرى مؤثرة في تشكيل القرار.

وسجل المحتوى ككل أعلى ارتباط بالنية الشرائية بمعامل بلغ 0.770، مقارنة بـ0.701 للبعد المعرفي، و0.687 للبعد الوجداني، و0.619 للبعد السلوكي.

المستهلك يثق في المعلومة أكثر من الشهرة

وتقدم الدراسة رسالة واضحة لمتاجر الذهب: زيادة عدد المتابعين ليست هدفًا كافيًا إذا لم تتحول هذه المتابعة إلى ثقة وشراء.

فالعميل يريد محتوى يساعده على اتخاذ القرار، وليس مجرد محتوى يرفع التفاعل.

وهذا يعني أن نشر سعر القطعة ووزنها ومصنعية الذهب والدمغة والضريبة وشروط البيع والاسترجاع قد يكون أكثر قيمة تجارية من مطاردة أرقام ضخمة في عدد المتابعين.

كما أن تقديم مصادر واضحة للمعلومات وعرض تجارب العملاء بصورة صادقة يمكن أن يعزز الثقة، بشرط عدم استخدام المراجعات أو التوصيات بصورة مضللة.

ماذا تعني الدراسة لسوق الذهب؟

تكشف النتائج عن تغير واضح في العلاقة بين المستهلك وتاجر الذهب.

فالعميل أصبح يبدأ رحلة الشراء من شاشة الهاتف، لكنه لا يتخذ قراره بناءً على الصورة وحدها. إنه يبحث عن السعر، والوزن، والمصنعية، والجودة، وتجارب المشترين، وسياسة المتجر.

وهنا تصبح السوشال ميديا امتدادًا للفاترينة التقليدية، لكنها أكثر تأثيرًا عندما تقدم معلومات قابلة للفهم والمقارنة.

والأهم أن الدراسة تكشف مفارقة تسويقية جديرة بالانتباه: عدد المتابعين قد يصنع شهرة الصفحة، لكنه لا يصنع بالضرورة قرار شراء الذهب.

أما الشفافية والمعلومة الدقيقة وجودة المنتج وسهولة التعامل، فهي العوامل التي يمكن أن تنقل العميل من مرحلة المشاهدة إلى مرحلة الشراء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى