هل يضع عمالقة الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة؟ تحرك أمريكي لصناعة معايير السلامة

تبحث شركات أنثروبيك وأوبن إيه آي وجوجل إمكانية التعاون لتشكيل هيئة معايير صناعية للذكاء الاصطناعي، في خطوة قد تمنح أكبر مختبرات تطوير النماذج المتقدمة دورًا مؤثرًا في تحديد معايير السلامة التي ستخضع لها تقنياتها.
وبحسب تقرير نشره موقع «ذا إنفورميشن»، فإن إنشاء إطار موحد لتقييم سلامة النماذج يمكن أن يمنح الشركات والمستخدمين ثقة أكبر في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، لكنه يفتح في الوقت نفسه بابًا واسعًا أمام مخاوف تضارب المصالح وارتفاع تكلفة الامتثال على الشركات الأصغر.
عمالقة الذكاء الاصطناعي يقتربون من صناعة القواعد
وتأتي المناقشات في وقت تتسابق فيه الشركات الكبرى لتطوير نماذج أكثر قدرة على تنفيذ مهام حساسة ومعقدة، ما يزيد الحاجة إلى آليات موحدة لاختبار المخاطر قبل طرح هذه النماذج في الأسواق.
وتكمن حساسية المقترح في أن المختبرات الرائدة نفسها قد تصبح طرفًا رئيسيًا في وضع المعايير التي ستحدد مستوى السلامة المطلوب من النماذج المتقدمة.
وقد يؤدي هذا الوضع إلى رفع مستوى الثقة في التكنولوجيا، لكنه يفرض في المقابل ضرورة ضمان استقلالية جهات التقييم وعدم تحول المعايير إلى أداة لحماية الشركات القائمة من المنافسة الجديدة.
5WPR: البنوك تواجه درسًا مشابهًا في عصر الذكاء الاصطناعي
وتتزامن هذه التطورات مع اتساع النقاش حول قدرة الشركات والمؤسسات على الظهور داخل إجابات منصات الذكاء الاصطناعي، وليس فقط داخل نتائج محركات البحث التقليدية.
ويشير تقرير «رؤية الذكاء الاصطناعي» الصادر عن شركة 5WPR إلى أن المواقع التابعة لبنوك كبرى لا تستحوذ إلا على نسبة محدودة من الاستشهادات التي تظهر في إجابات الذكاء الاصطناعي المتعلقة بالخدمات المصرفية، بينما تهيمن مواقع المقارنة والموسوعات ووسائل الإعلام.
ويكشف ذلك عن تحول أوسع في طريقة بناء النفوذ الرقمي؛ إذ لم تعد قوة العلامة التجارية وحدها كافية لضمان الظهور أمام المستخدم الذي يبدأ بحثه من مساعد ذكي.
اقتراح أمريكي لإنشاء هيئة شبيهة بـ«FINRA»
وكان ديميس هاسابيس، رئيس جوجل ديب مايند، قد اقترح في يوليو مبادرة لإنشاء هيئة أمريكية لمعايير الذكاء الاصطناعي المتقدم، مستوحاة من هيئة تنظيم الصناعة المالية الأمريكية «FINRA».
ويقترح هاسابيس أن تقدم المختبرات الرائدة تقنياتها المتقدمة بصورة طوعية إلى التقييم، على أن تمتد عملية المراجعة إلى 30 يومًا قبل طرح النماذج.
وتشمل الاختبارات المقترحة تقييم المخاطر المرتبطة بالأمن السيبراني والتهديدات البيولوجية وإمكانية إساءة استخدام النماذج أو التلاعب بها.
وبحسب المقترح، يمكن أن تصبح عملية اجتياز التقييم شرطًا لاحقًا لنشر بعض التقنيات المتقدمة داخل الولايات المتحدة.
أنثروبيك تدفع نحو تقييمات مستقلة
ومن جانب آخر، طرح داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، رؤية مختلفة بشأن آليات السلامة.
ويرى أمودي أن تطور قدرات الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز سرعة تطور اختبارات السلامة، وهو ما يتطلب منح جهات تقييم مستقلة وقتًا وإمكانية أكبر لفحص النماذج المتقدمة.
وتشمل الجهات التي يمكن أن تؤدي هذا الدور منظمة «ميتـر» لتقييم المخاطر، مع إمكانية منح المقيمين المستقلين وصولًا ممتدًا إلى مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة.
ويفتح هذا الطرح الباب أمام تعاون أوسع بين شركات الذكاء الاصطناعي في الدول الديمقراطية بشأن معايير السلامة وآليات اختبار النماذج.
محاولات سابقة لتوحيد معايير الذكاء الاصطناعي
ولا تمثل الفكرة محاولة أولى لتطوير معايير مشتركة في صناعة الذكاء الاصطناعي.
ففي عام 2023، تعاون منتدى النموذج الرائد مع ست شركات كبرى في الذكاء الاصطناعي ضمن جهود لإنشاء برنامج بحثي مستقل في مجال السلامة، من خلال صندوق لسلامة الذكاء الاصطناعي تجاوزت ميزانيته 10 ملايين دولار.
كما تأسست مؤسسة الذكاء الاصطناعي الوكيل في ديسمبر 2025 ضمن مؤسسة لينكس، بهدف تطوير معايير وبنية تحتية مفتوحة لوكلاء الذكاء الاصطناعي.
وضمت المشروعات المرتبطة بالمؤسسة بروتوكول سياق النموذج «MCP» التابع لأنثروبيك، ومشروع «غوس» التابع لشركة بلوك، ومشروع «AGENTS.md» التابع لأوبن إيه آي.
أوبن إيه آي تدعم إطارًا مشتركًا للامتثال
وتشارك أوبن إيه آي كذلك في مؤسسة «Appia»، التي تأسست في يونيو 2026 وتضم 13 عضوًا.
وتستهدف المؤسسة تحويل المبادئ العامة لحوكمة الذكاء الاصطناعي إلى مواصفات واختبارات وإثباتات امتثال يمكن تطبيقها عبر مراحل مختلفة من سلسلة توريد تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويعكس ذلك اتجاهًا متزايدًا نحو الانتقال من المبادئ العامة للسلامة إلى معايير تقنية قابلة للاختبار والقياس.
المخاوف: من يراقب واضعي المعايير؟
ويظل السؤال الأكثر حساسية مرتبطًا باستقلالية الهيئة المقترحة.
فإذا شاركت الشركات التي تطور أقوى النماذج في وضع المعايير وتقييم الالتزام بها، فقد ينشأ تضارب في المصالح بين حماية المستخدمين والحفاظ على القدرة التنافسية للشركات الكبرى.
وقد أثار مجلس العلاقات الخارجية مخاوف مماثلة بشأن إمكانية نشوء تضارب في المصالح داخل جهاز تنظيمي تقوده الصناعة، فضلًا عن أسئلة تتعلق بإمكانية وصول المقيمين إلى النماذج، وخبراتهم، ومتطلبات الأمن القومي، ومدى موثوقية اختبارات السلامة الحالية.
وتزداد أهمية هذه المخاوف مع ارتفاع عدد النماذج المتقدمة المتوقع تطويرها خلال السنوات المقبلة، وهو ما قد يفرض الحاجة إلى قدرة مستمرة على التقييم بدلًا من عمليات مراجعة محدودة ومتباعدة.
المعايير قد تتحول إلى حاجز أمام الشركات الناشئة
ولا تتعلق المشكلة بالاستقلالية فقط، إذ قد تتحول معايير السلامة نفسها إلى تكلفة ثابتة مرتفعة.
وتستطيع الشركات الكبرى تحمل تكاليف الاختبارات والبنية التحتية المطلوبة للامتثال بسهولة أكبر من المختبرات الناشئة، ما قد يخلق حاجزًا جديدًا أمام دخول المنافسين إلى السوق.
ومن ثم، فإن أي إطار إلزامي للسلامة سيحتاج إلى تحقيق توازن بين حماية المستخدمين من مخاطر النماذج المتقدمة والحفاظ على المنافسة والابتكار.
أوروبا تملك بالفعل إطارًا للحوكمة
وتواجه أي مبادرة أمريكية جديدة تحديًا إضافيًا يتمثل في وجود أطر ومعايير قائمة بالفعل على المستوى الأوروبي والدولي.
وضمت مدونة قواعد الممارسة العامة للذكاء الاصطناعي التابعة للاتحاد الأوروبي، التي طرحت في يوليو 2025 كإطار طوعي للمساعدة على إثبات الامتثال لقانون الذكاء الاصطناعي، شركات أنثروبيك وجوجل ومايكروسوفت وأوبن إيه آي ضمن الجهات الموقعة.
وبالتالي، فإن إنشاء هيئة أمريكية جديدة لن يحدث في فراغ تنظيمي، وإنما داخل بيئة تتعدد فيها المبادرات الدولية المتعلقة بالسلامة والحوكمة والامتثال.
الولايات المتحدة والصين أمام اختبار التعاون
ويتجاوز النقاش حدود الولايات المتحدة، إذ برزت دعوات إلى إنشاء إطار عالمي لسلامة الذكاء الاصطناعي يشمل القوى الكبرى.
وأكد كريس ليهان، رئيس الشؤون العالمية في أوبن إيه آي، أهمية دعم الولايات المتحدة والصين لإطار عالمي لسلامة الذكاء الاصطناعي، مشبهًا هذا النوع من التعاون بالتنسيق الدولي في المجال النووي.
ويعكس ذلك إدراكًا متزايدًا بأن مخاطر النماذج المتقدمة لا تتوقف عند الحدود الجغرافية، وأن المعايير المتباينة بين الدول قد تزيد صعوبة الرقابة على التقنيات الأكثر تطورًا.
المعركة الحقيقية: من يكتب قواعد الذكاء الاصطناعي؟
وتكشف التحركات الحالية أن المعركة المقبلة في صناعة الذكاء الاصطناعي لن تدور فقط حول من يمتلك أقوى نموذج، وإنما أيضًا حول من يضع القواعد التي تحدد ما إذا كان النموذج آمنًا وقابلًا للنشر.
ويظل نجاح أي هيئة جديدة مرتبطًا بقدرتها على تحقيق استقلال حقيقي في التقييم، وتوفير اختبارات قابلة للقياس، ومنع تحول متطلبات السلامة إلى حاجز أمام المنافسة.
أما الخطر الأكبر، فيتمثل في أن تتحول المعايير التي يفترض أن تحمي السوق والمستخدمين إلى «خندق تنظيمي» يصعب على الشركات الصغيرة عبوره.
وبذلك، قد يصبح السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة ليس فقط: من يطور الذكاء الاصطناعي الأقوى؟ وإنما أيضًا: من يملك حق تحديد القواعد التي تحكم سلامة هذا الذكاء؟










