إيلون ماسك يتحدى التوقعات: الذكاء الاصطناعي قد يضاعف نمو الاقتصاد الأمريكي إلى 4%

يراهن إيلون ماسك على أن الذكاء الاصطناعي سيقود قفزة كبيرة في نمو الاقتصاد الأمريكي خلال العام المقبل، متوقعًا أن يتضاعف معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي تقريبًا من نحو 2% إلى 4%، وربما يتجاوز ذلك.
وكتب ماسك عبر منصة «إكس» أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي إلى نحو 4% في العام المقبل، في تقدير يعكس رهانه على سرعة تحول الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى مكاسب إنتاجية واسعة.
ويأتي هذا الرهان في وقت يتصاعد فيه النقاش بين المستثمرين والاقتصاديين حول قدرة الإنفاق الهائل على مراكز البيانات والرقائق والحوسبة على تغيير معدلات الإنتاجية والنمو في الاقتصاد الأمريكي.
3% من الناتج المحلي للإنفاق على الذكاء الاصطناعي
وتكشف تقديرات حديثة عن الحجم الضخم للاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة.
ويقدر تورستن سلوك، كبير الاقتصاديين في «أبولو جلوبال مانجمنت»، أن الإنفاق الرأسمالي الأمريكي المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد يصل إلى نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا خلال الفترة من 2027 إلى 2029.
ويعني ذلك ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بنحو 0.6% قبل ثلاثة أعوام، بما يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب التقنية إلى مرحلة استثمارات رأسمالية واسعة في الاقتصاد الأمريكي.
تريليون دولار للرقائق ومراكز البيانات
وتزداد ضخامة الصورة عند النظر إلى الاستثمارات المنتظرة في البنية التحتية.
وتشير تحليلات لوكالة «موديز» نقلتها «رويترز» إلى أن شركات التكنولوجيا الأمريكية قد تنفق قرابة تريليون دولار على الرقائق ومراكز البيانات خلال عام 2027.
وفي المقابل، تشير التقديرات إلى أن الشركات المنافسة في الصين قد تنفق نحو 165 مليار دولار على هذه المجالات خلال العام نفسه.
ولا يمثل هذا الإنفاق مجرد توسع في قطاع التكنولوجيا؛ إذ يشمل بناء مراكز البيانات وشراء الرقائق وتوسيع قدرات الحوسبة، وهي استثمارات يمكن أن تنعكس مباشرة على نشاط البناء والتصنيع والطاقة والخدمات.
الاستثمار وحده لا يضمن نمو الاقتصاد
لكن هنا تكمن المسألة الاقتصادية الأكثر أهمية.
فارتفاع الإنفاق الرأسمالي لا يعني تلقائيًا ارتفاع الإنتاجية بالمعدل نفسه. ولكي يتحول الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى نمو اقتصادي مستدام عند 4%، يجب أن يؤدي إلى زيادة ملموسة في إنتاجية العامل والشركات.
وتشير التجارب التكنولوجية السابقة إلى وجود فجوة زمنية بين ظهور التكنولوجيا الجديدة وبين انعكاسها على الاقتصاد ككل.
فقد احتاج انتشار الإنترنت خلال تسعينيات القرن الماضي إلى سنوات قبل أن تظهر مكاسبه بصورة واسعة في الإنتاجية والنشاط الاقتصادي.
هل يختلف الذكاء الاصطناعي عن الإنترنت؟
قد يكون الذكاء الاصطناعي مختلفًا من حيث سرعة التبني.
فالشركات تستخدم بالفعل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكلاء المستقلين في مجالات متعددة، من تطوير البرمجيات والبحث إلى خدمة العملاء وتحليل البيانات.
وفي حال نجحت هذه الأدوات في زيادة إنتاجية العامل بصورة سريعة، فإن العائد الاقتصادي على الاستثمار قد يظهر خلال فترة أقصر من دورات التكنولوجيا السابقة.
وهنا تحديدًا يستند رهان ماسك إلى فرضية أن الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد تكنولوجيا جديدة، وإنما أداة قادرة على إعادة تنظيم طريقة إنتاج السلع والخدمات داخل الاقتصاد.
أسعار الفائدة قد تعرقل انتشار الذكاء الاصطناعي
في المقابل، تمثل تكلفة التمويل أحد العوامل التي قد تحد من سرعة انتشار هذه التكنولوجيا.
فارتفاع أسعار الفائدة يزيد تكلفة الاقتراض، وقد يجعل تمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي أكثر صعوبة بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، حتى إذا استمرت شركات التكنولوجيا العملاقة في ضخ استثمارات ضخمة.
كما أن ارتفاع تكلفة رأس المال قد يؤثر في قدرة الشركات خارج قطاع التكنولوجيا على الاستثمار في البرمجيات والأجهزة والبنية التحتية اللازمة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي.
وبالتالي، فإن تحقيق أثر اقتصادي واسع لا يتوقف على استثمارات شركات التكنولوجيا الكبرى فقط، وإنما على مدى انتشار التكنولوجيا داخل مختلف قطاعات الاقتصاد.
المستهلك الأمريكي لا يزال يدعم النشاط الاقتصادي
وفي الوقت نفسه، لا يعتمد النمو الأمريكي على الذكاء الاصطناعي وحده.
فقد ارتفعت مبيعات التجزئة الأمريكية بنسبة 1.2% في أغسطس مقارنة بشهر يوليو، متجاوزة توقعات الأسواق التي كانت تشير إلى ارتفاع قدره 0.8%.
كما ارتفعت مبيعات التجزئة الأساسية بنسبة 1.4%، مقابل توقعات بزيادة قدرها 0.6%، وفق البيانات التي نقلتها «رويترز».
وتشير هذه البيانات إلى استمرار وجود دعم من إنفاق المستهلكين، وهو عنصر أساسي في تحديد قوة النمو الاقتصادي الأمريكي إلى جانب الاستثمار والإنتاجية.
مصالح ماسك تضع رهان الـ4% تحت المجهر
يحمل توقع ماسك أيضًا بُعدًا تجاريًا، بالنظر إلى ارتباط شركاته بالتوسع في قطاع الذكاء الاصطناعي.
فـ«تسلا» و«إكس إيه آي» لديهما مصالح كبيرة في استمرار نمو منظومة الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل تصريحاته جزءًا من نقاش اقتصادي أوسع حول حجم الفرص التي تتيحها هذه التكنولوجيا.
لكن وجود مصالح تجارية لا يعني بالضرورة أن التقدير خاطئ، كما لا يجعله صحيحًا تلقائيًا.
والاختبار الحقيقي سيكون في البيانات الاقتصادية الفعلية، وليس في التصريحات.
الفجوة بين ماسك والتوقعات الاقتصادية
وتبقى توقعات ماسك أكثر تفاؤلًا من السيناريوهات الاقتصادية السائدة التي لا تفترض بالضرورة وصول نمو الاقتصاد الأمريكي إلى 4% في العام المقبل.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيضيف إلى النمو، بل مدى سرعة انتقال أثره من الإنفاق والاستثمار إلى الإنتاجية الفعلية.
فإذا تمكنت الشركات من تحقيق مكاسب كبيرة في إنتاجية العمالة، فقد تتحول الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى محرك اقتصادي يتجاوز قطاع التكنولوجيا نفسه.
أما إذا تأخر ظهور هذه المكاسب، فقد يظل الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق مرتفعًا دون أن يترجم بالسرعة التي يتوقعها ماسك إلى نمو اقتصادي شامل.
رهان ماسك يدخل مرحلة الاختبار
ويضع ماسك بذلك الاقتصاد الأمريكي أمام معادلة واضحة: استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي من ناحية، وحاجة إلى تحويل هذه الاستثمارات إلى إنتاجية ونمو من ناحية أخرى.
ويظل الوصول إلى معدل نمو يبلغ 4% مرتبطًا بعدة عوامل، من بينها سرعة تبني الشركات للذكاء الاصطناعي، وتكلفة رأس المال، وأداء سوق العمل، وقوة إنفاق المستهلكين، وقدرة الاقتصاد على استيعاب الاستثمارات الجديدة.
وبالتالي، فإن رهان ماسك ليس مجرد توقع بشأن الذكاء الاصطناعي، بل اختبار لواحدة من أكبر الفرضيات الاقتصادية في السنوات المقبلة: هل تستطيع التكنولوجيا الجديدة تحويل موجة استثمار بمئات المليارات والتريليونات إلى نمو حقيقي في إنتاجية الاقتصاد الأمريكي؟









