الدكتور وليد فاروق يكتب: (عائلة «غالي».. أكثر من قرنين في صناعة الذهب المصرية )

عندما يُكتب تاريخ صناعة الذهب في مصر، تبرز أسماء عائلات ارتبطت بهذه المهنة على امتداد أجيال متعاقبة، وأسهمت في تطورها عبر مراحل مختلفة من تاريخ البلاد. ومن بين تلك العائلات تبرز عائلة «غالي»، التي يعود تاريخها إلى مطلع القرن التاسع عشر، واستطاعت أن تحافظ على وجودها في سوق الصاغة لأكثر من مائتي عام، لتصبح واحدة من أعرق العائلات المصرية التي ارتبط اسمها بتجارة وتصنيع المشغولات الذهبية.

ووفقًا لما أورده كتاب «صاغة مصر.. النشأة وتطورها التاريخي»، فإن عائلة «غالي» تُعد من أقدم العائلات المصرية التي مارست صناعة الذهب، إذ تعود بداياتها إلى عام 1800، عندما أسس الجواهرجي الجد «غالي» أول ورشة للعائلة في منطقة الجمالية، حيث كانت الورشة والمحل يجتمعان داخل مبنى واحد بطراز معماري إسلامي، وهو النمط السائد آنذاك في بيوت الصاغة بالقاهرة التاريخية.

وحملت إعلانات الشركة لسنوات طويلة اسم «غالي وولده شفيق»، وهو الاسم الذي أصبح علامة معروفة في سوق الذهب المصري، وعكس انتقال المهنة من جيل إلى آخر داخل الأسرة.

ويمثل شفيق غالي الجيل الثاني في تاريخ العائلة، وقد واصل النشاط الذي أسسه والده، ونجح في ترسيخ اسم العائلة داخل سوق الصاغة، مستندًا إلى ما عُرف عنه من التزام بأصول المهنة ودقة في العمل.

ويقول أفراد الأسرة إن شفيق غالي كان يرى أن الصائغ لا يتعامل مع الذهب بوصفه سلعة فحسب، وإنما مع مدخرات الناس وثقتهم، ولذلك حرص على غرس قيم الأمانة والالتزام في أبنائه والعاملين معه، وهي المبادئ التي ظلت تمثل نهجًا للعائلة عبر الأجيال.

وخلال هذه المرحلة، توسع نشاط العائلة بافتتاح أول محل لها في شارع الصاغة بحي الجمالية، ثم افتتحت فرعًا آخر في شارع سليمان باشا بعمارة سينما راديو بوسط القاهرة خلال خمسينيات القرن الماضي، حين كانت المنطقة تمثل المركز التجاري الأبرز للمجوهرات في العاصمة.

ويرتبط اسم شفيق غالي كذلك بإحدى المحطات المهمة في تاريخ تجارة الذهب المصرية، إذ كان من أوائل الجواهرجية الذين طرحوا سبائك ذهب تحمل اسمًا تجاريًا مصريًا، وكانت السبائك تُصنع في لندن، وتصل مدموغة باسم «شفيق غالي»، ثم تُتداول في السوق المحلية سواء لأغراض الادخار أو لتوفير الخام المستخدم في ورش التصنيع.

وبعد وفاة شفيق غالي عام 1940، انتقلت إدارة النشاط إلى ابنيه صفوت ورؤوف، اللذين مثّلا الجيل الثالث من العائلة، واستكملا المسيرة التي بدأها الأب والجد، ومع مطلع ستينيات القرن الماضي، اتجه كل منهما إلى إدارة نشاط مستقل، مع استمرار ارتباطهما بالمهنة التي نشآ فيها.

ويحتل رؤوف شفيق غالي مكانة بارزة في تاريخ صناعة الذهب المصرية، فقد كان من أوائل من أدخلوا تكنولوجيا تصنيع السلاسل الذهبية إلى السوق المحلية، وتشير روايات أفراد الأسرة إلى أنه سافر في أواخر الأربعينيات إلى أوروبا للتدرب على تشغيل ماكينات تصنيع السلاسل، قبل أن يستوردها إلى مصر ويؤسس أول مصنع متخصص لإنتاج السلاسل الذهبية باسم «شفيق غالي» خلال الخمسينيات.

وأُقيم المصنع الأول في منطقة الجمالية، وبدأ بإنتاج السلاسل الإنجليزية، التي كانت تمثل آنذاك الشكل الأكثر انتشارًا في الأسواق، قبل أن يتوسع النشاط بإنشاء مصنع آخر في وسط القاهرة.

ومع تطور الصناعة، قدم شوكت رؤوف غالي، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أول سلسلة ذهبية مربعة تُنتج في مصر والشرق الأوسط، في خطوة عكست تطور الصناعة المحلية بعد سنوات من الاعتماد على المنتجات المستوردة.

ولم يقتصر دور رؤوف شفيق غالي على تطوير الصناعة، بل شغل أيضًا منصب وكيل رابطة تجار وصناع الذهب والمجوهرات في مصر، وعُرف داخل السوق باهتمامه بتعليم الأجيال الجديدة ونقل خبراته إليها.

ويؤكد عدد من أبناء المهنة أن ورش «شفيق غالي» كانت تمثل مدرسة حقيقية تخرج فيها عدد كبير من الصاغة الذين أصبحوا فيما بعد أصحاب ورش ومحال معروفة.

ومن بينهم الخواجة عادل نصيف، صاحب «جلو جولد»، الذي قال في حوار خاص مع الكاتب إن بدايته المهنية كانت داخل ورش رؤوف شفيق غالي، حيث تعلم أصول الصنعة، وقواعد التعامل مع العملاء، وأخلاقيات المهنة قبل أن يتعلم أسرار التجارة.

ويضيف نصيف أن رؤوف غالي لم يكن ينظر إلى العاملين معه باعتبارهم مجرد صناع، وإنما كان يعتبرهم أبناءً للمهنة، ولذلك لم يتردد في تشجيعه عندما قرر افتتاح ورشته الخاصة، وظل يقدم له النصح والدعم حتى بعد أن أصبح لكل منهما نشاط مستقل.

ويؤكد أن أهم ما تعلمه داخل تلك الورشة لم يكن كيفية تصنيع قطعة ذهب، وإنما قيمة الكلمة، والالتزام، والوقوف إلى جوار أبناء المهنة في أوقات الشدة.

ويستعيد رمسيس، أحد المقربين من رؤوف شفيق غالي، عددًا من المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرة العاملين بالسوق. ويقول إن أحد الشباب حضر إلى المحل عارضًا خاتمًا للبيع، وبعد أن فحصه رؤوف غالي، نصحه بالاحتفاظ به، موضحًا أن القطعة تتميز بحرفية عالية يصعب تعويضها، مفضلًا مصلحة العميل على إتمام الصفقة.

ويروي رمسيس موقفًا آخر ظل يتناقله أهل السوق، حين دخلت فتاة ريفية إلى المحل لبيع عدد من الجنيهات الذهبية استعدادًا لزواجها. وبعد أن علم رؤوف غالي أنها يتيمة، أتم عملية الشراء بمبلغ يزيد على قيمتها الحقيقية من دون أن يخبرها بذلك.

ويؤكد أن مثل هذه المواقف لم تكن استثناءً، وإنما كانت تعكس فلسفة راسخة لدى كبار الصاغة آنذاك، تقوم على أن الأمانة جزء أصيل من المهنة، وأن النجاح التجاري لا ينفصل عن المسؤولية الإنسانية.

ولم يكن اسم «شفيق غالي» بعيدًا عن الوسط الفني خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إذ اعتاد عدد من الفنانين زيارة محال العائلة، ومن بينهم أم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، وفايزة أحمد، وليلى مراد، وليلى طاهر.

ويروي أبناء الأسرة أن أم كلثوم زارت بنفسها محل العائلة للاطلاع على بروش كان قد ذاع صيته بين الفنانين في ذلك الوقت، وهي واقعة لا تزال تتردد في ذاكرة أفراد الأسرة.

ويمثل شريف وشهير وشوكت أبناء رؤوف شفيق غالي، وإيهاب صفوت شفيق غالي، الجيل الرابع من العائلة، وقد واصلوا إدارة النشاط مع الحفاظ على الاسم الذي ارتبط بالمهنة لأكثر من قرنين.

وشهدت هذه المرحلة افتتاح فرع جديد للشركة في المهندسين عام 1995، إلى جانب مواكبة التطورات التي شهدها سوق الذهب في أساليب التصنيع والبيع والتسويق.

ويقول شريف رؤوف غالي، في حوار مع الكاتب، إن المهنة تغيرت كثيرًا خلال العقود الأخيرة، فبعد أن كانت أسعار الذهب تُعرف من خلال الصحف اليومية، وتُحدد مرة واحدة في اليوم، أصبحت تتغير بصورة لحظية مع ارتباط السوق المحلية بالبورصات العالمية، وانتشار المواقع الإلكترونية والتطبيقات المتخصصة.

ويؤكد أن التكنولوجيا غيرت أدوات العمل، لكنها لم تغير المبادئ التي قامت عليها المهنة، وفي مقدمتها الأمانة، والالتزام، واحترام العميل.

وعلى امتداد أكثر من قرنين، لم يكن اسم «غالي» مجرد علامة تجارية في سوق الذهب، بل أصبح جزءًا من تاريخ الصاغة المصرية، وشاهدًا على تطور صناعة المجوهرات، وانتقالها من الورش التقليدية في الجمالية إلى الصناعة الحديثة.

وبينما تغيرت أدوات المهنة، وتبدلت أساليب التجارة، بقيت القيم التي قامت عليها هذه المدرسة المهنية حاضرة في وجدان من حملوا مسؤوليتها جيلاً بعد جيل، لتظل عائلة «غالي» واحدة من الصفحات المضيئة في تاريخ صناعة الذهب المصرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى