الدولار يترقب الفيدرالي.. النفط فوق 91 دولارًا يضغط على عملات آسيا

استقرت العملات الآسيوية على أداء متباين خلال تعاملات الثلاثاء، في وقت تحرك فيه مؤشر الدولار عند 99.65 نقطة قرب أدنى مستوياته منذ أوائل يونيو، بينما صعد خام برنت فوق 91 دولارًا للبرميل، لتجد عملات الاقتصادات الآسيوية المستوردة للطاقة نفسها أمام ضغوط مزدوجة بين ضعف الدولار وارتفاع تكلفة الطاقة.

وتراجعت رهانات الأسواق على تشديد السياسة النقدية الأمريكية بعد سلسلة من البيانات الاقتصادية الضعيفة، فيما يترقب المستثمرون محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي بحثًا عن إشارات جديدة بشأن مسار أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.

بيانات أمريكا تضعف الدولار وتغير حسابات الفائدة

جاء تراجع الدولار بعد بيانات اقتصادية أمريكية أظهرت ضعفًا نسبيًا في النشاط الاقتصادي، إذ انخفضت مبيعات التجزئة في يوليو للمرة الأولى منذ تسعة أشهر، بالتزامن مع خسائر غير متوقعة في الوظائف وقراءات تضخم أكثر اعتدالًا.

ودفعت هذه المؤشرات المتعاملين إلى إعادة تقييم احتمالات رفع أسعار الفائدة، مع تراجع احتمال زيادة الفائدة في اجتماع سبتمبر إلى نحو 35% وفق أداة «سي إم إي فيدووتش».

ويمثل انخفاض توقعات الفائدة عامل ضغط على الدولار، إذ إن تراجع العائد المتوقع على الأصول الأمريكية يقلل جاذبية العملة أمام العملات المنافسة.

النفط فوق 91 دولارًا يعيد الضغط على آسيا

لكن ضعف الدولار لم يتحول إلى مكاسب قوية للعملات الآسيوية، بعدما أعاد ارتفاع أسعار النفط مخاوف التضخم إلى الأسواق.

وصعد خام برنت فوق 91 دولارًا للبرميل، مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران وانتهاء اتفاق وقف إطلاق النار، إلى جانب استمرار حالة عدم اليقين بشأن حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة للاقتصادات الآسيوية التي تعتمد بدرجات متفاوتة على استيراد الطاقة، إذ يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكلفة الواردات والضغط على الحسابات الخارجية، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار الصرف.

هرمز يتحول إلى عامل ضغط على العملات

وتزداد حساسية أسواق العملات تجاه التطورات المرتبطة بمضيق هرمز، باعتباره أحد أهم ممرات نقل الطاقة عالميًا.

وأي اضطراب طويل في حركة الناقلات يمكن أن يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى، بما يزيد الضغوط التضخمية في الاقتصادات المستوردة للطاقة، ويحد من قدرة البنوك المركزية الآسيوية على خفض أسعار الفائدة لدعم النمو.

وبذلك لم تعد حركة النفط قضية منفصلة عن سوق العملات، بل أصبحت أحد المحددات الرئيسية لتوقعات التضخم والسياسة النقدية في آسيا.

الين يقترب من مستوى 160

وظل الين الياباني تحت الضغط خلال التعاملات، مع ارتفاع الدولار أمام العملة اليابانية بنسبة تقارب 0.2% إلى نحو 159.67 ين.

ويقترب زوج الدولار والين مجددًا من مستوى 160 ينًا للدولار، وهو مستوى حساس بالنسبة للسوق اليابانية، خصوصًا في ظل المخاوف من تدخل السلطات اليابانية لدعم العملة إذا شهدت تحركات سريعة وحادة.

وكان الين قد حقق جزءًا كبيرًا من مكاسبه بعد تدخل أمريكي ياباني مشترك في سوق الصرف بنهاية يوليو.

اليوان والوون يتحركان في اتجاهين مختلفين

وسجل اليوان الصيني تحسنًا طفيفًا، مع انخفاض الدولار أمام العملة الصينية بنحو 0.1%، بينما تراجع الوون الكوري الجنوبي بنحو 0.2% أمام الدولار.

وفي المقابل، تحرك الدولار الأسترالي والدولار السنغافوري في نطاقات محدودة، مع استمرار حالة الحذر في الأسواق نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والعوائد الأمريكية.

وتكشف هذه التحركات عن تباين قدرة العملات الآسيوية على الاستفادة من ضعف الدولار، إذ تختلف حساسية كل اقتصاد تجاه أسعار النفط وتدفقات رؤوس الأموال وعوائد السندات الأمريكية.

الروبية الهندية تحت ضغط النفط والسندات

وكانت الروبية الهندية من أبرز العملات الآسيوية تعرضًا للضغوط، إذ ارتفع الدولار أمامها بنسبة 0.1% إلى 95.67 روبية، وهو أعلى مستوى منذ 30 يوليو.

ويأتي ذلك في وقت يضغط فيه ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد الهندي، نظرًا لاعتماده الكبير على واردات الطاقة، بينما تمثل زيادة عوائد السندات الأمريكية عامل جذب لرؤوس الأموال بعيدًا عن الأسواق الناشئة.

وتشير تقارير إلى أن بنك الاحتياطي الهندي قد يواصل التدخل في سوق الصرف الأجنبي للحد من تأثير ارتفاع أسعار النفط على الروبية.

عوائد السندات الأمريكية تزيد تعقيد المشهد

ولا يقتصر الضغط على العملات الآسيوية على أسعار النفط، إذ ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى مستويات مرتفعة.

وتجاوز عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات 4.7%، بينما تخطى عائد السندات لأجل 30 عامًا 5.3%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2007 وفق البيانات الواردة في التقرير.

وتجعل العوائد المرتفعة الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية للمستثمرين، وهو ما يمكن أن يحد من استفادة العملات الآسيوية من أي تراجع في مؤشر الدولار.

محضر الفيدرالي يحدد الاتجاه المقبل

وتتجه أنظار الأسواق الأربعاء إلى محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بحثًا عن إشارات بشأن موقف صناع السياسة النقدية من التضخم والنمو وأسعار الفائدة.

وأي إشارات تميل إلى خفض الفائدة أو تبني موقف أقل تشددًا قد تعزز الضغوط على الدولار وتمنح العملات الآسيوية مساحة أكبر للتحرك.

أما إذا أظهر المحضر استمرار القلق بشأن التضخم أو الحاجة إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، فقد يستعيد الدولار قوته، خصوصًا إذا استمرت عوائد السندات الأمريكية وأسعار النفط في الارتفاع.

 معركة العملات لم تعد مع الدولار وحده

تكشف حركة العملات الآسيوية عن معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد صعود أو هبوط الدولار.

فحتى مع تراجع توقعات رفع الفائدة الأمريكية، يمكن أن يؤدي ارتفاع النفط وعوائد السندات الأمريكية إلى إعادة الضغوط على العملات الناشئة، خصوصًا في الاقتصادات التي تعتمد بصورة كبيرة على واردات الطاقة.

ومن هنا، يصبح محضر الفيدرالي + أسعار النفط + عوائد السندات الأمريكية هو المثلث الأهم لتحديد اتجاه العملات الآسيوية خلال الأيام المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى