الذهب يصمد.. والفضة تتجه للفائض.. لماذا يراهن دويتشه بنك على النحاس؟

70% من مخزون النحاس عالق بين أميركا والصين.. دويتشه بنك يتوقع قفزة نحو 22 ألف دولار

لا يزال الذهب صامدًا أمام واحدة من أصعب البيئات التي تواجه الأصول التي لا تدر عائدًا، لكن النحاس قد يكون صاحب أكبر فرصة صعود بين المعادن خلال الفترة المقبلة، وفق دانيال غالي، رئيس أبحاث المعادن في دويتشه بنك.

ويرى غالي أن السوق يقترب من واحدة من أشد حالات ندرة النحاس منذ ثمانينيات القرن الماضي، بعدما أدت عمليات التخزين المتزامنة في الولايات المتحدة والصين إلى حجز ما يقارب 70% من مخزونات النحاس العالمية المتاحة فوق سطح الأرض، ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية جديدة.

ويقدر دويتشه بنك أن يصل النحاس إلى 22,050 دولارًا للطن في الربع الثاني من 2027، بما يعادل نحو 10 دولارات للرطل، وفق أحدث تقديرات البنك.

الذهب يصمد رغم عوائد تتجاوز 5% وبرميل النفط فوق 100 دولار

قال غالي إن أداء الذهب خلال الفترة الأخيرة كان أكثر تماسكًا مما توحي به البيئة الاقتصادية المحيطة به، إذ تعرض المعدن لضغوط من ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات فوق 5%، إلى جانب تداول النفط فوق 100 دولار للبرميل.

ورغم هذه العوامل، لم يسجل الذهب قاعًا جديدًا منذ يوليو، في أداء يعتبره غالي دليلًا على قوة المعدن وقدرته على مقاومة الضغوط الناتجة عن ارتفاع العوائد وتشدد توقعات السياسة النقدية.

وقال محلل دويتشه بنك إن التراجع الحالي في الذهب كان محدودًا للغاية مقارنة بحجم الرياح المعاكسة التي واجهها السوق.

دويتشه بنك يرى فرصة صعود جديدة للذهب

يعتقد غالي أن وضع الذهب الحالي يذكره بما شهدته السوق في 2022، لكن مع اختلافات جوهرية قد تجعل المرحلة المقبلة أكثر دعمًا للمعدن.

وأوضح أن مشتريات القطاع الرسمي أصبحت تزيد بأكثر من الضعف مقارنة بمستويات ذلك الوقت، بينما ارتفعت شبكة المستثمرين المؤسسيين المشاركين في سوق الذهب بنحو 70% منذ 2021.

كما يرى أن احتياطيات مديري الاحتياطيات القابلة للتخصيص اتسعت، في وقت أصبحت فيه مبررات زيادة مخصصات الذهب داخل المحافظ الاستثمارية أقوى خلال الأشهر الأخيرة.

وبحسب غالي، فإن ضعف مراكز المستثمرين حاليًا، إلى جانب انخفاض ملكية الذهب واعتباره في وضع بيعي نسبيًا، قد يوفر قاعدة لتحسن الطلب خلال المرحلة المقبلة.

سوق السندات قد يصبح محركًا إضافيًا للطلب على الذهب

لا يرى غالي أن المستثمرين مضطرون للاختيار بين الذهب والسندات، معتبرًا أن ضعف سوق سندات الخزانة الأمريكية قد يؤدي في حد ذاته إلى زيادة التنويع باتجاه الذهب.

وأوضح أن صناديق التقاعد والأوقاف وشركات التأمين وغيرها من كبار المستثمرين المؤسسيين رفعت مخصصاتها للأصول البديلة بصورة كبيرة خلال العقدين الماضيين.

لكن كثيرًا من هذه الأصول البديلة لا يزال حساسًا للعوائد، وهو ما يجعل تراجع سوق السندات عاملًا قد يدفع المؤسسات إلى إعادة توزيع جزء من محافظها نحو الذهب كأحد مكونات الأصول البديلة.

الفضة تغيرت.. والمخزونات تتجه إلى مستويات أعلى

في المقابل، يرى دويتشه بنك أن صورة سوق الفضة تغيرت بصورة جذرية مقارنة بالفترة التي شهدت فيها الأسواق شحًا تاريخيًا في المعدن.

وقال غالي إن مخزونات لندن الحرة، وهي المخزونات الموجودة في الخزائن التجارية والمتاحة للبيع، ارتفعت إلى أعلى مستوياتها منذ نوفمبر 2024.

وفي الوقت نفسه، لا تزال مخزونات الفضة في كومكس مرتفعة بصورة توفر هامشًا من الأمان في حال عادت ضغوط النقص إلى السوق اللندنية، بينما ارتفعت مخزونات شنغهاي أيضًا.

ويعني ذلك، وفق القراءة نفسها، أن المخزون المادي لم يعد يمثل عامل الضغط الرئيسي الذي كان عليه في وقت سابق.

ارتفاع الأسعار بدأ يضرب الطلب الصناعي على الفضة

لا تقتصر التحولات في سوق الفضة على جانب العرض، إذ يرى غالي أن ارتفاع الأسعار نفسه أدى إلى تراجع سريع في الطلب.

وتشير تقديرات دويتشه بنك إلى احتمال انخفاض الطلب الصناعي الصيني على الفضة، وخاصة المرتبط بالطاقة الشمسية، بنحو الثلث خلال 2026 مقارنة بالعام السابق.

ومع تراجع حجم العجز في السوق وارتفاع المخزونات المتاحة، يرى البنك أن سوق الفضة قد يتجه حتى إلى فائض مادي أولي خلال 2027.

وبالتالي، فإن المعادلة الجديدة للفضة قد تعني تراجعًا في جاذبيتها مقارنة بالذهب، إلى جانب انخفاض مستويات التقلب إذا استمر تحسن توافر المعدن.

النحاس يخرج من ظل الذهب والفضة

أما النحاس، فيرى غالي أنه الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة للمستثمرين الباحثين عن أكبر حركة محتملة على المدى القصير والمتوسط.

ويرتكز هذا التصور على ما يصفه بأكثر بيئات ندرة النحاس حدة منذ ثمانينيات القرن الماضي، في وقت أدت فيه عمليات التخزين المتزامنة في الولايات المتحدة والصين إلى سحب كميات ضخمة من المخزون العالمي المتاح.

ووفق تقدير غالي، قد تكون الدولتان قد احتجزتا معًا نحو 70% من مخزون النحاس العالمي فوق سطح الأرض، ما يضغط على الكميات المتاحة لبقية الأسواق ويزيد حساسية الأسعار لأي اضطراب جديد في الإمدادات.

المخزونات الأمريكية والصينية تعيد رسم سوق النحاس

أحد أسباب أهمية هذه الظاهرة هو أن النحاس المخزن لا يختفي فعليًا، لكنه يصبح أقل سهولة في الوصول إلى المستهلكين في الأسواق الأخرى.

وتشير بيانات دويتشه بنك إلى أن الولايات المتحدة والصين تعملان منذ سنوات على بناء مخزونات كبيرة، فيما ساهمت مخاوف الرسوم الجمركية الأمريكية في جذب كميات إضافية من النحاس إلى المستودعات الأمريكية.

وتشير تقديرات البنك إلى إمكانية بلوغ الحصة المشتركة للمخزونات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة والصين نحو 71% من المخزون العالمي فوق سطح الأرض بنهاية 2026.

ومع تركز هذه الكميات في أكبر سوقين، يصبح أي نقص في المعروض الجديد أكثر قدرة على إحداث تحركات حادة في الأسعار.

22,050 دولارًا للطن.. هدف النحاس في 2027

بناءً على هذه المعادلة، يتوقع دويتشه بنك أن يصل سعر النحاس إلى 22,050 دولارًا للطن في الربع الثاني من 2027، وهو مستوى يعادل نحو 10 دولارات للرطل.

ويعني هذا التقدير ارتفاعًا يقارب 50% عن المستويات التي كان يتداول عندها النحاس عندما طرح البنك توقعاته، وفق التغطيات التي نقلت تحليل غالي.

ويستند السيناريو إلى أن السوق قد لا تمتلك مرونة كافية لتعويض عمليات التخزين الأمريكية والصينية، أو أي اضطرابات إضافية في إنتاج النحاس المكرر، أو تغير مفاجئ في توازنات العرض والطلب العالمية.

ثلاثة معادن.. ثلاث قصص مختلفة

تكشف قراءة دويتشه بنك عن ثلاث قصص مختلفة داخل سوق المعادن.

فالذهب يقاوم ضغوط العوائد المرتفعة مستفيدًا من الطلب الرسمي واتساع قاعدة المستثمرين المؤسسيين، بينما تغيرت أساسيات الفضة مع ارتفاع المخزونات وتراجع الطلب الصناعي الصيني، في حين يواجه النحاس مشكلة مختلفة تتمثل في تركز المخزون العالمي في عدد محدود من الأسواق.

وبذلك، لا يرى دويتشه بنك أن حركة المعادن المقبلة ستكون موحدة؛ فبينما يحتفظ الذهب بمقومات دعم قوية، تواجه الفضة خطر ضعف الأداء، في الوقت الذي قد يتحول فيه النحاس إلى محور التحرك الأكبر إذا أصبحت ندرة المعروض أكثر وضوحًا في السوق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى