أوروبا تخسر 20% من طاقة التكرير.. هل تصبح مصر بوابة لتعويض نقص الديزل؟

أعادت أزمة مضيق هرمز تسليط الضوء على هشاشة إمدادات الوقود إلى أوروبا، خصوصًا الديزل، في وقت فقدت فيه القارة نحو 20% من طاقتها التكريرية منذ عام 2009، ما يفتح المجال أمام دول شمال أفريقيا، وفي مقدمتها مصر والجزائر، لتعزيز دورها في سوق المنتجات النفطية الأوروبية.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع قدرات التكرير الأوروبية، وتشديد المتطلبات البيئية، ومساعي الاتحاد الأوروبي لإنهاء واردات النفط والغاز الروسيين، ما يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم فرص التوسع في صناعة التكرير الأفريقية، مستفيدين من القرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية ووجود بنية تحتية نفطية قائمة.

شمال أفريقيا مرشحة للاستفادة من اضطرابات إمدادات الوقود

ترى سارة رفول، كبيرة محللي المنتجات النفطية لدى «أرغوس ميديا»، أن شمال أفريقيا قد تكون المستفيد الأكبر من التحولات الحالية، مع اكتساب مشروعات التكرير والتخزين في المنطقة زخمًا إضافيًا بعد أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا والعقوبات المفروضة على روسيا.

وفي المقابل، يُتوقع أن تجذب دول أفريقيا جنوب الصحراء استثمارات جديدة إلى قطاع التكرير، لكن بهدف تلبية الطلب المحلي المتزايد على الوقود بدرجة أساسية، وليس بالضرورة التحول إلى مراكز رئيسية للتصدير إلى أوروبا.

ورغم امتلاك القارة موارد نفطية كبيرة وكونها مصدرًا صافيًا للخام، فإنها تستورد أكثر من 70% من احتياجاتها من الوقود المكرر، وفق تقرير لمؤسسة التمويل الأفريقية صدر في أبريل. ويكشف هذا التباين عن فجوة بين إنتاج النفط الخام والقدرة على تحويله إلى منتجات جاهزة للاستهلاك.

وتوضح أزمة الوقود التي شهدتها النيجر في أبريل الماضي هذه المفارقة؛ إذ تشكلت طوابير طويلة أمام محطات الوقود رغم أن البلاد منتجة ومصدرة للنفط.

تراجع التكرير الأوروبي يفتح نافذة أمام المصافي الأفريقية

فقدت أوروبا نحو خُمس طاقتها التكريرية منذ 2009، بحسب رابطة «فيولز يوروب»، وأصبحت الواردات تلبي ما يعادل نحو 20% من استهلاكها من الديزل.

لكن توسع صادرات المصافي الأفريقية إلى أوروبا ليس مضمونًا؛ إذ يرى فرانسيس بيران، الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس، أن الوصول إلى السوق الأوروبية قد يحسن ربحية المشروعات الجديدة، لكنه يستبعد أن تتحول أفريقيا إلى امتداد صناعي يعوض كامل العجز الأوروبي.

ويستند هذا التقدير إلى اختلاف مسار الطلب بين المنطقتين؛ فاحتياجات أفريقيا من الوقود مرشحة للارتفاع بفعل النمو السكاني والاقتصادي، بينما تتأثر السوق الأوروبية بتحولات الطاقة والسياسات البيئية.

مصر تستهدف استثمارات بـ4.5 مليارات دولار لزيادة التكرير

تسعى مصر إلى توسيع قدراتها التكريرية وتقليل الاعتماد على واردات الوقود، بعدما رفعت مخصصات استيراده إلى 5.5 مليارات دولار خلال العام المالي 2026-2027.

وقال وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي إن خطط تطوير معامل التكرير وزيادة طاقاتها تتضمن مشروعات باستثمارات تُقدر بنحو 4.5 مليارات دولار، في إطار مساعي توفير المنتجات البترولية محليًا وتخفيف فاتورة الاستيراد.

وتشمل الخطة إنشاء مجمعين لتحويل المازوت إلى السولار باستثمارات إجمالية تبلغ نحو 2.1 مليار دولار، في معملي «السويس لتصنيع البترول» و«النصر للبترول»، إلى جانب زيادة الطاقة التكريرية في أسيوط لتلبية احتياجات محافظات صعيد مصر.

وتمنح هذه المشروعات مصر فرصة لتعزيز قدرتها على إنتاج الديزل، أحد المنتجات التي تحتاج إليها السوق الأوروبية، لكن مدى الاستفادة التصديرية سيظل مرتبطًا بحجم الإنتاج الفعلي، والطلب المحلي، والقدرة التنافسية للمنتجات المصرية.

الجزائر تخصص 13 مليار دولار للتكرير والبتروكيماويات

تعمل الجزائر بدورها على تطوير قطاع المحروقات وتعزيز الاستثمارات في التكرير والصناعات البتروكيماوية، بعدما أعلن وزير الدولة وزير المحروقات، محمد عرقاب، في 17 أكتوبر تخصيص نحو 13 مليار دولار لمشروعات القطاعين حتى عام 2030، ضمن برنامج استثماري للمحروقات تبلغ قيمته 71.6 مليار دولار.

ورغم أن الجزائر تصدر النفط الخام وعددًا من المنتجات النفطية، فإن صادراتها من المنتجات المكررة تتركز بدرجة أكبر في زيت الوقود وغاز البترول المسال والنافتا، مقارنة بالديزل ووقود الطائرات اللذين تحتاج إليهما الأسواق الأوروبية، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وتعود مساعي الجزائر لتعزيز الاستفادة من الطلب الأوروبي إلى الفترة التي أعقبت اندلاع الحرب في أوكرانيا. وفي عام 2024، اعتمدت شركة «سوناطراك» خطة تنموية للفترة من 2025 إلى 2029، تتضمن تطوير قدرات التكرير لتلبية الطلب المحلي وتعزيز صادرات المحروقات ومشتقاتها.

دانغوتي يوسع الرهان على صناعة التكرير الأفريقية

في مؤشر على تصاعد الاهتمام الاستثماري بالقطاع، تسعى مجموعة «دانغوتي»، المملوكة للملياردير النيجيري أليكو دانغوتي، إلى استقطاب مستثمرين أفارقة للمشاركة في الطرح العام الأولي لمصفاتها في لاغوس، التي يقترب تقييمها من 50 مليار دولار.

وبحسب «بلومبرغ»، أجرت المجموعة محادثات مع البورصة المصرية تمهد لإطلاق برنامج لشهادات إيداع مصرية مرتبط بالطرح، بما قد يوسع قاعدة المستثمرين في المصفاة على مستوى القارة.

وتعزز المصفاة مكانتها في سوق المنتجات النفطية؛ إذ بدأت التشغيل في 2024، وتحولت في أبريل الماضي إلى أكبر مصدر منفرد لوقود الطائرات في العالم، بعدما دفعت اضطرابات إمدادات الشرق الأوسط المنشأة إلى زيادة إنتاج هذا الوقود، وفق بيانات «إس آند بي غلوبال».

وتبرز هذه التطورات أهمية الاستثمارات الكبيرة في المصافي الحديثة، لكنها لا تعني أن جميع المشروعات الأفريقية ستحقق النتائج نفسها، خصوصًا في ظل التحديات التشغيلية والتمويلية التي تواجه القطاع.

مشروعات جديدة في النيجر وكينيا رغم تحديات التشغيل

امتد الاهتمام بالتكرير إلى دول أفريقيا جنوب الصحراء. ففي النيجر، وقّعت الحكومة في 15 أغسطس اتفاقًا بقيمة 1.9 مليار دولار مع مجموعة «زيمار» الكندية لبناء مصفاة بطاقة 100 ألف برميل يوميًا ومجمع للبتروكيماويات في مدينة دوسو جنوب غربي البلاد.

وفي كينيا، يسعى دانغوتي إلى تنفيذ مشروع مصفاة في لامو بطاقة مستهدفة تبلغ 700 ألف برميل يوميًا، وبتكلفة تقارب 16 مليار دولار. ومن المخطط أن تعتمد المنشأة على خام من دول شرق أفريقيا ومصادر أخرى، رغم أن كينيا لم تبدأ بعد الإنتاج التجاري للنفط.

ومع ذلك، تظل قدرة القارة على تحويل الاستثمارات المعلنة إلى إنتاج فعلي تحديًا رئيسيًا. فوفق تقديرات منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك»، تعمل المصافي الأفريقية بنحو 55% من طاقتها، وتعالج أقل من 3 ملايين برميل يوميًا، مقابل استهلاك نفطي يبلغ نحو 4.9 ملايين برميل يوميًا، في حين يصل إمداد القارة من السوائل النفطية إلى نحو 7.6 ملايين برميل يوميًا.

تلبية الطلب الأفريقي قد تكون الفرصة الأهم

رغم أن أزمة إمدادات الوقود الأوروبية قد تمنح المصافي الأفريقية حافزًا إضافيًا للتوسع، فإن تحول القارة إلى مورد رئيسي بديل لأوروبا سيظل مرتبطًا بقدرتها على زيادة الإنتاج وتحسين كفاءة التشغيل وتوفير المنتجات التي تحتاج إليها الأسواق المستوردة.

وتشير تقديرات محللين إلى أن الفرصة الأكبر قد لا تتمثل في منافسة إمدادات الشرق الأوسط على مستوى العالم، بقدر ما تتمثل في تقليص اعتماد أفريقيا على واردات الوقود وتلبية الطلب المحلي المتنامي.

وبالنسبة إلى مصر والجزائر، قد يتيح تطوير المصافي تعزيز أمن الطاقة وخفض فاتورة الاستيراد وفتح فرص تصديرية إضافية، لكن ترجمة هذه الإمكانات إلى مكاسب فعلية ستعتمد على تنفيذ المشروعات، وتركيبة المنتجات المنتجة، وتوازن احتياجات السوق المحلية مع فرص التصدير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى