الولايات المتحدة تقترب من ميثاق وطني للذكاء الاصطناعي يغيّر قواعد التكنولوجيا عالميًا

تقترب الولايات المتحدة من إطلاق إطار وطني جديد لتنظيم الذكاء الاصطناعي، في خطوة قد تعيد رسم خريطة التشريعات المنظمة لهذا القطاع داخل أمريكا، وتمتد آثارها إلى أسواق التكنولوجيا العالمية، في ظل هيمنة الشركات الأمريكية على تطوير النماذج الأكثر تقدمًا في هذا المجال.

وبحسب تقرير نشره موقع ذا إنفورميشن، تعمل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إعداد إطار تشريعي موحد ينقل مسؤولية تنظيم الذكاء الاصطناعي إلى الحكومة الفيدرالية في واشنطن، بدلاً من استمرار تعدد القوانين واللوائح التي تفرضها الولايات الأمريكية بصورة منفصلة.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تستهدف تقليل الأعباء التنظيمية على شركات التكنولوجيا، التي تواجه حاليًا عشرات القواعد المختلفة بين الولايات، وهو ما يرفع تكاليف تطوير وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي ويحد من سرعة الابتكار.

توحيد التشريعات بدلًا من تعدد القوانين

يرتكز المشروع الأمريكي على إنشاء منظومة تشريعية فيدرالية موحدة، بما يسمح للشركات بالالتزام بمجموعة واحدة من القواعد المنظمة، بدلًا من التكيف مع تشريعات مختلفة في كل ولاية.

وجاء هذا التوجه بعد إصدار البيت الأبيض في ديسمبر 2025 أمرًا تنفيذيًا طالب بوضع تصور شامل لسياسة وطنية للذكاء الاصطناعي، قبل أن يُنشر الإطار المقترح في مارس 2026 باعتباره وثيقة تشريعية تمهد لنقاش داخل الكونغرس.

ويرى خبراء من مركز الأمن والتقنيات الناشئة بجامعة جورجتاون أن الوثيقة الحالية لا تمثل قانونًا نافذًا، وإنما تعد أساسًا للمفاوضات التشريعية داخل الكونغرس، الذي سيحدد الصيغة النهائية للتنظيم.

الولايات الأمريكية تفرض قواعد مختلفة

شهدت السنوات الأخيرة اتجاه عدد من الولايات الأمريكية إلى إصدار تشريعات مستقلة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، إذ ركزت ولاية كولورادو على منع التمييز الخوارزمي، بينما تبنت تكساس قواعد لحماية المستهلك والشفافية، في حين واصلت كاليفورنيا إعداد تشريعات خاصة بالنماذج المتقدمة والمحتوى المُولد بالذكاء الاصطناعي.

ويؤكد مسؤولو الإدارة الأمريكية أن استمرار هذا التباين يخلق بيئة تنظيمية معقدة، ويزيد من أعباء الامتثال على الشركات المطورة، وهو ما يدفع الحكومة الفيدرالية إلى السعي لإقرار إطار موحد.

الأمن السيبراني في صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحرك التشريعي، وقع الرئيس الأمريكي في يونيو 2026 أمرًا تنفيذيًا لتعزيز أمن تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، يتضمن إنشاء مركز لتبادل معلومات الأمن السيبراني بالتعاون مع القطاع الخاص، بهدف تسريع اكتشاف الثغرات الأمنية وتعزيز حماية النماذج المتقدمة.

كما يركز التوجيه الرئاسي على وضع ضوابط لاستخدام ما يعرف بـ”نماذج الحدود” التي تمثل أحدث أجيال الذكاء الاصطناعي، مع إلزام الجهات المختصة بإعداد خطط لضمان تشغيلها بصورة آمنة.

الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر يثير الجدل

ورغم وضوح ملامح الإطار المقترح، لا تزال قضية تنظيم نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر تمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف.

فبينما تتناول الوثيقة قضايا مثل سلامة الأطفال، والتزييف العميق، والهوية الرقمية، فإنها لا تحدد بصورة واضحة كيفية التعامل مع النماذج المفتوحة المصدر، التي يمكن تعديلها وإعادة توزيعها بحرية بعد إطلاقها.

ويشير تقرير دولي حول سلامة الذكاء الاصطناعي، شارك في إعداده أكثر من 100 خبير دولي بقيادة الباحث يوشوا بنجيو، إلى أن النماذج مفتوحة المصدر تمثل تحديًا خاصًا أمام الحكومات، نظرًا لصعوبة فرض معايير موحدة للسلامة عليها.

انعكاسات عالمية مرتقبة

يرى محللون أن أي تشريع أمريكي جديد لن يقتصر تأثيره على السوق المحلية، بل سيمتد إلى شركات التكنولوجيا حول العالم، في ظل اعتماد الأسواق الدولية على النماذج التي تطورها الشركات الأمريكية.

كما يتوقع خبراء أن يؤدي توحيد التشريعات داخل الولايات المتحدة إلى تقليل تكاليف الامتثال التنظيمي، وتسريع وتيرة الابتكار، مع بقاء ملف تنظيم الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة.

ولا يتعلق المشروع الأمريكي بإعادة تنظيم سوق محلية فقط، بل قد يحدد القواعد التي ستلتزم بها شركات الذكاء الاصطناعي حول العالم خلال السنوات المقبلة، وهو ما يجعله أحد أهم التحولات التنظيمية في القطاع منذ انطلاق ثورة الذكاء الاصطناعي.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى