من فولكر إلى ترامب.. هل يقترب عصر استقلال البنوك المركزية من نهايته؟

تواجه استقلالية البنوك المركزية اختبارًا متزايدًا مع تصاعد التدخلات السياسية في قرارات السياسة النقدية، في وقت أصبحت فيه أسعار الفائدة والتضخم والدين الحكومي وأسواق السندات ملفات شديدة الحساسية بالنسبة للحكومات والمستثمرين على حد سواء.

وأصبح السؤال المطروح عالميًا لا يتعلق فقط بمستوى الفائدة، وإنما بمن يملك حق اتخاذ القرار بشأنها، وما إذا كانت البنوك المركزية ستظل قادرة على التحرك بعيدًا عن الضغوط السياسية والانتخابية.

تجربة فولكر وضعت أساس الاستقلال النقدي الحديث

وترتبط أهمية استقلال البنوك المركزية بصورة وثيقة بتجربة بول فولكر، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نهاية سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي، عندما اتجه إلى تشديد السياسة النقدية بقوة لمواجهة التضخم المرتفع.

ورغم التكلفة الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة لذلك التشديد، أصبحت تجربة فولكر نموذجًا على قدرة البنك المركزي المستقل على اتخاذ قرارات صعبة عندما تتعارض مكافحة التضخم مع المصالح السياسية قصيرة الأجل.

ومنذ ذلك الوقت، اتجهت دول عديدة إلى تعزيز استقلالية مؤسساتها النقدية، بهدف منحها مساحة أكبر لاتخاذ قرارات تتعلق بأسعار الفائدة والسيولة والاستقرار المالي بعيدًا عن الحسابات الانتخابية.

الأزمة المالية والجائحة وسّعتا نفوذ البنوك المركزية

لكن استقلالية البنوك المركزية تعرضت لاختبار مختلف بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، ثم خلال جائحة كورونا.

فقد اضطرت البنوك المركزية الكبرى إلى استخدام أدوات استثنائية لدعم الأسواق ومنع انهيار النظام المالي، بما في ذلك شراء كميات ضخمة من السندات وخفض أسعار الفائدة إلى مستويات شديدة الانخفاض.

وأدى هذا التوسع في الميزانيات العمومية للبنوك المركزية إلى زيادة التشابك بين السياسة النقدية والسياسة المالية، خصوصًا مع ارتفاع حيازات البنوك المركزية من الديون السيادية.

وبحسب الأرقام الواردة في المادة الأصلية، وصلت مشتريات الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك اليابان من الأصول إلى مستويات ضخمة بعد الأزمة المالية والجائحة، وهو ما عزز التساؤلات حول حدود الدور الذي ينبغي أن تلعبه البنوك المركزية.

التضخم أعاد الجدل حول أخطاء السياسة النقدية

وتفاقمت الانتقادات بعد موجة التضخم التي أعقبت إعادة فتح الاقتصادات العالمية عقب جائحة كورونا.

فقد تأخرت البنوك المركزية الكبرى في البداية في التعامل مع الارتفاع القوي في الأسعار، قبل أن تتحول لاحقًا إلى واحدة من أسرع دورات التشديد النقدي خلال عقود.

وأثار ذلك سؤالًا مهمًا: هل تحتاج البنوك المركزية إلى مزيد من الاستقلال، أم إلى مزيد من المساءلة والرقابة على قراراتها؟

والإجابة ليست بسيطة؛ لأن تقليص الاستقلالية لا يعني بالضرورة تحسين السياسة النقدية، كما أن منح البنك المركزي صلاحيات واسعة دون آليات كافية للمراجعة قد يؤدي إلى أخطاء يصعب تصحيحها.

السياسة تقترب من قرار الفائدة

وتزداد حساسية الملف في الولايات المتحدة مع تصاعد الضغوط السياسية على الاحتياطي الفيدرالي.

فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن مرارًا رغبته في التأثير على مسار أسعار الفائدة، بينما يرى منتقدون أن السياسة النقدية يجب أن تظل بعيدة عن الحسابات السياسية حتى لا تتحول أسعار الفائدة إلى أداة لخدمة أهداف انتخابية قصيرة الأجل.

وتكمن المشكلة في أن خفض الفائدة بضغط سياسي قد يدعم النمو والأسواق على المدى القصير، لكنه قد يؤدي إلى ارتفاع توقعات التضخم وإضعاف العملة وزيادة علاوة المخاطر على الديون الحكومية إذا فقد المستثمرون الثقة في استقلال البنك المركزي.

الخطر الأكبر.. تسييس السياسة النقدية

وتتمثل أخطر نتائج تسييس البنوك المركزية في احتمال انتقال القرارات النقدية من الاستناد إلى التضخم والنمو والتوظيف والاستقرار المالي إلى الاستجابة للضغوط السياسية.

وفي هذه الحالة، قد تصبح توقعات التضخم أقل استقرارًا، وقد ترتفع تقلبات أسعار الفائدة والسندات، كما يمكن أن ترتفع تكلفة الاقتراض على الحكومات والشركات والأفراد.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا في الاقتصادات التي تعاني أصلًا ارتفاع مستويات الدين العام، لأن أي زيادة في عوائد السندات تعني ارتفاع تكلفة خدمة الدين.

الاستقلال لا يعني غياب المساءلة

ومع ذلك، فإن الدفاع عن استقلال البنوك المركزية لا يعني منحها صلاحيات مطلقة.

فالبنوك المركزية تستمد تفويضها في النهاية من المؤسسات التشريعية، ولذلك فإن الاستقلال النقدي يجب أن يترافق مع المساءلة والشفافية والتواصل الواضح.

وتعد مراجعة نماذج التنبؤ، وتقييم قرارات السياسة النقدية، وتحسين التواصل مع الأسواق والجمهور، أدوات مهمة للحفاظ على الثقة دون تحويل البنك المركزي إلى مؤسسة خاضعة للتوجيه السياسي المباشر، وفقا للشرق بلومبرج

الإصلاح الأفضل.. استقلال مع رقابة

والصيغة الأكثر توازنًا لا تتمثل في الاختيار بين الاستقلال والمساءلة، وإنما في الجمع بينهما.

فالبنك المركزي يحتاج إلى استقلال تشغيلي يسمح له بتحقيق الأهداف التي تحددها السلطة التشريعية، وفي مقدمتها استقرار الأسعار، مع وجود قواعد واضحة لمراجعة الأداء وآليات استثنائية للتعامل مع الأزمات.

كما يحتاج إلى تحديد دقيق لنطاق صلاحياته، حتى لا يتحول من مؤسسة مسؤولة عن السياسة النقدية والاستقرار المالي إلى لاعب رئيسي في ملفات سياسية واقتصادية تتجاوز تفويضه.

الديون تختبر مصداقية البنوك المركزية

ويكتسب الجدل أهمية أكبر مع ارتفاع مستويات الدين الحكومي في العديد من الاقتصادات الكبرى.

فإذا اعتقد المستثمرون أن البنك المركزي قد يتعرض لضغوط لتمويل الحكومة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فقد ترتفع علاوة المخاطر على السندات، ويزداد الضغط على العملة، وقد ترتفع توقعات التضخم.

ومن هنا، تصبح مصداقية البنك المركزي أحد أهم الأصول غير الملموسة للاقتصاد، لأنها تؤثر بصورة مباشرة في تكلفة الاقتراض وثقة المستثمرين واستقرار الأسواق.

 استقلال الفائدة ليس رفاهية

تكشف التطورات الحالية أن استقلال البنوك المركزية لم يعد قضية مؤسسية تخص صناع السياسة فقط، بل أصبح ملفًا اقتصاديًا يؤثر في البنوك وأسواق المال والعملات والدين والاستثمار.

فقرار الفائدة يحدد تكلفة الأموال، ويؤثر في الائتمان والادخار والاستثمار وأسعار الأصول، بينما تؤثر مصداقية البنك المركزي في توقعات التضخم وعوائد السندات وتدفقات رؤوس الأموال.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون الدفاع عن استقلال البنوك المركزية بمعناه المطلق، وإنما بناء نموذج أكثر توازنًا يجمع بين الاستقلال التشغيلي، والمساءلة الديمقراطية، والشفافية، ووضوح التفويض.

وهذا التوازن قد يكون العامل الحاسم في قدرة السياسة النقدية على مواجهة التضخم والديون والصدمات الاقتصادية المتزايدة، دون أن تتحول غرفة القرار النقدي إلى امتداد لغرفة القرار السياسي.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى