موازنة 2027 /2028 في قبضة القطاع الخاص .. ماذا يخطط وزير المالية لزيادة موارد مصر؟

أكد أحمد كجوك، وزير المالية، أن موازنة العام المالي 2027/2028 ستكون موازنة لتنمية الموارد المحلية، في توجه يستهدف تعظيم الاستفادة من الإمكانات المتاحة وزيادة موارد الدولة، بالتوازي مع توسيع الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص.

وجاءت تصريحات وزير المالية خلال زيارة ميدانية إلى المديرية المالية بمحافظة مطروح، بحضور اللواء الدكتور محمد الزملوط، محافظ مطروح، وأحمد الوكيل، رئيس اتحاد الغرف التجارية، حيث تابع الوزير مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين والممولين.

وقال كجوك إن دور وزارة المالية خلال المرحلة المقبلة يتمثل في كيفية تعزيز شراكات الحكومة مع القطاع الخاص بما يساعد على زيادة موارد الدولة، في إشارة إلى توجه أكبر للاستفادة من النشاط الاقتصادي والاستثماري في دعم المالية العامة.

ويرتبط هذا التوجه برؤية تستهدف زيادة قدرة الاقتصاد على توليد الموارد المحلية، بدلًا من الاعتماد بصورة أكبر على مصادر التمويل التقليدية، مع تعزيز النشاط الإنتاجي والاستثماري بما ينعكس على الإيرادات العامة.

وأكد الوزير أن نجاح هذه الرؤية لا يرتبط فقط بالأرقام المالية، وإنما بقدرة الحكومة على بناء علاقة أكثر ثقة مع مجتمع الأعمال والمستثمرين، وهو ما يتطلب تطوير الخدمات وتبسيط الإجراءات وتقليل الأعباء الإدارية.

موازنة 2027/2028.. هل تبدأ مرحلة جديدة لتعظيم موارد الدولة؟

ويحمل إعلان كجوك بشأن موازنة 2027/2028 دلالة مهمة على اتجاه السياسة المالية نحو تنمية الموارد المحلية باعتبارها أحد المحاور الرئيسية للموازنة المقبلة، مع التركيز على تعظيم العائد من النشاط الاقتصادي.

ولا يعني تنمية الموارد المحلية زيادة الأعباء على المواطنين أو المستثمرين بالضرورة، إذ يربط الوزير هذا التوجه بتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتحفيز النشاط الاقتصادي، وتوسيع قاعدة النشاط الرسمي.

وتظهر أهمية هذا المسار في قدرة الدولة على تحقيق إيرادات أكبر من خلال نمو الاقتصاد نفسه، فكلما توسعت الاستثمارات والإنتاج والتجارة، اتسعت القاعدة الاقتصادية التي يمكن أن تسهم في موارد الخزانة العامة.

وكانت موازنة العام المالي 2026/2027 قد ركزت بالفعل على دعم الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص، حيث أعلنت وزارة المالية تخصيص 90 مليار جنيه لبرامج مساندة النشاط الاقتصادي وتحفيز الإنتاج والتصنيع وريادة الأعمال وزيادة الصادرات.

كما تضمنت الموازنة الحالية مخصصات لدعم المصدرين والقطاعات الإنتاجية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما يعكس استمرار الربط بين السياسة المالية وتحفيز النشاط الاقتصادي باعتباره أحد مصادر النمو والإيرادات.

القطاع الخاص في قلب الخطة.. الحكومة تبحث عن موارد جديدة

وتشير تصريحات وزير المالية إلى أن الحكومة تنظر إلى القطاع الخاص باعتباره شريكًا أساسيًا في تحقيق أهداف التنمية، وليس مجرد مصدر للإيرادات أو الضرائب.

وتستهدف الشراكات الحكومية مع القطاع الخاص جذب استثمارات جديدة إلى القطاعات الإنتاجية والخدمية، وزيادة قدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل وتحقيق قيمة مضافة محلية.

كما يمكن للشراكات الناجحة أن تخفف الضغوط التمويلية على الدولة في بعض المشروعات، من خلال الاستفادة من قدرات القطاع الخاص في التمويل والتنفيذ والإدارة والتشغيل.

ويأتي ذلك في وقت تعمل فيه الحكومة على زيادة مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد، مع السعي إلى تحسين بيئة الاستثمار وإزالة العقبات التي قد تحد من توسع الشركات والمستثمرين.

ومن هذا المنطلق، يصبح تحسين العلاقة بين الحكومة ومجتمع الأعمال جزءًا من السياسة المالية نفسها، لأن زيادة الاستثمارات والنشاط الاقتصادي تحتاج إلى بيئة واضحة ومستقرة وسريعة في تقديم الخدمات الحكومية.

كجوك: المواطن والممول يجب أن يشعر بتحسن الخدمات

وشدد أحمد كجوك خلال زيارته لمطروح على ضرورة أن يشعر المواطنون والممولون بتحسن حقيقي في الخدمات المقدمة إليهم، مؤكدًا أن بناء الثقة مع مجتمع الأعمال والمستثمرين يمثل أحد عوامل نجاح المنظومة.

ووجه الوزير العاملين في مصالح الضرائب والجمارك والضرائب العقارية إلى التسهيل والتبسيط لصالح متلقي الخدمات، بما يساعد على تحسين تجربة المواطنين وأصحاب الأنشطة الاقتصادية.

وتكتسب هذه التوجيهات أهمية خاصة بالنسبة للمستثمرين وأصحاب الشركات، إذ تمثل سرعة الإجراءات ووضوحها عنصرًا أساسيًا عند اتخاذ قرارات التوسع أو بدء مشروعات جديدة.

كما أن تقليل الوقت والتكلفة المرتبطين بالإجراءات الحكومية يمكن أن يرفع كفاءة النشاط الاقتصادي، ويشجع المزيد من أصحاب الأعمال على العمل والتوسع داخل الاقتصاد الرسمي.

ويأتي هذا التوجه امتدادًا لمسار إصلاحات ضريبية وجمركية اتجهت خلال الفترة الماضية إلى تقديم تسهيلات وحوافز، مع التركيز على بناء علاقة أكثر تعاونًا بين الإدارة الضريبية والممولين.

التسهيلات الضريبية.. من زيادة الإيرادات إلى توسيع القاعدة

وتشير بيانات سابقة أعلنها وزير المالية إلى أن التسهيلات الضريبية يمكن أن تحقق زيادة في الإيرادات دون فرض أعباء إضافية، من خلال تحسين النشاط الاقتصادي وتوسيع القاعدة الضريبية.

وسجلت الإيرادات الضريبية نموًا بنسبة 29% خلال الفترة من يوليو إلى مارس، وفق تصريحات سابقة لكجوك، مع إرجاع الزيادة إلى تحسن النشاط الاقتصادي وتوسيع القاعدة وجهود تبسيط وتسهيل النظام الضريبي.

وتكشف هذه التجربة عن أحد المسارات التي يمكن أن تعتمد عليها الدولة في تنمية الموارد المحلية، وهو زيادة عدد المتعاملين داخل الاقتصاد الرسمي بدلًا من التركيز فقط على زيادة معدلات الضرائب.

ويؤدي تبسيط الإجراءات كذلك إلى تقليل تكلفة الامتثال بالنسبة للممول، وهو ما يمكن أن يشجع أصحاب الأنشطة على الالتزام الطوعي، ويحد من النزاعات والمشكلات المرتبطة بالإجراءات المعقدة.

ومن هنا يمكن قراءة تصريحات وزير المالية بشأن موازنة 2027/2028 باعتبارها استمرارًا لمسار يستهدف الجمع بين تنمية الموارد وتحفيز النشاط الاقتصادي وتحسين علاقة الدولة بالممولين.

الجمارك والضرائب العقارية.. خدمات أسرع لدعم الاستثمار

لم تقتصر توجيهات كجوك على مصلحة الضرائب، وإنما شملت أيضًا العاملين في مصالح الجمارك والضرائب العقارية، بما يعكس رغبة الوزارة في التعامل مع المنظومة المالية باعتبارها سلسلة متكاملة من الخدمات.

ويمثل تطوير الجمارك أهمية خاصة بالنسبة للمستثمرين والمصدرين والمستوردين، نظرًا لتأثير الإجراءات الجمركية على زمن وتكلفة حركة البضائع وسلاسل الإمداد.

وتعمل الدولة خلال الفترة الماضية على تطوير منظومة التجارة الخارجية وتبسيط إجراءات الإفراج، مع استهداف تقليص زمن وتكلفة حركة التجارة وتحسين تنافسية الاقتصاد المصري.

كما تمثل الضرائب العقارية جانبًا مهمًا من تعاملات المواطنين وأصحاب الأنشطة، ولذلك فإن تحسين الخدمات وتيسير الإجراءات يمكن أن يرفع كفاءة التحصيل ويقلل الأعباء على المتعاملين.

وبذلك يصبح هدف «التسهيل والتبسيط» مرتبطًا بمسارين متوازيين: تحسين تجربة متلقي الخدمة من ناحية، ورفع كفاءة موارد الدولة من ناحية أخرى.

مطروح تكشف فلسفة جديدة في التعامل مع مجتمع الأعمال

وتأتي زيارة وزير المالية إلى الغرفة التجارية بمطروح في إطار توجه يعتمد على التواصل المباشر مع مجتمع الأعمال ومتابعة مستوى الخدمات المقدمة للممولين على أرض الواقع.

وتكتسب الغرف التجارية أهمية خاصة باعتبارها حلقة وصل بين الحكومة وأصحاب الأنشطة التجارية، ويمكن من خلالها رصد المشكلات التي تواجه المستثمرين والتجار ونقلها إلى الجهات المعنية.

وتفقد كجوك خلال الزيارة سير العمل والخدمات المقدمة للممولين، مؤكدًا حرص وزارة المالية على مساندة وتحفيز النشاط الاقتصادي بمختلف السبل.

ويعكس هذا التواصل رغبة في الانتقال من التعامل مع مجتمع الأعمال من خلال الإجراءات المكتبية فقط إلى الاستماع المباشر للمشكلات والتحديات التي تواجه النشاط الاقتصادي في المحافظات.

كما يمكن أن يساعد هذا النهج في تحسين تصميم السياسات المالية مستقبلًا، بحيث تكون الإجراءات أكثر ارتباطًا باحتياجات المستثمرين والممولين وأصحاب الأنشطة الاقتصادية.

ما الذي تعنيه موازنة تنمية الموارد للمواطن والمستثمر؟

من المنتظر أن يكون المواطن والمستثمر من أبرز الأطراف التي تتابع انعكاسات التوجه الجديد في الموازنة، خصوصًا فيما يتعلق بمستوى الخدمات الحكومية وسرعة الإجراءات وتكلفة ممارسة النشاط.

وبالنسبة للمستثمر، فإن تحسين بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات قد يساعدان في خفض تكلفة التشغيل والوقت اللازم لإنهاء المعاملات، بما يعزز القدرة على التوسع والاستثمار.

أما بالنسبة للمواطن، فإن زيادة كفاءة الموارد العامة يمكن أن تدعم قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة والبرامج الاجتماعية والتنموية، بشرط أن تقترن بترشيد الإنفاق وتحسين كفاءته.

وفي المقابل، فإن نجاح سياسة تنمية الموارد يتطلب الحفاظ على التوازن بين زيادة الإيرادات وعدم خلق أعباء جديدة تؤثر سلبًا على قدرة الشركات والأفراد على الإنتاج والاستهلاك.

ولهذا يبرز مفهوم الثقة الذي ركز عليه وزير المالية باعتباره عنصرًا أساسيًا في نجاح السياسة المالية، فكلما زادت ثقة مجتمع الأعمال في وضوح الإجراءات واستقرارها، زادت فرص التوسع في النشاط الرسمي.

الاختبار الأصعب.. زيادة الموارد دون إبطاء الاقتصاد

ويتمثل التحدي الرئيسي أمام موازنة 2027/2028 في تحقيق معادلة دقيقة بين زيادة موارد الدولة والحفاظ على معدلات نمو قوية للنشاط الاقتصادي.

فالاعتماد على زيادة الإيرادات من خلال توسع النشاط الاقتصادي قد يكون أكثر استدامة من زيادة الأعباء، لكنه يتطلب استمرار الإصلاحات التي تشجع الاستثمار والإنتاج والتصدير.

كما تحتاج هذه المعادلة إلى تطوير مستمر للخدمات الحكومية، بحيث يشعر الممول بأن الالتزام الضريبي والجمركي يقابله نظام أكثر كفاءة ووضوحًا وسرعة.

وتشير تجربة التسهيلات الضريبية خلال الفترة الماضية إلى أن تحسين العلاقة بين الإدارة والممول يمكن أن يكون أداة لزيادة الالتزام وتوسيع القاعدة الاقتصادية، وهو ما يدعم الموارد العامة دون الاعتماد فقط على رفع الضرائب.

ومن هنا فإن نجاح موازنة 2027/2028 لن يقاس فقط بحجم الإيرادات المستهدفة، وإنما أيضًا بقدرتها على تحفيز الاستثمار وزيادة الإنتاج وتحسين الخدمات وتعزيز الثقة.

الخلاصة.. موازنة تبحث عن النمو قبل الإيرادات

تكشف تصريحات أحمد كجوك عن توجه واضح نحو جعل موازنة 2027/2028 أكثر تركيزًا على تنمية الموارد المحلية وتعظيم الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية المتاحة، مع الاعتماد على شراكات أوسع مع القطاع الخاص.

ويبدو أن وزارة المالية تراهن على معادلة تقوم على تحفيز النشاط الاقتصادي، وتوسيع القاعدة الرسمية، وتبسيط الإجراءات، وتحسين الخدمات، بما يسمح بزيادة موارد الدولة دون تحميل الاقتصاد أعباء غير ضرورية.

وتظل الشراكة مع مجتمع الأعمال عنصرًا محوريًا في هذه الرؤية، خاصة أن المستثمر يحتاج إلى بيئة أكثر وضوحًا واستقرارًا وسرعة، بينما تحتاج الدولة إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على توليد الإيرادات.

وبذلك تتحول موازنة العام المالي المقبل إلى اختبار عملي لمدى قدرة السياسة المالية على تحقيق التوازن بين احتياجات الدولة التمويلية ومتطلبات النمو والاستثمار وتحسين مستوى الخدمات.

ويؤكد مسار وزارة المالية خلال الفترة الأخيرة أن بناء الثقة مع الممولين والمستثمرين أصبح جزءًا أساسيًا من فلسفة إدارة الموارد، وهو ما يضع جودة الخدمة الحكومية وتبسيط الإجراءات في صدارة أولويات المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى