رئيس مركز أبحاث الكويت: الحرب على إيران تُعيد تشكيل الاقتصاد الخليجي والكويتي

الأنجري يكشف أسرار الهجمات الإيرانية على المؤسسات المالية والشركات في الكويت

مع اشتداد الحرب في إيران، يناقش الرئيس التنفيذي لمركز أبحاث الاستطلاع عبد العزيز الأنجري – مركز أبحاث مستقل مقره الكويت – التحديات الاقتصادية الفريدة التي تواجهها البلاد وكيف تبني قدرتها على الصمود في خضم الصراع، في حوار لمجلة جلوبال فاينانس.

التمويل العالمي: ما كان رد فعلك الأول عندما رأيت الهجمات على الكويت؟ عبد العزيز الأنجري: كانت ردة فعلي الأولى صدمة حقيقية. بالنسبة للكويتيين، الحرب ليست مجرد خبر عابر. لا تزال ذكرى عام 1990 حاضرة في أذهان العديد من العائلات، ويتذكر الناس هنا أيضاً تداعيات الصراعات الإقليمية عند اندلاعها في الجوار. ما يزيد الأمر صعوبةً ليس الخطر بحد ذاته فحسب، بل التناقض الاستراتيجي الكامن وراءه. إيران تقول إن إسرائيل هي العدو، ومع ذلك يستوعب الخليج تداعيات الحرب.

إذا كان الهدف الحقيقي هو الضغط على الولايات المتحدة، فإن استهداف الخليج لا يبدو منطقياً من الناحية الاستراتيجية، خاصةً وأن إسرائيل تحتل مكانةً مركزيةً في حسابات واشنطن السياسية والاستراتيجية في ظل الإدارة الأمريكية الحالية. وقد أظهر يونيو 2025 بالفعل أن الصواريخ الإيرانية قادرة على الوصول إلى الأراضي الإسرائيلية رغم أنظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية المتطورة. ولذلك، لا ينظر الكثيرون في الخليج إلى هذا الأمر على أنه مجرد تصعيد، بل يرونه منطقاً مفاده أن ساحة المعركة المعلنة تقع في مكان آخر، لكن التكاليف تُنقل إلى هنا.

أما بالنسبة للوضع الراهن، فالكويت هادئة، لكن لا أحد يتظاهر بأن هذا الوضع طبيعي. يحاول الناس عيش حياة شبه طبيعية في ظل وضع غير طبيعي. تستمر الحياة اليومية، ولكن تحت ضغط واضح. عادةً ما يكون رمضان شهراً مشرقاً وحافلاً بالتواصل الاجتماعي؛ أما هذا العام فيبدو أكثر هدوءاً وحذراً وضبطاً للنفس. وقد أفادت السلطات الكويتية مؤخراً باعتراض صواريخ وطائرات مسيرة، في حين أن الاضطرابات في المجال الجوي الإقليمي جعلت السفر أكثر صعوبةً وعدم استقرار.

التمويل العالمي: ما كان رد فعل المؤسسات المالية والشركات في الكويت؟ الأنجري: لقد اتسم رد الفعل بالاستمرارية في المقام الأول، ولكن مع توخي الحذر الواضح. فبعد غارة الطائرة المسيرة التي ألحقت أضرارًا بمقر المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية في مدينة الكويت، أغلقت بعض المقرات الرئيسية للبنوك الكبرى والمباني المكتبية الكبيرة أبوابها مؤقتًا أو قلصت وجودها الفعلي كإجراء احترازي. إلا أن ذلك لم يُترجم إلى توقف شامل للحياة الاقتصادية. وقد تمثل النمط السائد في الحد من التواجد في المقرات الرئيسية مع ضمان استمرار الوظائف الأساسية من خلال مواقع بديلة وقنوات رقمية وشبكات فروع.

تُدرك المؤسسات المالية أن دورها في مثل هذه الظروف لا يقتصر على الجوانب التقنية فحسب، بل يشمل أيضاً الجوانب النفسية. وقد أكد مصرف الكويت المركزي علناً أن العمليات المصرفية وأنظمة الدفع والتحويلات الفورية والفروع وأجهزة الصراف الآلي تعمل بشكل طبيعي. وهذا أمر بالغ الأهمية لأن الثقة عنصر أساسي في المرونة.

التمويل العالمي: هل كان هناك خوف من حدوث خلل في خدمات الصيرفة الإلكترونية؟ الأنجري: يقلق الناس من الاحتكاكات أكثر من الانهيار. فهم قلقون من التأخيرات، وانقطاعات الخدمة، والضغوط الإلكترونية، أو الانقطاعات التي تجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة فجأة. في الاقتصاد الحديث، تُعدّ أنظمة الدفع والوصول الرقمي جزءًا من المرونة الوطنية.

حتى الآن، يُظهر البيان الرسمي استمرارية النظام بدلاً من انهياره. فقد صرّح البنك المركزي بأن أنظمة الدفع تعمل بشكل طبيعي، بما في ذلك التحويلات الفورية عبر منصة “وامد”، وأن السحب النقدي من الفروع وأجهزة الصراف الآلي لا يزال متاحاً.

التمويل العالمي: ما هي المخاطر والفرص التي تتوقعها في الأسابيع المقبلة؟ الأنجري: الخطر المباشر هو علاوة عدم اليقين. فحتى قبل أن يصبح الضرر المادي هو المشكلة الرئيسية، يؤدي عدم اليقين إلى زيادة التكاليف. فهو يؤثر على التأمين والخدمات اللوجستية والتخطيط وقرارات الاستثمار وثقة المستهلك. وتُسعّر الأسواق عدم الاستقرار بسرعة، وهذا وحده كفيل بفرض عبء اقتصادي كبير.

في الوقت نفسه، تكشف أزمات كهذه عن حدود ما كان يُعتبر “جيداً بما فيه الكفاية”، وتُجبر المؤسسات على أخذ المرونة على محمل الجد. وهذا يُتيح فرصةً، إذا ما تحلّت الحكومات والمؤسسات بالانضباط الكافي لاستغلالها. وتتمثل هذه الفرصة في تعزيز الجاهزية السيبرانية، وتخطيط استمرارية الأعمال، والتواصل الفعال في الأزمات، وتوفير أنظمة احتياطية للبنية التحتية الحيوية، والتنسيق العملي بين مؤسسات الدولة ومزودي الخدمات الرئيسيين.

التمويل العالمي: كيف ستتأثر اقتصادات الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي إذا طالت الحرب؟ الأنجري: إذا طال أمد هذا الصراع، فسيكون الأثر الاقتصادي متفاوتاً، لكن بعض هذا الأثر بات واضحاً بالفعل. قد تدعم أسعار الطاقة المرتفعة الإيرادات على المدى القصير، إلا أن الاقتصاد ككل يدفع ثمن ذلك من خلال تراجع الثقة، واضطراب الخدمات اللوجستية، وارتفاع تكاليف التأمين، وبيئة أعمال أكثر حذراً. وفي حالة الكويت، لم يعد هذا مجرد احتمال نظري، فقد أعلنت مؤسسة البترول الكويتية بالفعل حالة القوة القاهرة وبدأت بتخفيضات احترازية في الإنتاج بسبب الصراع الإقليمي واضطرابات الشحن.

لذا، لا يكمن التحدي الحقيقي في ارتفاع أسعار النفط فحسب، بل في ما إذا كانت توترات الحرب ستتحول إلى عبء طويل الأمد على الثقة وتكلفة رأس المال في جميع أنحاء المنطقة. وعادةً ما تشعر القطاعات غير النفطية بعدم اليقين لفترة طويلة أولاً، لا سيما قطاعات السفر والخدمات والتجزئة والاستثمار الخاص.

التمويل العالمي: هل يمكنك بالفعل تحديد الدروس المستفادة من هذه الأزمة؟ الأنجري: من الدروس المبكرة أن المرونة لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل تشمل أيضاً الأنظمة التي تسمح باستمرار الحياة اليومية: الاتصالات، والمدفوعات، والدفاع السيبراني، وخطط استمرارية الأعمال، والرسائل العامة الموثوقة. عندما تصمد هذه الأنظمة، تقل الأضرار الثانوية الناجمة عن الارتباك والشائعات وردود الفعل المبالغ فيها.

ومن الدروس الأخرى المستفادة أن إدارة الأزمات لا تقل أهمية عن المعدات. فالاستعداد ضروري، ولكن التواصل المنضبط والتنسيق المؤسسي وقنوات خفض التصعيد ضرورية أيضاً. فالهدف ليس فقط تحمل الصدمة الأولى، بل منع أي حادثة من إحداث سلسلة ردود فعل واسعة النطاق في الاقتصاد والمزاج العام والسياسة الإقليمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى