أبوبكر المطعني يكتب: «حين تتحول القوة إلى عبء ومن يربح حرب المعلومات»
الباحث في العلاقات الدولية

القوة لم تعد فقط في عدد الطائرات، بل في دقة الإحداثيات، وليست في الصاروخ، بل في العقل الذي يوجهه. ولهذا، لم تعد المسألة من الأقوى عسكريًا، بل من الأذكى استخباراتيًا، ففي معادلات الإستنزاف الطويل، الذي ينتصر ليس من يصرخ أولًا، بل من يفهم المشهد كاملًا، ويتحرك في ظله بهدوء.
حين تتغير قواعد الاشتباك
لم تعد الحروب تُقاس بعدد الطائرات في السماء، ولا بعدد السفن في البحر، بل بعدد العقول التي تقرأ الخريطة قبل أن تُطلق النار. المشهد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لم يعد مواجهة تقليدية يمكن اختزالها في عنوان عاجل أو بيان عسكري مقتضب. نحن أمام اختبار إرادات، لا مجرد استعراض قوة.
القوة التي لا تُستخدم ضعف مقنّع. واشنطن تملك ترسانة هائلة، لكن قرار استخدامها لم يعد سهلاً كما كان. الداخل الأمريكي منهك من حروب طويلة، والرأي العام لم يعد يحتمل مغامرات مفتوحة. شخصية مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بخطابه القائم على “أمريكا أولًا”، ترى أن الحرب ليست بطولة إعلامية، بل صفقة يجب أن تُحسب أرباحها وخسائرها بدقة، وأن الانسحاب في هذا السياق ليس جبنًا، بل إعادة تموضع، ليس تراجعًا، بل رفضًا للاستنزاف.
إسرائيل بين التفوق والهشاشة
أما إسرائيل، فرغم تفوقها العسكري النوعي، فإن جغرافيتها الضيقة تجعل أي استهداف استراتيجي عالي الحساسية، الردع الذي كان يُفترض أنه مطلق، يُختبر، والمواقع العسكرية التي كانت خارج نطاق المساس أصبحت ضمن دائرة الرسائل المتبادلة. التفوق لا يعني الحصانة، والتفوق حين يُختبر يُظهر حدود القوة.
البحرين ورسالة المعلومات
وإذا صحّت المؤشرات عن استهداف منشآت ذات طبيعة حساسة في البحرين تُستخدم ضمن البنية العسكرية أو الاستخباراتية الأمريكية، فإن الدلالة أخطر من الحدث نفسه. البحرين تمثل نقطة ارتكاز متقدمة للوجود الأمريكي في الخليج، وأي اختراق لهذا المستوى لا يُقرأ عسكريًا فقط، بل استخباراتيًا، لأن السؤال هنا ليس: ماذا ضُرب؟ بل: كيف عُرفت الإحداثيات؟ وهنا تتبدل قواعد اللعبة.
فنحن أمام معركة معلومات قبل أن تكون معركة صواريخ.
حلف الظل، ففي الخلفية، يتحرك لاعبون لا يظهرون في العناوين الأولى:
الصين: لا تدخل الحروب بخطابات نارية، بل بتكنولوجيا، أقمار صناعية، بنية سيبرانية، وتوازنات اقتصادية عميقة.
روسيا: تمتلك خبرة طويلة في إدارة الصراعات غير المباشرة، وفي تقديم دعم لا يُعلن رسميًا، لكنه يُشعر به على الأرض، سواء دعم لوجستي أو معلوماتي. يظهر ذلك في دقة الضربة، توقيت الرد، وقدرة طرف ما على الصمود أطول مما توقع خصومه.
من يملك المعلومة يملك المعركة في الحروب الحديثة. المدفعية تُحدث ضجيجًا، لكن المعلومة تُحدث الفارق. من يعرف أين يضرب، ومتى، وكيف، يختصر نصف الطريق إلى التفوق.
التطور في الرد الإيراني
لا يمكن تجاهل التطور اللافت في طبيعة الرد الإيراني. المؤشرات تتحدث عن استهداف مواقع حساسة داخل العمق الإسرائيلي، في خطوة تتجاوز مجرد الرد العسكري التقليدي. اللافت ليس فقط الضربة نفسها، بل دخول منظومات صاروخية حديثة إلى الخدمة ضمن ترسانة الحرس الثوري الإيراني، صُممت لاختراق مستويات متقدمة من التحصينات الدفاعية. بعض التقارير أشارت إلى إصابات حتى في نطاق الملاجئ.
وفي الإطار ذاته، اتسع نطاق الرسائل العسكرية ليشمل الوجود الأمريكي في الخليج، مع استهداف القواعد العسكرية الأمريكية وما تردد عن سقوط قتلى، إضافة إلى مواقع يرتادها الأفراد، مثل بعض الفنادق القريبة من مناطق الانتشار العسكري.
هذه المعطيات تشير إلى مستوى متقدم من العمل الاستخباراتي، حيث تصبح المعلومة الميدانية الدقيقة جزءًا من منظومة الردع. فاستهداف موقع عسكري شيء، أما معرفة تحركات الأفراد المرتبطين به، فذلك يعكس شبكة معلومات أكثر تعقيدًا.
الرسائل الإيرانية امتدت أيضًا إلى المجال الاقتصادي والاستراتيجي، عبر التلويح بتهديد الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم. الإشارة إلى استهداف السفن الأمريكية أو التابعة لدول ترتبط باتفاقيات أمنية مع واشنطن تحمل رسالة واضحة: الضغط قد يمتد إلى المصالح الاقتصادية العالمية.
الصورة التي تُقدَّم أحيانًا عن إيران باعتبارها قوة محدودة لا تعكس الواقع الكامل. الدول في لحظات الصراع لا تُظهر كل أوراقها دفعة واحدة، بل تكشفها تدريجيًا وفق حسابات الردع والتوازن.
الداخل الأمريكي وإيقاع السياسة
في هذا التصعيد، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية: الداخل الأمريكي. الولايات المتحدة، رغم قدراتها العسكرية الهائلة، ليست دولة تتحرك في فراغ سياسي، بل تخضع لحسابات داخلية معقدة.
خلال الأيام الأخيرة، تصاعدت أصوات رافضة لتورط واشنطن في مواجهة مفتوحة مع إيران، وازدادت الانتقادات الموجهة لإسرائيل، خصوصًا مع اتساع دائرة الخسائر والتوتر الإقليمي. هذا الغضب الداخلي أصبح عامل ضغط حقيقي على صانع القرار.
التجارب المريرة للحروب الطويلة في الشرق الأوسط ما زالت حاضرة في الذاكرة السياسية الأمريكية، من العراق إلى أفغانستان، ما جعل الرأي العام ينظر بحذر شديد إلى أي مغامرة عسكرية جديدة قد تتحول إلى حرب استنزاف مفتوحة.
التحول التدريجي في الخطاب الأمريكي من التصعيد إلى التفاوض يُقرأ في إطار الحسابات العسكرية والسياسية الداخلية، حيث يُصبح التفاوض أداة قوة، لا علامة ضعف، لأنه يعكس إدراكًا بأن كلفة الاستمرار في التصعيد قد تتجاوز المكاسب المتوقعة.
وفي عالم تتشابك فيه الجبهات العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية، قد يكون الانتصار الحقيقي هو القدرة على إنهاء الصراع في اللحظة المناسبة، لا الاستمرار فيه إلى ما لا نهاية.





