رامي زهدي يكتب : «التجارة البينية الإفريقية: من خطاب الطموح إلى معادلة المصالح وبناء الدولة الوطنية»
خبير الشؤون الافريقية السياسية والاقتصادية، وملفات الاستثمار والتجارة البينية والتعاون الدولي بالقارة.

لم تعد التجارة البينية الإفريقية ترفا نظريا يرد في خطابات القمم أو بيانات المنظمات الإقليمية، بل تحولت إلى أحد المفاتيح الحقيقية لفهم مستقبل القارة وقدرتها على الصمود أمام الأزمات المتلاحقة، سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو اجتماعية، فالقارة التي تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، وتمتلك ما يقرب من 30 في المئة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، وتسهم بأكثر من 60 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة عالميا، لا تزال تجارتها البينية لا تتجاوز في أفضل التقديرات 15 إلى 18 في المئة من إجمالي تجارتها الخارجية، مقارنة بنحو 60 في المئة داخل الاتحاد الأوروبي، وأكثر من 40 في المئة في آسيا. هذا الخلل الصارخ لا يعكس فقرا في الموارد، بل أزمة في الرؤية، والبنية، وإدارة المصالح المشتركة.
الطموح الإفريقي في تعزيز التجارة البينية تجسد نظريا في إطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تضم 54 دولة بإجمالي ناتج محلي يتجاوز 3.4 تريليون دولار.
وتقدر تقارير البنك الدولي أن التطبيق الكامل للاتفاقية يمكن أن يرفع حجم التجارة البينية بنسبة تتجاوز 50 في المئة بحلول 2035، وأن يخرج أكثر من 30 مليون إفريقي من دائرة الفقر المدقع، غير أن المسافة بين التوقيع والتنفيذ لا تزال واسعة، تحكمها معوقات هيكلية تتجاوز الرسوم الجمركية إلى ما هو أعمق وأخطر.
أولى هذه المعوقات تتمثل في ضعف البنية التحتية العابرة للحدود، حيث تشير بيانات بنك التنمية الإفريقي إلى أن فجوة تمويل البنية التحتية في القارة تتراوح بين 68 و108 مليارات دولار سنويا، طرق غير مكتملة، موانئ محدودة الكفاءة، شبكات سكك حديدية مجزأة، وتكلفة لوجستية ترفع أسعار السلع الإفريقية بنسبة تصل إلى 40 في المئة مقارنة بنظيراتها العالمية، المعوق الثاني يرتبط بتشابه الهياكل الإنتاجية، حيث تصدر العديد من الدول نفس المواد الخام دون قيمة مضافة، ما يقلل فرص التكامل الحقيقي ويكرس منطق المنافسة السلبية بدلا من الشراكة الذكية، أما المعوق الثالث، فهو البيروقراطية وضعف التنسيق المؤسسي، إذ قد تستغرق الشحنة الواحدة في بعض المعابر الإفريقية أكثر من عشرة أيام للتخليص، مقابل ساعات معدودة في التكتلات الاقتصادية المتقدمة.
لكن الأخطر من كل ذلك هو غياب الربط الواعي بين التجارة البينية ومفهوم الدولة الوطنية، فالتجارة ليست مجرد أرقام تبادل، بل أداة لبناء الاستقرار، وتعزيز الاعتماد المتبادل، وتجفيف منابع التطرف والإرهاب، وعندما ترتبط المصالح الاقتصادية بين الدول، وتتشابك سلاسل الإمداد، وتخلق فرص العمل العابرة للحدود، تتراجع قابلية المجتمعات لاختراق الأفكار المتطرفة، ويتحول الأمن من مقاربة عسكرية إلى مقاربة تنموية شاملة، وتشير دراسات أممية إلى أن كل زيادة بنسبة 1 في المئة في معدلات التشغيل تقلل احتمالات الانخراط في العنف المنظم بنسبة تقارب 2 في المئة، وهو رقم بالغ الدلالة في قارة يعاني أكثر من 60 في المئة من شبابها من هشاشة سوق العمل.
دعم التجارة البينية الإفريقية يمثل أيضا فرصة حقيقية لتنمية الدخول القومية، وتقليل الاعتماد المفرط على الخارج، فالدول الإفريقية تنفق سنويا ما يزيد على 80 مليار دولار لاستيراد الغذاء من خارج القارة، في حين يمكن لسلاسل قيمة زراعية وصناعية إقليمية أن تحتفظ بجزء كبير من هذه الأموال داخل الاقتصادات الوطنية، كما أن توطين الصناعة البسيطة والمتوسطة، وربطها بأسواق إفريقية واسعة، يخلق قاعدة صلبة لتنفيذ خطط الإصلاح الاقتصادي، ويمنح الحكومات هامشا أوسع للحركة دون الارتهان لتقلبات الأسواق العالمية أو شروط التمويل القاسية.
فرص التعاون الإفريقي في هذا المجال حقيقية، لكنها تتطلب انتقالا من منطق الشعارات إلى منطق المصالح المحسوبة، المطلوب هو استثمارات مشتركة في البنية التحتية، تنسيق في السياسات الصناعية، تبسيط حقيقي للإجراءات، وتمكين القطاع الخاص الإفريقي ليكون شريكا لا تابعا، كما يتطلب الأمر دورا محوريا للدول المحورية، وعلى رأسها مصر، في الربط بين الأقاليم الإفريقية، ونقل الخبرات، وبناء منصات لوجستية وتجارية تخدم القارة بأكملها.
في النهاية، التجارة البينية الإفريقية ليست مجرد مسار اقتصادي، بل مشروع حضاري لإعادة بناء الثقة بين الشعوب، ودعم مؤسسات الدول الوطنية، وتحويل الجغرافيا من عبء تاريخي إلى ميزة استراتيجية. وبين الطموح والمعوقات، تبقى الفرصة قائمة، لكنها لن تنتظر طويلا من يتردد في اغتنامها.





