رامي زهدي يكتب : «اقتصاد الصمت في إفريقيا»
خبير الشؤون الإفريقية

في كل مرة وفي اي مرة يُطرح فيها الحديث عن الاقتصاد الإفريقي، تتجه الأنظار سريعا إلى العناوين الكبيرة والمألوفة: المعادن، النفط، الزراعة، الموانئ، الديون، المساعدات، والاستثمارات الأجنبية الكبرى، وهذه كلها عناصر مهمة بلا شك، لكنها لا تكفي وحدها لفهم ما يجري حقا داخل القارة، فثمة اقتصاد آخر ينمو في هدوء، ويتوسع بعيدا عن الأضواء، ولا يحتل دائما صدارة التقارير الدولية، لكنه في الواقع يساهم بصورة مباشرة في تحريك الأسواق، وتوسيع فرص التشغيل، وتعزيز مرونة المجتمعات، وإعادة تشكيل مفهوم الثروة ذاته في إفريقيا، وذلك هو ما يمكن أن نطلق عليه: اقتصاد الصمت.
ليس المقصود هنا اقتصادا سريا أو غامضا، بقدر ما نعني به تلك المساحات الاقتصادية غير الصاخبة، وغير المرئية بالقدر الكافي، والتي لا تحظى بما تستحقه من التحليل، رغم أنها تشكل في كثير من البلدان الإفريقية البنية الحقيقية للحياة الاقتصادية اليومية.
اقتصاد يتشكل من شبكات صغيرة، وعمليات دقيقة، وتفاعلات اجتماعية، وتدفقات مالية محدودة الحجم في ظاهرها، لكنها هائلة الأثر في تراكمها، وهو اقتصاد لا تصنعه فقط الشركات العملاقة أو الحكومات أو المؤسسات الدولية، وإنما تصنعه أيضا الأسواق المحلية، ورواد الأعمال الصغار، والعمالة المرنة، وتحويلات المغتربين، والمنصات الرقمية، وشبكات النقل الخفيف، وأنظمة الدفع المحمولة، والمعرفة الشعبية المتوارثة، وعلاقات الثقة التي تؤدي أدوارا مركزية في تسهيل النشاط الاقتصادي.
لقد ظلت إفريقيا لسنوات طويلة تُقدّم للعالم من خلال صورة نمطية مزدوجة: إما باعتبارها قارة موارد خام وفرص استثمار واعدة، أو باعتبارها قارة أزمات بنيوية تحتاج دوما إلى الإنقاذ والدعم الخارجي، وبين هذين التصورين تضيع حقائق أكثر عمقا تتعلق بكيفية اشتغال الاقتصاد الإفريقي من الداخل.
القارة لا تتحرك فقط عبر المشاريع العملاقة، ولا تنتظر دائما التدفقات المالية القادمة من الخارج، بل تنتج يوميا داخل نسيجها الاجتماعي أنماطا متجددة من التكيف والإنتاج والتبادل والابتكار، قد تبدو محدودة في شكلها الفردي، لكنها تصنع في مجموعها ديناميكيات نمو حقيقية.
أحد أهم مكونات هذا الاقتصاد الصامت هو الاقتصاد غير الرسمي، الذي يُساء فهمه كثيرا حين يُختزل فقط في كونه مساحة للفوضى أو التهرب أو ضعف التنظيم، والحقيقة أن القطاع غير الرسمي في إفريقيا، رغم تحدياته، يمثل في عدد كبير من الدول أحد الأعمدة الأساسية للنشاط الاقتصادي والتشغيل وتلبية الاحتياجات اليومية، ففي الأسواق الشعبية، وورش التصنيع الصغيرة، وعمليات النقل المحلي، والخدمات المنزلية، والتجارة الحدودية منخفضة الكلفة، تنشأ شبكات اقتصادية معقدة وفعالة، تستجيب لواقع الناس أكثر مما تفعل النماذج الاقتصادية الرسمية الجاهزة، وفي هذا السياق، لا يصبح السؤال هو كيف يمكن القضاء على الاقتصاد غير الرسمي، بل كيف يمكن فهمه ودمجه وتطويره وتحويله من هامش اقتصادي إلى قاعدة أكثر إنتاجية وعدالة.
ومن داخل هذا المشهد، برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة لافتة تتمثل في رقمنة الهامش الاقتصادي، فمع الانتشار الواسع للهواتف المحمولة، وتطور خدمات الدفع الإلكتروني، بدأت قطاعات كبيرة من النشاط الاقتصادي الإفريقي تدخل تدريجيا إلى مساحات جديدة من التنظيم والتوثيق والمرونة.
لم تعد المعاملات المالية مرهونة دائما بالبنوك التقليدية، ولم يعد الوصول إلى الخدمات المالية حكرا على الفئات الرسمية أو الحضرية فقط.
صنعت المحافظ الإلكترونية ومنصات الدفع عبر الهاتف تحولا بنيويا في كثير من الاقتصادات الإفريقية، ليس فقط لأنها سهلت المعاملات، بل لأنها منحت ملايين الأفراد والتجار الصغار والنساء والشباب أدوات للاندماج في الدورة الاقتصادية بطريقة أكثر اتساعا.
وهنا تتجلى مفارقة مهمة: فبعض أهم التحولات الاقتصادية في إفريقيا لم تأتِ من أعلى، بل من أسفل، لم تبدأ من البيروقراطية الثقيلة، بل من الحاجة اليومية، ومن قدرة المجتمعات على ابتكار حلول عملية تتناسب مع ظروفها. وهذا ما يجعل “اقتصاد الصمت” أكثر أهمية من مجرد كونه توصيفا بلاغيا؛ إنه مفهوم يلفت النظر إلى أن النمو في إفريقيا لا يُصنع فقط في مناطق الامتيازات الاقتصادية، أو في تقارير المؤسسات، أو في مؤتمرات الاستثمار، بل يُصنع كذلك في البنية اليومية الصامتة التي تحافظ على استمرار الحياة والإنتاج والتداول.
ومن بين العناصر غير المرئية أيضا في الاقتصاد الإفريقي، تبرز اللوجستيات الصغيرة بوصفها قطاعا حاسما لكنه قليل الحضور في النقاش العام، فحين نتحدث عن اللوجستيات، يتبادر إلى الذهن عادة النقل البحري العملاق، والموانئ، والممرات الدولية، لكن داخل القارة ذاتها، توجد طبقات أخرى من اللوجستيات لا تقل أهمية: نقل السلع بين الأسواق الشعبية، توصيل المنتجات الزراعية من الأطراف إلى المراكز الحضرية، التخزين البسيط، الوساطة التجارية، شبكات النقل قصير المدى، وسلاسل الإمداد المحلية التي تُبقي الأسواق حية، هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو هامشية، هي التي تحدد في كثير من الأحيان كفاءة السوق، وأسعار السلع، وفرص وصول المنتجين الصغار إلى المستهلكين.
ولا يقل أهمية عن ذلك اقتصاد البيانات الذي يتشكل في إفريقيا بوتيرة متسارعة، وإن كان لا يزال غير منظور بالكامل في التحليلات التقليدية، فكل عملية دفع رقمي، وكل معاملة على منصة إلكترونية، وكل استخدام لتطبيقات الخدمات، تنتج بيانات تتحول تدريجيا إلى أصل اقتصادي بحد ذاته، ومع توسع الاقتصاد الرقمي، أصبحت البيانات أحد الأصول الجديدة التي يمكن أن تؤثر في التمويل، والتسويق، وتحديد السلوك الاستهلاكي، وتوجيه الخدمات، وفي المستقبل القريب، قد تصبح قدرة الدول الإفريقية على إدارة بياناتها وحمايتها وتوظيفها جزءا أساسيا من معادلة السيادة الاقتصادية، لا مجرد قضية تقنية.
كما أن رأس المال البشري الإفريقي في الخارج يمثل أحد أهم وجوه اقتصاد الصمت، فغالبا ما يجري التركيز على تحويلات المغتربين بوصفها موردا ماليا مهما، وهذا صحيح، لكن قيمتها تتجاوز التحويلات النقدية المباشرة، فالجاليات الإفريقية في الخارج تحمل معها شبكات علاقات، وخبرات مهنية، ومعرفة بالسوق العالمية، وإمكانات للربط بين الداخل والخارج، بين المنتج المحلي والمستهلك العالمي، وبين الشركات الناشئة والممولين المحتملين.
القوة الحقيقية لهذا الامتداد البشري لا تكمن فقط في الأموال التي يرسلها، بل في ما يمكن أن يبنيه من جسور اقتصادية وتنموية واستثمارية عابرة للحدود.
وفي السياق ذاته، ينبغي الانتباه إلى ما يمكن تسميته اقتصاد الثقة، ففي العديد من البيئات الإفريقية، لا تسير المعاملات الاقتصادية دائما وفق النصوص والعقود الرسمية وحدها، بل تلعب الثقة الشخصية، والصلات العائلية، والروابط المجتمعية، والعلاقات المهنية، دورا كبيرا في تحريك النشاط الاقتصادي وتقليل تكاليف المعاملات.
قد يرى البعض في ذلك علامة على ضعف المؤسسية، لكنه في جانب آخر يعكس قدرة المجتمعات على بناء آلياتها البديلة للتكيف والتبادل.
والمطلوب هنا ليس تمجيد هذه الصيغة على حساب المؤسسية الحديثة، بل فهم كيف يمكن البناء عليها تدريجيا لتطوير بيئة أعمال أكثر كفاءة ومرونة وانضباطا.
إن أحد أخطاء المقاربات التقليدية تجاه إفريقيا أنها تبحث دائما عن الاقتصاد في صورته الكلاسيكية الصلبة فقط: الدولة، الضرائب، الشركات الكبرى، البنوك، البنية التحتية الثقيلة، وصادرات المواد الخام. لكن الواقع الإفريقي أوسع وأكثر تركيبا من ذلك، هناك اقتصاد يتحرك في الهامش، لكنه ليس هامشا بالمعنى الحقيقي، بل مركز خفي.
وهناك قوى إنتاجية لا تظهر بالكامل في المؤشرات، لكنها حاضرة بقوة في الواقع.
وهناك نماذج من الابتكار لا تُولد في المختبرات الكبرى، وإنما في الأسواق الشعبية والبيئات الهشة وتحت ضغط الحاجة.
ومن هنا، فإن مستقبل النمو في إفريقيا قد لا تحدده فقط الاكتشافات المعدنية الجديدة، ولا الاتفاقيات التجارية الكبرى وحدها، ولا حتى التدفقات الاستثمارية الأجنبية بمفردها، بل ستحدده كذلك قدرة القارة على التعرف على ثرواتها غير المرئية، وتطوير أدوات قياسها، ودمجها في السياسات العامة، ومنحها ما تستحقه من الاعتراف والتمكين.
وحين تُنظم الأسواق الصغيرة دون خنقها، وحين تُدعم المدفوعات الرقمية دون إقصاء الفقراء، وحين تُفهم اللوجستيات اليومية باعتبارها بنية استراتيجية، وحين يُنظر إلى البيانات باعتبارها موردا سياديا، وحين تُستثمر طاقات الشتات الإفريقي بصورة منهجية، فإن إفريقيا تكون قد بدأت فعلا في بناء نموذجها الاقتصادي الأكثر أصالة.
إن “اقتصاد الصمت” ليس مجرد توصيف لقطاعات ضعيفة الظهور، بل هو دعوة لإعادة النظر في طريقة قراءة الاقتصاد الإفريقي كله. وهو أيضا دعوة لتصحيح زاوية الرؤية العربية والأفريقية والدولية تجاه القارة، فإفريقيا ليست فقط قارة المشاريع العملاقة المنتظرة، بل هي كذلك قارة الطاقات اليومية المتراكمة، والحلول المجتمعية الذكية، والتكيف الخلاق، والقدرة على صنع المعنى الاقتصادي من داخل الواقع، لا من خارجه.
وربما تكمن القيمة الحقيقية لهذا المفهوم في أنه يحررنا من أسر الضجيج، فليس كل ما هو مؤثر ظاهرا، وليس كل ما هو ظاهر هو الأكثر تأثيرا، وفي إفريقيا تحديدا، كثير من المستقبل يُصنع بعيدا عن الأضواء، في المناطق التي لا تحظى بالعناوين العريضة، وفي الأنشطة التي لا تبدو مبهرة للوهلة الأولى، لكنها تحمل في داخلها بذور التحول الحقيقي، ولهذا، فإن فهم اقتصاد إفريقيا في العقد القادم لن يكون ممكنا فقط عبر متابعة ما يقال عنها في المنصات الدولية، بل عبر الإصغاء جيدا إلى هذا الصمت الذي يعمل، وينتج، وينمو، ويعيد تشكيل القارة من الداخل.
وفي النهاية، فإن الرهان الاقتصادي الإفريقي الأكبر قد لا يكون فقط في جذب العالم إلى القارة، بل في أن تنجح القارة أولا في اكتشاف نفسها اقتصاديًا على نحو أكثر عمقا وعدالة وواقعية. وعندما يحدث ذلك، سنكتشف أن كثيرا من الثروة الإفريقية لم يكن غائبا، بل كان فقط يعمل في صمت





