72 % من شركات أوروبا تموّل الذكاء الاصطناعي من مواردها.. وفجوة الاقتراض تتسع مع أمريكا

كشف البنك المركزي الأوروبي أن شركات منطقة اليورو تتجه إلى تمويل استثماراتها في الذكاء الاصطناعي من مواردها الداخلية بدرجة أكبر بكثير من اعتمادها على الاقتراض، في وقت تلجأ فيه شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى إلى أسواق الدين لتمويل التوسع الهائل في مراكز البيانات والبنية التحتية للحوسبة.
وأظهر أحدث مسح للبنك المركزي الأوروبي بشأن وصول الشركات إلى التمويل، أن 72% من الشركات التي تعتزم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تتوقع الاعتماد على التدفقات النقدية أو الأرباح المحتجزة، بينما لا تتجاوز نسبة الشركات التي تخطط لاستخدام السندات كأداة تمويل 1%.
وتسلط النتائج الضوء على فجوة تمويلية محتملة بين أوروبا والولايات المتحدة، خصوصًا أن الاعتماد المفرط على الموارد الذاتية قد يحد من سرعة وحجم الاستثمار الأوروبي في وقت تتسارع فيه احتياجات الحوسبة والبيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
72 % تعتمد على التمويل الداخلي.. والقروض في المرتبة الثانية
استند تحليل البنك المركزي الأوروبي إلى مسح شمل نحو 5 آلاف شركة في منطقة اليورو بشأن خططها للاستثمار في الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الـ12 المقبلة.
وأظهرت النتائج أن التمويل الداخلي هو المصدر الأكثر شيوعًا، إذ تعتزم 72% من الشركات التي تخطط لاستثمارات في الذكاء الاصطناعي استخدام التدفقات النقدية أو الأرباح المحتجزة.
في المقابل، أشارت 16% من الشركات إلى القروض المصرفية، والنسبة نفسها إلى المنح والتأجير، بينما ذكرت 6% التمويل عبر الأسهم ورأس المال الجريء، ولم تتجاوز نسبة المتطلعة إلى إصدار سندات دين 1%.
ولا تمثل هذه النسب حصصًا حصرية من التمويل، إذ سمح الاستطلاع للشركات باختيار أكثر من مصدر، كما أن 18% من الشركات لم تحدد أيًا من خيارات التمويل المطروحة.
الشركات الأوروبية تستثمر.. لكن بأموالها الخاصة
توضح نتائج البنك المركزي الأوروبي أن المشكلة لا تكمن في غياب خطط الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بل في كيفية تمويل هذه الخطط.
ووفق المسح، يخطط نحو 49% من الشركات التي شملها الاستطلاع للاستثمار في تقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي، بينما تعطي 46% الأولوية لتدريب الموظفين، و40% للبنية التحتية للبيانات، في حين تستهدف 12% توظيف متخصصين في الذكاء الاصطناعي.
لكن الاعتماد الكبير على التمويل الداخلي قد يفرض حدًا على حجم الاستثمارات التي تستطيع الشركات تنفيذها، خاصة في المشروعات كثيفة رأس المال مثل مراكز البيانات ومعدات الحوسبة.
ويحذر البنك المركزي الأوروبي نفسه من أن الاعتماد المفرط على الموارد الذاتية يمكن أن يقيد حجم وسرعة تبني الذكاء الاصطناعي مقارنة بما كان يمكن تحقيقه مع استخدام أوسع للتمويل الخارجي.
الضمانات تحسم قدرة الشركات على الاقتراض
تكشف بيانات البنك المركزي الأوروبي عن عامل أساسي وراء هذا السلوك، وهو طبيعة الأصول التي يجري تمويلها.
فالشركات تكون أكثر ميلًا إلى الجمع بين التمويل الداخلي والخارجي عندما تستثمر في أصول ملموسة مثل المعدات والبنية التحتية للبيانات، لأنها يمكن أن تُستخدم كضمان للحصول على التمويل وتقليل تكلفة الاقتراض.
وبحسب التحليل، فإن الشركات التي تستثمر في تقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي أو في البيانات والبنية التحتية تكون أكثر احتمالًا للجمع بين التمويل الداخلي والخارجي بمقدار 16 نقطة مئوية، بعد أخذ حجم الشركة والقطاع والدولة في الاعتبار.
في المقابل، ترتفع هذه الاحتمالية بنحو 9 نقاط مئوية فقط عند توظيف متخصصين في الذكاء الاصطناعي، بينما لا يظهر تدريب الموظفين تأثيرًا ذا دلالة إحصائية على اللجوء إلى التمويل الخارجي.
الاستثمار غير الملموس يواجه مشكلة التمويل
تزداد صعوبة الاقتراض عندما يتعلق الإنفاق بتكوين قدرات طويلة الأجل مثل توظيف الكفاءات أو تدريب العاملين أو تطوير البرمجيات والملكية الفكرية.
ويرجع ذلك إلى أن هذه الاستثمارات أصول غير ملموسة لا يمكن تقديمها كضمان بالسهولة نفسها التي توفرها المعدات أو البنية التحتية المادية.
ويرى البنك المركزي الأوروبي أن هذا العامل يكشف تحديًا هيكليًا في النظام المالي لمنطقة اليورو، حيث يبدو الوصول إلى التمويل الخارجي أسهل عندما تكون الاستثمارات قابلة للرهن والضمان، بينما تواجه الاستثمارات غير الملموسة قيودًا أكبر.
أمريكا تسلك المسار الآخر في تمويل طفرة الذكاء الاصطناعي
في الولايات المتحدة، تتجه شركات التكنولوجيا العملاقة إلى أسواق الدين لتغطية التكلفة المتصاعدة للتوسع في مراكز البيانات والحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وأفادت تقديرات منشورة في يوليو بأن خمس شركات تكنولوجية أمريكية كبرى، هي ألفابت وأمازون وميتا ومايكروسوفت وأوراكل، لديها التزامات طويلة الأجل توصف بأنها «ديون خفية» تبلغ نحو 1.65 تريليون دولار، إلى جانب ديون معلنة على الميزانيات تبلغ نحو 1.35 تريليون دولار. وترتبط نسبة كبيرة من هذه الالتزامات بعقود طويلة الأجل مع مشغلي مراكز البيانات.
كما أظهرت بيانات نقلتها Fortune عن S&P Global أن شركات الحوسبة السحابية العملاقة وشركات مرتبطة بالقطاع أصدرت نحو 225 مليار دولار من السندات خلال 2026 حتى منتصف العام، بزيادة هائلة على أساس سنوي، مع توقعات ببلوغ الإصدار نحو 400 مليار دولار للعام بأكمله.
ويعكس ذلك اختلافًا واضحًا في هيكل تمويل طفرة الذكاء الاصطناعي بين جانبي الأطلسي: أوروبا تعتمد بدرجة أكبر على موارد الشركات نفسها، بينما أصبح الاقتراض عنصرًا رئيسيًا في توسع البنية التحتية الأمريكية.
فجوة التمويل قد تصبح مشكلة في سباق الحوسبة
يأتي التفاوت المالي في وقت تعاني فيه أوروبا أصلًا من فجوة في قدرة الحوسبة المخصصة للذكاء الاصطناعي.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن الاتحاد الأوروبي يستحوذ على أقل من 5% من قدرة الحوسبة العالمية للذكاء الاصطناعي، مقابل نحو 75% للولايات المتحدة، بينما تُقدر فجوة العرض والطلب في القدرة الأوروبية بنحو 3 جيجاوات حاليًا، مع إمكانية اتساعها إلى 14 جيجاوات بحلول 2030.
وتعني هذه الفجوة أن قدرة الشركات الأوروبية على استخدام التمويل الخارجي قد تصبح عنصرًا أكثر أهمية إذا أرادت القارة تسريع بناء مراكز البيانات وتوسيع البنية التحتية المطلوبة لاستيعاب نمو الطلب على الذكاء الاصطناعي.
«قلة الديون» ليست بالضرورة ميزة مطلقة
لا يقدم اتجاه الشركات الأوروبية نحو التمويل الداخلي إجابة بسيطة عن وضعها التنافسي.
فمن ناحية، قد يقلل الاعتماد على الديون من تعرض الشركات لمخاطر ارتفاع تكاليف الاقتراض أو تراكم الالتزامات المالية.
ومن ناحية أخرى، فإن استخدام الموارد الذاتية وحدها قد يفرض سقفًا على حجم الاستثمار، خصوصًا في قطاع يحتاج إلى إنفاق رأسمالي ضخم وسريع لبناء مراكز البيانات وشراء المعدات وتوسيع قدرات الحوسبة.
ولهذا يحذر البنك المركزي الأوروبي من أن محدودية التمويل الخارجي قد تضعف سرعة وحجم تبني الذكاء الاصطناعي في منطقة اليورو، ويدعو ضمنيًا إلى تطوير أطر تمويل قادرة على دعم الاستثمارات الملموسة وغير الملموسة معًا.
أوروبا أمام معادلة صعبة في سباق الذكاء الاصطناعي
تكشف بيانات البنك المركزي الأوروبي عن مفارقة واضحة: الشركات الأوروبية تستعد للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، لكنها تميل إلى تمويل هذه الخطط من أموالها الخاصة بدلًا من الاقتراض.
وفي المقابل، يعتمد جزء كبير من التوسع الأمريكي في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على أسواق السندات والتزامات تمويلية ضخمة.
وبينما قد يوفر التمويل الداخلي قدرًا أكبر من المرونة ويحد من المديونية، فإن استمرار هذا النمط في ظل اتساع احتياجات الحوسبة قد يفرض على أوروبا تطوير قنوات تمويل أوسع، حتى لا تتحول فجوة التمويل إلى فجوة إضافية في سباق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.









