الدكتور محمد محفوظ عمران يكتب : «صفحات من تاريخ عظماء الشرطة المصرية»

هذه ليست مقالة، بل نقل من كتب التاريخ المشرف، حتى يعلم الأجيال الحاضرة (جيل زد وجيل ألفا) تضحيات أجدادهم، وحتى نعتذر للشهداء عن تقصيرنا في حقهم.
في عام 1915، قصة الملازم محمد أنيس من الشرطة المصرية، الذي تصدى للجيش الرابع العثماني في مدينة الطور مع 300 جندي من عساكر البوليس المصري.
وفي الجهة المقابلة، كانت هناك معركة لا تقل شراسة على الحدود الغربية (الحدود الليبية). فقد عقدت الدولة العثمانية اتفاقًا مع أحمد الشريف السنوسي في ليبيا للهجوم على مصر من الغرب، بهدف تشتيت القوات البريطانية وتحريك سفنها من قناة السويس.
وتولى نوري باشا قيادة القوات السنوسية، التي أمدها العثمانيون بالأسلحة والعتاد الحديث عبر السفن والغواصات الألمانية في البحر المتوسط. ولم يكن في المنطقة سوى أهل مطروح من البدو، الذين قرروا التصدي للغزو العثماني.
لكن مع السلاح الألماني المتطور وضرباته القاصمة، سقط ميناء السلوم، وكادت مطروح كلها تقع في أيدي العثمانيين. وفي تلك اللحظات الحرجة، تقدم الضابط الشاب اليوزباشي محمد صالح من قسم مرسى مطروح، واعتلى ظهر جمل ببندقيته العتيقة، وبدأ في تنظيم أهالي مطروح وتدريبهم بأسلوب مرتجل سريع، حتى حولهم إلى سلاح هجانة حقيقي.
واصطدم صالح بجيشه الصغير فوق ظهور الجمال بقوات نوري باشا، وللمرة الأولى تراجعت القوات العثمانية وانهزمت، وقبعت على الحدود المصرية الغربية منتظرة الدعم الألماني الذي اعترضته سفن الحلفاء بحرًا، مع وصول قوات المشاة النيوزيلندية لمؤازرة اليوزباشي صالح. وهكذا انهزم الجيش العثماني.
وفي عام 1920، اكتشف الإنجليز أن قادة المقاومة في غرب الإسكندرية من بينهم ثلاثة أفراد شرطة: الملازم طارق فتحي، واليوزباشي إبراهيم حمدي، والعسكري أحمد البرقي.
ورغم عدم وجود أدلة كافية لدى الإنجليز، وبفضل خبرة وحرفية إبراهيم، قرروا القبض على رجال الشرطة الثلاثة في قسم شرطة اللبان. فتترسوا بالقسم، وانضم إليهم زملاؤهم وأهالي المنطقة، فاندلعت حرب مصغرة (حرب كرموز).
لم تتوقف المعركة إلا بعد تدخل محافظ الإسكندرية محمد حداية باشا لدى قائد القوات البريطانية نفسه، الذي أقر بعدم وجود أدلة كافية في غيظه، وترك الضباط في مواقعهم مع مراقبة قاسية جعلتهم عاجزين عن الاتصال بعناصر المقاومة لفترة.
وفي محافظة الإسماعيلية، في 25 يناير 1952، رفضت قوات الشرطة المصرية تسليم أسلحتها وإخلاء مبنى المحافظة للقوات البريطانية، التي قررت الاستيلاء عليه بسبب أدلة تثبت تورط الشرطة المصرية في أعمال تخريب وعمليات مقاومة فدائية ضد الإنجليز في منطقة القناة.
وكانت هذه المرة حربًا حقيقية بالدبابات والعربات المدرعة والمدافع الثقيلة وكتائب المشاة ضد 880 رجل من البوليس المصري من جميع مدن القناة، من بينهم ضابط تعرفه جيدًا؛ إذ ترك العمل الشرطي واحترف الفن: اليوزباشي صلاح ذو الفقار.
وانتهت المعركة بنفاذ الذخيرة والقبض عليهم، لكنها تسببت في تدهور مباغت هائل لشعبية الملك والنظام، مما أدى إلى قيام حركة يوليو بعدها بفترة وجيزة، والتي قامت بإجلاء القوات البريطانية بالتالي.
وفي خضم حرب أكتوبر، يوم 23 أكتوبر 1973، استقبل قائد شرطة النجدة الرائد رفعت شتا أمرًا إسرائيليًا لاسلكيًا باستسلام مدينة السويس واستسلام كل أهلها وجنودها.
رفض رفعت الأمر بلا تردد، لكنه في الوقت ذاته اعتراه قلق بالغ من قراره، فاتصل بمدير الأمن اللواء محيي خفاجي الذي لم يكن موجودًا في مكتبه ولم يكن معه جهاز اللاسلكي. تردد رفعت للحظات، ثم حسم أمره، والتقط سماعة هاتفه واتصل مباشرة بمكتب اللواء ممدوح سالم وزير الداخلية.
أقر وزير الداخلية موقف الضابط رفعت، وطلب منه التواصل مع مدير الأمن على وجه السرعة لتنفيذ التعليمات الجديدة. انطلق رفعت وعثر على مدير الأمن، وتوجها لمبنى المحافظة في الليلة نفسها، واتصلا بالقاهرة، لكن قوات الجيش الإسرائيلي قطعت خط الهاتف الرئيسي بين السويس والقاهرة فجأة، فانعزلت السويس عن العاصمة.
لكن رفعت، بواسطة كماشة ومفك صغير، أعاد ترتيب أسلاك وصلات وحدته، فأصبحت وحدة شرطة النجدة اللاسلكية السبيل الوحيد للتواصل مع القاهرة، بل أكثر من ذلك؛ كانت السبيل الوحيد للتواصل بين وحدات القوات المسلحة التي فصلتها الهجمات الإسرائيلية وحصار السويس.
دخلت إسرائيل بكل ثقلها في معركة السويس: طيران، ألوية مدرعة، قوات مشاة، آخر ما تبقى لديها من كل شيء.
وفجر اليوم التالي، قصف الطيران الإسرائيلي المدينة بالقنابل، فسبب حالة هلع بين الأهالي وتشتت عناصر المقاومة. فصعد ضابط المباحث النقيب حسن أسامة إلى منبر الجامع وخطب في أهل السويس خطبة حماسية بمكبر الصوت، محثًا إياهم على الدفاع عن نسائهم وأرضهم وشرفهم حتى آخر رجل.
ثم بدأ النقيب حموده في التواصل مع رجال المقاومة على الأرض، وتنظيمهم، وتزويدهم بالسلاح. واشتعل ليل السويس بنيران القذائف من الطرفين.
وجدت قوات الكوماندوز الإسرائيلية المصاحبة للألوية المدرعة أن المقاومة شرسة للغاية، فتوجهت إلى قسم شرطة الأربعين الخالي من رجال الأمن في تلك اللحظة، واحتلته واحتمت فيه. وكان القسم يحتوي على بعض المدنيين من النساء والشيوخ والأطفال الذين احتموا به، فأخذهم الإسرائيليون رهائن، ووصل الخبر إلى الرجال الذين يقاتلون على الأرض.
انسحب من معركة الدبابات مأمور قسم السويس الرائد نبيل شرف والنقيب عاصم حموده مع مجموعة صغيرة من الرجال في محاولة لتحرير الرهائن. وأثناء محاولاتهم اقتحام القسم، فوجئ الرجلان بكمين، وهاجمتهم مجموعة أخرى من الكوماندوز الإسرائيلي من الخلف. افتتح الرائد نبيل نفسه قائمة الشهداء وسقط شهيدًا على بعد أمتار من نافذة مكتبه أمام قسم الأربعين.
استتر حموده مع رجاله الأربعة خلف حطام سيارات قريبة، وبدأ وسط رائحة الرماد والمعدن المحترق وملمس الغبار وأصوات القنابل والقصف، في ظلام الليل، القتال على جبهتين. وصمد الرجال ضد فرقتين كاملتين من فرق الكوماندوز الإسرائيلية لساعة كاملة.
واستشهد الرقيب أول محمد سلامة، ثم العريف محمد عبد اللطيف، والعريف محمد مسعد، والخفير محمد محمدين، واختتم القائمة النقيب حموده وهو يسقط ممسكًا بسلاحه قبل لحظات من وصول المدد من رجال الصاعقة المصرية، الذين قاموا بعملية اقتحام القسم وتحرير الرهائن أثناء اشتباك رجال الشرطة الشرفاء مع بقية الكوماندوز خارج القسم.
وفي تلك اللحظة بالذات، ولأنها معركة فاصلة، حلقت الطائرات الإسرائيلية فوق رؤوس الجميع تقذف العشرات من رجال المظلات. ومع انشغال رجال الصاعقة داخل القسم في تحرير الرهائن، كان التصدي للمظليين الإسرائيليين دور بقية أفراد الشرطة والأهالي.
ولم يتوقف دور رجال الشرطة فيما بعد، فقد فقد بعضهم أطرافهم أو حياتهم فداءً للوطن في معارك الإرهاب والمخدرات وتجارة السلاح.
بعض أسماء شهداء العمليات الإرهابية منذ 2011: اللواء محمد عباس حمزة البطران، العميد محمد إبراهيم الدسوقي مصطفى الخولي.
شهداء قسم شرطة كرداسة 2013: العميد محمد جبر مأمور قسم شرطة كرداسة، ونائبه العقيد عامر عبد المقصود، والنقيب محمد فاروق معاون المباحث، والملازم أول هاني شتا وآخرون، ليصل عدد شهداء المجزرة إلى 14 ضابطًا وفرد شرطة من قوة مركز شرطة كرداسة فقط.
ويوم 9 يونيو 2013، كان محمد أبو شقرة راكبًا عربيته في العريش، ففوجئ بعربية مليئة بالإرهابيين تحاصره وضربوا عليه نارًا. قاوم البطل وأصيب بـ9 رصاصات واستشهد، بعد تسريب خط سيره والاسم الكودي الخاص به “حازم”. ومات البطل قبل فرحه بشهر.
الفاتحة لشهداء مصر: لأنيس وصالح وطارق وإبراهيم والبرقي. الفاتحة لمبروك والشقرة والنعماني ومشهور. والشهيد المقدم شادي مجدي عبد الجواد. تحية لـمحمود عصام الكومي. والبقية من الجنود المجهولين.
تحية للرجال الشرطة في عيدهم. ضباط وأفراد وجنود شرطة كثُر استشهدوا من أجل مصر.
حفظ الله مصر.





