الدين الأميركي يتجاوز 40 تريليون دولار.. فاتورة الفائدة تضغط على الأسواق

تجاوز إجمالي الدين العام الأميركي 40 تريليون دولار للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، في تطور يسلط الضوء على تصاعد الضغوط التي تواجه المالية العامة، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة خدمة الدين وزيادة العجز والإنفاق الحكومي.

وأظهرت بيانات وزارة الخزانة الأميركية أن إجمالي الدين العام المستحق بلغ نحو 40.05 تريليون دولار، متجاوزًا تقديرات سابقة كانت تشير إلى بلوغ إجمالي الاقتراض نحو 39.4 تريليون دولار بنهاية السنة المالية 2026.

ويأتي تجاوز هذا الحاجز التاريخي في وقت تواجه فيه الحكومة الفيدرالية ضغوطًا متزايدة من ارتفاع الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية والدفاع، إلى جانب صعود مدفوعات الفائدة على الديون القائمة وإعادة تمويل الاستحقاقات السابقة.

فاتورة الفائدة تزداد ثقلاً

تشكّل تكلفة الاقتراض أحد أبرز التحديات أمام المالية الأميركية، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة تكلفة إصدار ديون جديدة وإعادة تمويل الديون المستحقة.

وتزامن تجاوز الدين حاجز 40 تريليون دولار مع موجة ارتفاع في عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل، وسط مخاوف المستثمرين من استمرار الضغوط التضخمية واتساع العجز وارتفاع حجم الإصدارات الحكومية.

وقفز عائد السندات الأميركية لأجل 30 عامًا إلى نحو 5.337% في 18 أغسطس، وهو أعلى مستوى منذ عام 2007، قبل أن يتراجع في اليوم التالي بعد إعلان وزارة الخزانة زيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل.

وهنا تكمن أهمية الرقم الجديد للدين الأميركي: فالمشكلة لا تتعلق بحجم الدين وحده، وإنما بتكلفة تمويل هذا الدين مع مرور الوقت.

السندات الأميركية تحت الاختبار

ارتفاع عوائد سندات الخزانة يعني أن المستثمرين يطلبون عائدًا أعلى للاحتفاظ بالديون طويلة الأجل، وهو ما يرفع تكلفة الاقتراض للحكومة، وقد يمتد أثره إلى الشركات والأسر من خلال ارتفاع تكلفة التمويل في الاقتصاد الأميركي.

وتشير التطورات الأخيرة في سوق السندات إلى أن المستثمرين أصبحوا أكثر حساسية تجاه مستويات الدين والعجز، خصوصًا مع زيادة الإصدارات الحكومية وتنامي المخاوف المتعلقة بالتضخم.

وفي محاولة لتهدئة سوق السندات طويلة الأجل، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية زيادة حجم عمليات إعادة شراء بعض السندات طويلة الأجل، في خطوة تستهدف دعم السيولة في السوق والحد من الضغوط على العوائد.

لكن هذه الخطوة لا تعالج أصل المشكلة المالية؛ إذ إن حجم عمليات إعادة الشراء يظل صغيرًا مقارنة بإجمالي سوق الدين الأميركي، بينما تظل الضغوط الهيكلية المرتبطة بالعجز والإنفاق قائمة.

الإنفاق الحكومي يزيد الضغوط

يتزامن ارتفاع الدين مع استمرار الإنفاق الحكومي المرتفع، خصوصًا في مجالات الدفاع وبرامج الرعاية الاجتماعية.

كما أضافت التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ضغوطًا جديدة على الأسواق، مع ارتفاع تكاليف الطاقة والمخاوف من انعكاس أسعار النفط على التضخم، وهو ما قد يزيد صعوبة خفض تكلفة الاقتراض في حال استمرت الضغوط السعرية.

وفي الوقت نفسه، تظل برامج خفض الإنفاق الحكومي محل جدل، في ظل اختلاف التقديرات بشأن حجم الوفورات الفعلية التي يمكن تحقيقها وتأثيرها على العجز الفيدرالي.

الدين تضاعف خلال سنوات قليلة

لم يصل الدين الأميركي إلى مستوى 40 تريليون دولار نتيجة عامل واحد، وإنما جاء بعد سنوات من تراكم العجز والاقتراض.

وتسارع نمو الدين خلال الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009، ثم قفز بصورة أكبر خلال جائحة كورونا مع توسع الحكومة الأميركية في برامج الدعم والإنفاق لمواجهة التداعيات الاقتصادية للجائحة.

وتواصل الدين الارتفاع خلال الإدارات الأميركية المتعاقبة، مدفوعًا بالعجز المالي وبرامج الإنفاق وخفض الضرائب وزيادة تكاليف برامج الرعاية الاجتماعية والدفاع. وبحسب بيانات أوردتها رويترز، بلغ الدين أكثر من ضعف مستواه تقريبًا منذ عام 2017.

40 تريليون دولار.. لماذا يهم الأسواق؟

رغم أن تجاوز الدين الأميركي حاجز 40 تريليون دولار يمثل رقمًا تاريخيًا ورمزيًا، فإن الرقم وحده لا يعني أن الولايات المتحدة دخلت تلقائيًا في أزمة مالية.

فالاقتصاديون ينظرون أيضًا إلى عوامل أخرى، من بينها حجم الاقتصاد الأميركي، ونسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وتكلفة خدمة الدين، وهيكل آجال الاستحقاق، وقدرة الحكومة على تمويل احتياجاتها في الأسواق.

كما أن الدين الذي يحمله الجمهور يمثل مؤشرًا أكثر أهمية عند تقييم تأثير الاقتراض الحكومي على الأسواق المالية، لأنه يعكس الديون الموجودة خارج الحكومة والمتداولة في أسواق الائتمان. وتوضح تقارير الخزانة الأميركية أن هذا المقياس يشمل حيازات الأفراد والشركات والحكومات الأجنبية والبنوك المركزية وغيرها.

لكن الخطر الحقيقي يظهر عندما يجتمع ارتفاع الدين مع ارتفاع تكلفة الفائدة واستمرار العجز؛ لأن الحكومة تصبح مطالبة بتخصيص جزء أكبر من مواردها لخدمة الدين بدلًا من توجيهها إلى الإنفاق والاستثمار.

الأسواق تراقب الخطوة التالية

تجاوز الدين الأميركي حاجز 40 تريليون دولار يضع المالية العامة وسوق السندات تحت مزيد من التدقيق، خصوصًا مع ارتفاع العوائد طويلة الأجل إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ سنوات.

وتبقى حركة عوائد سندات الخزانة، ومسار التضخم، وحجم الإصدارات الحكومية، وتطور العجز، من أبرز المؤشرات التي ستحدد اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى