5.1 تريليون دولار.. الفيدرالي يكشف الحقيقة وراء صعود الذهب في احتياطيات الدول

كشف بحث صادر عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أن ارتفاع القيمة السوقية لاحتياطيات الذهب العالمية إلى نحو 5.1 تريليون دولار بنهاية 2025 لا يعني بالضرورة أن الذهب أصبح أكثر جاذبية من سندات الخزانة الأمريكية كأصل احتياطي، مؤكدًا أن المقارنة المباشرة بين الأصلين قد تكون مضللة.

وأوضح كولين وايس، كبير الاقتصاديين للتدفقات المالية العالمية في الاحتياطي الفيدرالي، أن جانبًا كبيرًا من ارتفاع قيمة الذهب في الاحتياطيات الرسمية خلال السنوات الأخيرة جاء نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار المعدن بفعل زيادة الطلب من القطاع الخاص، وليس بسبب زيادة مماثلة في مشتريات البنوك المركزية.

5.1 تريليون دولار قيمة احتياطيات الذهب عالميًا

وأشار وايس في مذكرة بحثية صادرة عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى أن احتياطيات الذهب العالمية بلغت نحو 5.1 تريليون دولار بنهاية 2025، مقارنة بنحو 3.9 تريليون دولار من حيازات المسؤولين الأجانب من سندات الخزانة الأمريكية.

لكن هذه المقارنة، بحسب وايس، لا تعكس بالضرورة تحولًا استراتيجيًا واسعًا في محافظ الاحتياطيات العالمية لمصلحة الذهب.

وباستبعاد احتياطيات الذهب الأمريكية، بلغت قيمة الذهب لدى الدول الأخرى نحو 4 تريليونات دولار بنهاية 2025، وهي قيمة ظلت أعلى قليلًا من حيازات المسؤولين الأجانب من سندات الخزانة في ذلك الوقت.

غير أن الصورة تغيرت بحلول يونيو 2026، إذ تجاوزت حيازات المسؤولين الأجانب من سندات الخزانة الأمريكية قيمة احتياطيات الذهب العالمية بعد استبعاد الولايات المتحدة بنحو تريليون دولار.

ارتفاع الذهب لا يعني هروبًا من الدولار

ويرى وايس أن ارتفاع القيمة الدولارية لاحتياطيات الذهب يجب ألا يُقرأ باعتباره دليلًا مباشرًا على تخلي البنوك المركزية عن الدولار الأمريكي.

والسبب أن الذهب أصل تتغير قيمته السوقية بصورة كبيرة مع تحركات الأسعار، بينما لا تعكس القيمة السوقية المرتفعة بالضرورة زيادة مماثلة في الكميات التي اشترتها البنوك المركزية.

وبالتالي، فإن صعود سعر الذهب يرفع قيمة الاحتياطيات الرسمية حتى في حالة عدم حدوث زيادة كبيرة في عدد الأونصات المملوكة.

الطلب الخاص وراء جزء كبير من موجة الذهب

وبحسب تحليل الفيدرالي، شهد الطلب على الذهب من المستثمرين من القطاع الخاص قفزة ملحوظة منذ أواخر 2024، انعكست في تدفقات الأموال إلى صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب المادي.

وفي الوقت نفسه، حافظت البنوك المركزية على مستويات مرتفعة من مشتريات الذهب منذ الزيادة الكبيرة التي بدأت في 2022.

ويعني ذلك أن ارتفاع أسعار الذهب خلال 2025 لم يكن نتيجة مشتريات القطاع الرسمي وحدها، وإنما ساهم فيه أيضًا الطلب الاستثماري الخاص بقوة.

وقال وايس إن الطلب من المستثمرين الرسميين وحده لم يكن كافيًا لإحداث الطفرة الكبيرة في أسعار الذهب التي شهدها السوق.

الولايات المتحدة تشوه المقارنة

وتبرز الولايات المتحدة باعتبارها أحد أهم العوامل التي تجعل المقارنة المباشرة بين الذهب وسندات الخزانة غير دقيقة.

فالولايات المتحدة هي أكبر حائز لاحتياطيات الذهب في العالم، وتمثل حيازاتها نحو 22% من إجمالي الاحتياطيات العالمية.

وفي المقابل، فإن بيانات حيازات المسؤولين الأجانب من سندات الخزانة الأمريكية تستبعد الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بطبيعة الحال.

وبالتالي، فإن وضع احتياطيات الذهب الأمريكية ضمن إجمالي الذهب العالمي ثم مقارنتها بحيازات الحكومات الأجنبية من سندات الخزانة يخلق فجوة غير متكافئة في المقارنة.

ويقدر وايس أن استبعاد الذهب الأمريكي كان سيخفض قيمة الاحتياطيات العالمية من الذهب بنحو 800 مليار إلى 1.1 تريليون دولار خلال معظم عام 2025.

52% من ذهب العالم لدى خمسة كبار حائزين

وتكشف بيانات الفيدرالي عن تركّز شديد لاحتياطيات الذهب لدى عدد محدود من كبار الحائزين.

وتستحوذ الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وصندوق النقد الدولي على نحو 52% من إجمالي احتياطيات الذهب العالمية.

والأهم أن هذه الجهات لم تكن وراء موجة التراكم الحديثة للذهب؛ إذ تعود نسبة كبيرة من حيازاتها إلى عقود سابقة، خصوصًا إلى الفترة التي سبقت نهاية نظام بريتون وودز في أوائل سبعينيات القرن الماضي.

وهنا تكمن إحدى أهم النقاط التي يطرحها بحث الفيدرالي: جزء كبير من الذهب الموجود حاليًا في الاحتياطيات العالمية هو إرث تاريخي وليس نتيجة قرار حديث بالتحول من الدولار إلى الذهب.

معظم الذهب الرسمي يعود إلى ما قبل 1971

يشير وايس إلى أن معظم احتياطيات الذهب العالمية جرى الحصول عليها قبل عام 1971، عندما انتهى عمليًا نظام بريتون وودز.

وبالرغم من زيادة مشتريات العديد من البنوك المركزية في الأسواق الناشئة منذ عام 2008، فإن الكتلة الأكبر من الذهب الرسمي العالمي لا تزال موروثة من فترات تاريخية سابقة.

في المقابل، تم تراكم الجزء الأكبر من حيازات السندات الحكومية الأجنبية الرسمية بعد عام 2000.

ويعني اختلاف توقيت التراكم أن مقارنة حجم الأصلين في الوقت الحالي لا تكشف وحدها عن تفضيلات البنوك المركزية الجديدة.

سندات الخزانة لا تزال لاعبًا رئيسيًا

وبالنظر إلى الدول التي تمتلك احتياطيات ذهبية ضخمة تاريخيًا، يرى الفيدرالي أن الصورة تختلف بصورة واضحة عند تحليل بقية الدول.

فخارج الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وصندوق النقد الدولي، كانت حيازات المسؤولين الأجانب من سندات الخزانة الأمريكية أعلى من احتياطيات الذهب بنحو تريليون دولار في يونيو 2026.

كما يشير البحث إلى أن المستثمرين الرسميين الأجانب اشتروا نحو 200 مليار دولار صافيًا من سندات الخزانة الأمريكية بين 2022 وأبريل 2026.

وهذا يدل على أن زيادة مشتريات الذهب لم تمنع استمرار استخدام سندات الخزانة كأداة أساسية ضمن إدارة الاحتياطيات الدولية.

أرقام الذهب قد لا تعكس الحجم الحقيقي للمشتريات

ولا يستبعد وايس أن تكون مشتريات البنوك المركزية من الذهب أكبر مما تظهره البيانات الرسمية.

فقد تكون هناك مشتريات من القطاع الرسمي بعد 2021 لم تُدرج بالكامل في الإحصاءات التي ينشرها صندوق النقد الدولي.

وفي الاتجاه المقابل، قد تكون حيازات المسؤولين الأجانب من سندات الخزانة الأمريكية أكبر من البيانات المعلنة، بسبب استخدام بعض المستثمرين الرسميين جهات حفظ خارج الولايات المتحدة.

ومن ثم، فإن المقارنة بين الذهب وسندات الخزانة يجب أن تتعامل مع هامش من عدم اليقين في قياس حجم الحيازات الفعلية.

هل تتجه البنوك المركزية فعلًا بعيدًا عن الدولار؟

لا ينكر بحث الفيدرالي وجود تحول مهم في سلوك بعض البنوك المركزية.

فمشتريات الذهب الرسمية ارتفعت منذ 2008، وتسارعت بصورة ملحوظة منذ 2022، وقد تكون الاعتبارات الجيوسياسية أحد دوافع هذا الاتجاه.

وتشمل هذه الاعتبارات مخاطر العقوبات المالية، والعلاقات السياسية مع الولايات المتحدة، والرغبة في امتلاك أصول لا تعتمد بصورة مباشرة على النظام المالي الأمريكي.

لكن هذا التحول لا يعني أن الذهب حل محل الدولار في إدارة الاحتياطيات العالمية.

فالبيانات تشير إلى استمرار احتفاظ المستثمرين الرسميين بحيازات ضخمة من سندات الخزانة الأمريكية، حتى في الفترة التي شهدت ارتفاعًا واضحًا في مشتريات الذهب.

الذهب صعد.. لكن الدولار لم يسقط

تكشف قراءة الفيدرالي عن مفارقة مهمة في سوق الاحتياطيات العالمية.

فالذهب استفاد من ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب الخاص، إلى جانب استمرار مشتريات البنوك المركزية، لكن ذلك لا يكفي وحده للقول إن النظام النقدي العالمي دخل مرحلة استبدال الدولار بالذهب.

والأدق أن العالم يشهد تنويعًا تدريجيًا في الاحتياطيات، وليس هجرة جماعية من الدولار.

وتظل سندات الخزانة الأمريكية جزءًا محوريًا من محافظ الاحتياطيات الرسمية، بينما يحتفظ الذهب بدور مهم كأصل ملموس وأداة للتحوط من المخاطر الجيوسياسية والمالية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى