الدكتور أحمد النعماني يكتب : «الفائدة على طاولة المركزي المصري »

خبير اقتصادي / الأمين العام المساعد - أمانة العضوية المركزية - حزب مستقبل وطن

تتجه أنظار الأسواق المصرية يوم الخميس المقبل، 24 سبتمبر 2026، إلى اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، في واحد من أكثر اجتماعات أسعار الفائدة ترقبًا خلال العام، وسط تغيرات مهمة في المشهد النقدي العالمي، وعودة الضغوط التضخمية إلى واجهة المخاطر.

ويأتي الاجتماع بعد أن أبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأخير، عند 19% للإيداع، و20% للإقراض، و19.50% لسعر العملية الرئيسية، وهو القرار الذي تكرر للمرة الرابعة على التوالي.

لكن المشهد تغير نسبيًا خلال الأيام الماضية، خصوصًا بعد قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في 16 سبتمبر رفع سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4%، في خطوة عكست استمرار القلق بشأن ارتفاع التضخم، رغم استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.

الفيدرالي يرسل إشارة مهمة

يمثل قرار الفيدرالي الأمريكي عنصرًا مهمًا في حسابات الأسواق الناشئة، ومنها مصر، ليس باعتباره عاملًا حاسمًا منفردًا، وإنما ضمن مجموعة من المتغيرات المرتبطة بحركة رؤوس الأموال، وجاذبية الأصول المقومة بالعملات المختلفة، وتوقعات التضخم وأسعار الفائدة عالميًا.

واللافت أن توقعات أعضاء الفيدرالي المنشورة عقب اجتماع سبتمبر تشير إلى استمرار مسار نقدي حذر؛ إذ يبلغ متوسط توقعاتهم لسعر الفائدة في نهاية 2026 نحو 4.1%، مع توقع تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي «PCE» عند 3.7% للعام نفسه، قبل انخفاضه إلى 2.3% في 2027.

بمعنى آخر، لم يعد الفيدرالي يتحرك في اتجاه تيسير نقدي واضح، بل أصبح التضخم مرة أخرى عاملًا رئيسيًا في تحديد مسار السياسة النقدية.

وماذا عن مصر؟

في المقابل، يواجه البنك المركزي المصري معادلة أكثر تعقيدًا.

فمن ناحية، هناك رغبة في مواصلة خفض التضخم تدريجيًا، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار النقدي، مع الحفاظ على تحسن المؤشرات الاقتصادية.

ومن ناحية أخرى، فإن ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية يمكن أن يعيد تشكيل مسار التضخم خلال الشهور المقبلة، وهو ما يجعل قرار خفض الفائدة في الوقت الحالي أكثر صعوبة.

وفي هذا السياق، جاءت توقعات شركة «إتش سي» للأوراق المالية والاستثمار لتضع سيناريو رفع الفائدة بنسبة 1% خلال الربع الرابع من 2026 على الطاولة، استنادًا إلى توقعات بعودة الضغوط التضخمية وارتفاع بعض عناصر التكلفة.

وهنا يجب التفرقة بين أمرين:

توقع رفع الفائدة بنسبة 1% خلال الربع الأخير من العام لا يعني بالضرورة رفعها بنسبة 1% في اجتماع الخميس.

فأمام لجنة السياسة النقدية أكثر من اجتماع قبل نهاية العام، وبالتالي يمكن توزيع أي تشديد محتمل على أكثر من قرار، وفقًا لتطورات التضخم وسعر الصرف والأسواق العالمية.

سيناريوهات اجتماع الخميس

يمكن قراءة الاجتماع المقبل من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: تثبيت أسعار الفائدة

وهو سيناريو يستند إلى رغبة البنك المركزي في منح السياسة النقدية الحالية مزيدًا من الوقت لمتابعة أثر القرارات السابقة، خصوصًا أن أسعار الفائدة الحالية لا تزال عند مستويات مرتفعة، وأن التضخم يحتاج إلى مزيد من الوقت للعودة إلى المسار المستهدف.

السيناريو الثاني: رفع محدود

وقد يكون رفع الفائدة بمقدار 25 أو 50 نقطة أساس رسالة نقدية تستهدف احتواء توقعات التضخم والحفاظ على جاذبية الجنيه، دون الانتقال مباشرة إلى تشديد قوي.

السيناريو الثالث: رفع 1%

وهو السيناريو الذي طرحته «إتش سي» ضمن توقعاتها للربع الرابع، لكنه يحتاج إلى قناعة قوية لدى لجنة السياسة النقدية بأن المخاطر التضخمية المقبلة ليست مؤقتة، وأنها قد تؤثر في توقعات التضخم بصورة تستدعي استجابة نقدية أكبر.

التوقع.. ماذا أرجح؟

في تقديري، فإن قرار الخميس قد يكون أقرب إلى التثبيت أو الرفع المحدود، بينما يظل رفع 1% دفعة واحدة سيناريو قائمًا، لكنه يحتاج إلى تطورات أكثر وضوحًا في ملف التضخم والأسعار والطاقة.

فالقرار لن يُبنى على قرار الفيدرالي الأمريكي وحده، كما أن مجرد رفع الفيدرالي للفائدة لا يعني بالضرورة أن البنك المركزي المصري يجب أن يحذو حذوه بالنسبة نفسها.

وسيظل المعيار الأساسي مصريًا بالدرجة الأولى: التضخم وتوقعاته، وسعر الصرف، والسيولة المحلية، وحركة الاستثمار والتدفقات الأجنبية، ومدى الحاجة إلى الحفاظ على جاذبية الجنيه.

وهنا تظهر أهمية توقيت القرار؛ فقد أبقى البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير في يوليو وأغسطس، بينما حدد رسميًا اجتماع 24 سبتمبر موعدًا لاجتماعه التالي، ثم اجتماعَي 29 أكتوبر و17 ديسمبر.

كلمة أخيرة

الخميس المقبل قد لا يكون مجرد اجتماع لتحديد سعر الفائدة، وإنما رسالة من البنك المركزي بشأن اتجاه السياسة النقدية خلال ما تبقى من 2026.

فإذا ثبتت الفائدة، ستكون الرسالة أن البنك المركزي يرى أن التشديد القائم لا يزال كافيًا في هذه المرحلة.

أما إذا تم رفعها، فستكون الرسالة أن مخاطر التضخم تستدعي العودة إلى التشديد النقدي، وربما فتح الباب أمام زيادات أخرى إذا استمرت الضغوط.

وبين التثبيت ورفع 25 أو 50 نقطة أساس ورفع 1%، تبقى الكلمة الأخيرة للجنة السياسة النقدية، التي ستضع أمامها الصورة الكاملة للاقتصاد المصري، وليس عاملًا واحدًا منفردًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى