غرامة بنك يو بي إس بـ125 مليون دولار تكشف تشدد أمريكي جديد ضد غسل الأموال

أعادت الغرامة القياسية البالغة 125 مليون دولار المفروضة على «يو بي إس» في الولايات المتحدة ملف مكافحة غسل الأموال إلى واجهة الرقابة المصرفية، بعدما كشفت القضية عن ثغرات استمرت لسنوات في مراقبة معاملات العملات الأجنبية والتعامل مع العملاء مرتفعي المخاطر، رغم تسوية سابقة مع الجهات التنظيمية.
وتعكس القضية تحولًا في تركيز الرقابة الأمريكية نحو قياس فعالية أنظمة مكافحة غسل الأموال ونتائجها الفعلية، بدل الاكتفاء بوجود سياسات وإجراءات امتثال على الورق، وفق تقييمات محللين نقلتها «جلوبال فاينانس».
125 مليون دولار.. أكبر غرامة على وسيط بسبب مخالفات قانون السرية المصرفية
فرضت شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية غرامة مدنية قدرها 125 مليون دولار على «يو بي إس للخدمات المالية»، بسبب مخالفات متعمدة لقانون السرية المصرفية، الذي يمثل الإطار الرئيسي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة في الولايات المتحدة.
وقالت الشبكة إن الغرامة هي الأكبر التي تُفرض حتى الآن على شركة وساطة مالية بسبب مخالفات لقانون السرية المصرفية. كما أكدت أن التسوية جاءت بالتنسيق مع هيئة الأوراق المالية والبورصات، ولجنة تداول العقود الآجلة للسلع، وهيئة تنظيم الصناعة المالية.
وتقر «يو بي إس للخدمات المالية» ضمن التسوية بفشلها في تطبيق والحفاظ على برنامج ملائم لمكافحة غسل الأموال، إلى جانب عدم تقديم تقارير عن معاملات مشبوهة وفق المتطلبات القانونية.
61.5 ألف معاملة لم تخضع للمراقبة الكافية
تعود إحدى أبرز المخالفات إلى فشل «يو بي إس للخدمات المالية» في المراقبة الملائمة لأكثر من 61.5 ألف تحويل بالعملات الأجنبية، بلغت قيمتها الإجمالية أكثر من 10.5 مليار دولار.
ووفق ملف التسوية، استمرت أوجه القصور لأكثر من أربعة أعوام، رغم دخول البنك في تسوية سابقة مع شبكة مكافحة الجرائم المالية عام 2018 بشأن مشكلات مماثلة.
وتشير القضية إلى أن المشكلة لم تكن في غياب نظام رقابي فقط، وإنما في عدم قدرة النظام المستخدم على التقاط بيانات أساسية وتحليلها بصورة تسمح برصد المعاملات التي تحمل مؤشرات تستدعي الفحص.
مخالفة متكررة رفعت قيمة العقوبة
تضاعفت أهمية القضية بسبب وجود سجل سابق للمخالفات.
ففي ديسمبر 2018، فرضت شبكة مكافحة الجرائم المالية غرامة قدرها 14.5 مليون دولار على «يو بي إس للخدمات المالية» بسبب أوجه قصور تتعلق بمراقبة التحويلات بالعملات الأجنبية.
وأفادت الشبكة بأن «يو بي إس» تعهدت حينها بمعالجة أوجه القصور، لكنها لم تنفذ نظامًا جديدًا للمراقبة الآلية إلا في مارس 2021، كما استمرت مشكلات المراقبة بعد ذلك بسبب قصور في تخطيط النظام الجديد واختباره، حتى الربع الثاني من 2023.
وبالتالي لم تكن العقوبة الجديدة مرتبطة بمخالفة منفردة، وإنما جاءت في سياق تكرار أوجه القصور وعدم معالجة المشكلات السابقة بالسرعة والفعالية المطلوبة.
العملاء مرتفعو المخاطر تحت تدقيق أكبر
شملت القضية كذلك أوجه قصور في إجراءات العناية الواجبة بالعملاء، خصوصًا فيما يتعلق ببعض العملاء مرتفعي المخاطر ذوي الصلات بروسيا وأمريكا اللاتينية.
وقالت شبكة مكافحة الجرائم المالية إن «يو بي إس للخدمات المالية» لم تقيّم بصورة ملائمة مخاطر غسل الأموال المرتبطة بمصادر ثروات بعض هؤلاء العملاء، كما لم تتعامل بالشكل الكافي مع تقارير سلبية أشارت إلى صلات محتملة بالفساد والاحتيال وغسل الأموال.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة لنموذج أعمال البنوك التي تقدم خدمات إدارة الثروات والعملاء ذوي الملاءة المرتفعة، حيث يمكن لطبيعة قاعدة العملاء نفسها أن تزيد مخاطر التعرض لمعاملات أو مصادر أموال تتطلب تدقيقًا أعمق.
الرقابة الأمريكية تتحول من «خانة مكتملة» إلى نتيجة قابلة للقياس
يرى محللون استندت إليهم «جلوبال فاينانس» أن اتجاه الرقابة على مكافحة غسل الأموال في الولايات المتحدة يتحول تدريجيًا من مجرد التأكد من وجود الإجراءات إلى مطالبة البنوك بإثبات أن أنظمتها تعمل بكفاءة وتحقق نتائج فعلية.
وتنسجم هذه القراءة مع موقف شبكة مكافحة الجرائم المالية نفسها، التي شددت في قضية «يو بي إس» على أن المؤسسات المالية مطالبة بمعالجة أوجه القصور التي تكشفها الجهات الرقابية والمراجعين والموظفون بسرعة، وأن برامج مكافحة غسل الأموال يجب أن تكون قائمة على المخاطر ومتناسبة مع حجم المؤسسة وطبيعة نشاطها ودرجة تعقيده.
أخطاء تقنية تحولت إلى مشكلة رقابية
كشف ملف التسوية تفاصيل تقنية للثغرات التي واجهها نظام «يو بي إس»، من بينها مشكلات في بيانات المراقبة الآلية، وعدم التحقق بصورة كافية من عناوين أصحاب الحسابات، وغياب معرف فريد موثوق لمطابقة المعاملات، إلى جانب عدم وجود قائمة استثناءات مناسبة وأخطاء مرتبطة بملف جداول بيانات مستخدم في تحويلات العملات الأجنبية.
وتكشف هذه التفاصيل عن نقطة مهمة في إدارة مخاطر البنوك: قد يبدأ الخلل في عنصر تقني صغير، لكنه يتحول إلى إخفاق رقابي واسع عندما يمنع أنظمة الامتثال من اكتشاف النشاط المشبوه أو توجيهه إلى المراجعة البشرية في الوقت المناسب.
«يو بي إس»: عززنا برنامج مكافحة غسل الأموال
قال متحدث باسم «يو بي إس» إن الإعلان ينهي قضية قديمة، مؤكدًا تعاون البنك بشكل كامل مع الجهات التنظيمية، وأنه أجرى استثمارات كبيرة لمعالجة أوجه القصور وتعزيز برنامج مكافحة غسل الأموال بما يتوافق مع أفضل الممارسات في القطاع.
وبموجب التسوية الجديدة، يتعين على «يو بي إس للخدمات المالية» العمل مع طرف ثالث لإجراء مراجعة للمعاملات السابقة بهدف تحديد المعاملات المشبوهة التي لم تُرصد نتيجة أوجه القصور، وإجراء مراجعة مستقلة لبرنامج مكافحة غسل الأموال.
كما تركز المراجعة الجديدة على مخاطر تمويل الأنشطة غير المشروعة المرتبطة بالمخدرات والعصابات، إلى جانب مخاطر ذات صلة بإيران وروسيا وفنزويلا.
الغرامة ترسم رسالة جديدة للبنوك
تحمل قضية «يو بي إس» رسالة تتجاوز البنك نفسه، إذ تربط قيمة العقوبة وتكرار المخالفات بمستوى توقعات الجهات الرقابية من برامج مكافحة غسل الأموال.
ففي بيئة مصرفية عالمية شديدة الترابط، لا يكفي أن يمتلك البنك سياسات امتثال أو أنظمة تقنية؛ بل يصبح مطلوبًا منه إثبات أن هذه المنظومة قادرة عمليًا على رصد المخاطر المرتفعة واكتشاف النشاط المشبوه ومعالجة الثغرات بسرعة عند ظهورها.
ومن هذه الزاوية، تمثل غرامة 125 مليون دولار اختبارًا جديدًا لمدى استعداد البنوك للاستثمار في البنية التقنية، والرقابة الداخلية، والعناية الواجبة، وإدارة مخاطر العملاء، لأن تكلفة التأخر في معالجة أوجه القصور قد لا تتوقف عند الغرامة المالية، بل تمتد إلى التدخل الرقابي وإعادة بناء أنظمة الامتثال.









