من تجربة المواطن إلى أولويات الدولة.. كيف يشارك المصريون في إعداد «منتدى مصر 2026»؟

لا ينتظر «منتدى مصر 2026» حضور المواطنين إلى جلساته لبدء مشاركتهم، وإنما يضع تجربة المواطن واحتياجاته في قلب عملية الإعداد للمنتدى، عبر أدوات تشمل الاستبيانات ومجالس المواطنين وجلسات الاستماع والحوار المجتمعي، بهدف الوصول إلى صورة أكثر دقة عن أثر السياسات والخدمات على الحياة اليومية وتحديد أولويات المرحلة المقبلة.
وأطلق مجلس الوزراء الموقع الرسمي للمنتدى في الأول من أكتوبر 2026، بالتزامن مع بدء الجلسات التحضيرية وفتح باب التسجيل أمام المواطنين والخبراء والمتخصصين، فيما أعلن المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء استقبال أكثر من 2000 طلب للمشاركة خلال أول 3 دقائق، مع توقع وصول عدد المشاركين في جلسات المنتدى إلى نحو 8 آلاف مشارك. ومن المقرر انعقاد المنتدى خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر 2026.
«مجالس المواطنين» تنقل تجربة الشارع إلى مائدة الحوار
وتقوم المنهجية على الاستماع المنظم إلى المواطنين من مختلف الفئات والمناطق، والتعرف مباشرة على تجاربهم مع الخدمات والسياسات العامة، وما يواجهونه من عقبات، وما يرونه من أولويات ومقترحات للتطوير.
ولا تقتصر المشاركة على التعبير عن الرأي في صورة انطباعات عامة، وإنما تستهدف جمع ملاحظات يمكن تحليلها وربطها بالبيانات والمؤشرات الرسمية، بما يساعد على مقارنة ما تظهره الأرقام بما يلمسه المواطن فعليًا في حياته اليومية. ويؤكد الموقع الرسمي للمنتدى أن «تجربة المواطن» تمثل أحد مصادر المعرفة الرئيسية إلى جانب البيانات الرسمية والرأي المتخصص.
اختيار المشاركين يستهدف تنوعًا حقيقيًا
وتراعي عملية تشكيل مجموعات المواطنين التنوع الجغرافي والعُمري والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي، إلى جانب اختلاف طبيعة تعامل المشاركين مع الخدمات والقطاعات محل النقاش.
ويستهدف هذا التنوع الوصول إلى تجارب متعددة بدل الاعتماد على منظور فئة واحدة، بحيث تعكس المناقشات الفوارق بين المحافظات والمناطق والفئات الأكثر والأقل قدرة على الوصول إلى الخدمات.
ويتيح الموقع الرسمي للمنتدى مشاركة طيف واسع من المجتمع، بينهم الطلاب وأولياء الأمور والمعلمون والعاملون في القطاعات الطبية والزراعية ورواد الأعمال وممثلو القطاع الخاص والمجتمع المدني، إلى جانب الخبراء والجامعات والبرلمانيين والأحزاب.
التعليم والصحة والحماية الاجتماعية تحت عين المواطن
وتختلف طبيعة المشاركة بحسب القضية محل النقاش ، ففي التعليم، يمكن دمج رؤى الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين والخريجين وجهات التشغيل لرصد الفجوات بين ما تقدمه المنظومة وما يحتاجه سوق العمل.
وفي الصحة، تستند المناقشات إلى تجارب المرضى وأسرهم ومقدمي الخدمات، بينما تركز ملفات الحماية الاجتماعية على تجارب المستفيدين والعوائق التي قد تواجه بعض الفئات في الوصول إلى برامج الدعم والخدمات.
وتشمل محاور المنتدى كذلك جودة حياة المواطن والتنمية الحضرية والعمرانية ومصر الرقمية والأمن الغذائي والمائي والطاقة والاستثمار والصناعة وفرص العمل وإدارة الدين والبرنامج الاقتصادي المصري حتى عام 2030.
الفئات الأقل حضورًا في النقاش العام تحصل على مساحة أكبر
وتعطي المنهجية اهتمامًا خاصًا للفئات التي قد لا تظهر احتياجاتها بصورة كافية في المؤشرات العامة أو النقاشات التقليدية، بما في ذلك سكان المناطق البعيدة والأشخاص ذوو الإعاقة والفئات التي تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات أو استخدام الوسائل الرقمية.
وتسمح مشاركة هذه الفئات برصد مشكلات مرتبطة بالوصول والجودة والتكلفة والإجراءات، وهي جوانب قد لا تظهر بوضوح عند الاكتفاء بقراءة المؤشرات الكلية.
ويعكس ذلك توجه المنتدى إلى قراءة التنمية من زاويتين متكاملتين: ما تقوله الأرقام عن الأداء، وما يقوله المواطن عن أثر هذا الأداء على حياته.
جلسات منظمة وليست استطلاعًا تقليديًا للرأي
وتدار جلسات المواطنين وفق إطار منظم يبدأ بتحديد القضية والأسئلة الرئيسية، ثم اختيار المشاركين، وإدارة الحوار من خلال أسئلة واضحة ومحايدة، وصولًا إلى توثيق الملاحظات والمقترحات وتحليل القضايا المتكررة ونقاط الاختلاف بين الفئات والمناطق.
ولا تستخدم نتائج هذه الجلسات باعتبارها بديلًا عن الاستطلاعات الإحصائية، إذ ينظر إليها بوصفها أداة نوعية لفهم الأسباب والتجارب التي تقف وراء الاتجاهات التي تظهرها البيانات الكمية.
ويعتمد المنتدى رسميًا على التكامل بين البيانات والمؤشرات الحكومية وتجربة المواطن والتحليل الذي يقدمه الخبراء والجامعات ومراكز الفكر والقطاعات المعنية.
من قياس الرأي إلى فهم أسباب المشكلات
وتكمن القيمة الرئيسية لهذه الآلية في الانتقال من سؤال «ماذا يحدث؟» إلى سؤال «لماذا يحدث؟».
فقد تظهر البيانات تحسنًا في مؤشر أو خدمة، لكن جلسات المواطنين يمكن أن تكشف عن فجوة في الوصول إليها أو عن مشكلة في الجودة أو الإجراءات أو التوزيع الجغرافي.
وبالمثل، قد تكشف المؤشرات الكلية عن تطور إيجابي في قطاع، بينما تشير تجارب فئات معينة إلى مشكلات تحتاج إلى تدخل أكثر استهدافًا.
ولهذا يضع المنتدى نتائج المشاركة المجتمعية إلى جانب الأرقام الرسمية والدراسات القطاعية ورؤى المتخصصين، بدل التعامل مع أي مصدر منفرد باعتباره صورة كاملة للواقع.
«مصر الرقمية» والصحة والتنمية الحضرية ضمن الملفات اليومية للمواطن
ويظهر ارتباط تجربة المواطن بمحاور المنتدى بصورة مباشرة في عدد من الملفات التي تمس الحياة اليومية.
فمحور «صحة المواطن» يتناول تطوير المنظومة الصحية وجودة الخدمات، بينما يناقش محور «مصر الرقمية» سهولة الحصول على الخدمات الإلكترونية والبنية الرقمية وقدرة المواطنين على الاستفادة منها.
كما تركز جلسات التنمية الحضرية والعمرانية على جودة الحياة والخدمات والبنية الأساسية، فيما يناقش محور الاقتصاد ملفات الطاقة والاستثمار والصناعة وفرص العمل وموارد الدولة وإدارة الدين.
نتائج المشاركة تدخل في صياغة أجندة المنتدى
ولا تتوقف وظيفة المشاركة عند جمع الآراء؛ إذ يوضح الإطار الرسمي للمنتدى أن مخرجات الحوار ستستخدم في صياغة أسئلة الجلسات وتحديد الأولويات وتقييم الفجوات، وصولًا إلى مقترحات مرتبطة بالخطوات المستقبلية.
ويستهدف المنتدى أن تنتهي الجلسات إلى مخرجات محددة توضّح القضية محل النقاش، وما تحقق بشأنها، والفجوات المتبقية، والإجراءات المقترحة لمعالجتها.
وقال المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء إن الحكومة تستهدف الوصول في ختام المنتدى إلى رؤية واضحة للتحرك المستقبلي تتضمن خططًا تنفيذية وقرارات محددة في الملفات المختلفة، استنادًا إلى ما يطرح خلال الجلسات وما تستقبله المنصة من آراء ومقترحات.
8 آلاف مشارك متوقعون والباب مفتوح أمام المصريين
وتشير الأرقام الأولية إلى اهتمام واسع بالمشاركة، بعدما تجاوز عدد طلبات المشاركة 2000 طلب خلال الدقائق الثلاث الأولى من إطلاق المنصة، بينما تتوقع الحكومة مشاركة نحو 8 آلاف شخص في جلسات المنتدى على مدار أيامه.
وفتحت المنصة الرسمية المجال أمام المواطنين والخبراء والمتخصصين لتسجيل آرائهم ومقترحاتهم بشأن القضايا المطروحة للنقاش، في إطار دعوة رئاسية لتوسيع دائرة المشاركة والحوار.
المنتدى يعيد تعريف المشاركة قبل انعقاد الجلسات
وبهذا النهج، تصبح مشاركة المواطن جزءًا من دورة إعداد المنتدى نفسها، وليس مجرد حضور رمزي للفعاليات.
فالمسار يبدأ من جمع التجارب والآراء، ثم تحليلها وربطها بالبيانات والمؤشرات، ثم إدخال النتائج إلى النقاشات المتخصصة، وصولًا إلى تحديد الأولويات والمسارات التنفيذية التي تستهدف معالجة الفجوات.
ومن المقرر أن يعقد «منتدى مصر 2026» في الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر، ضمن ستة أيام من المناقشات التي تتوزع بين بناء الإنسان، والتنمية وجودة الحياة، والحماية والأمان المجتمعي، والاقتصاد، وشواغل الرأي العام، على أن تختتم الفعاليات بالجلسة الختامية للمنتدى.
المواطن يصبح مصدرًا للبيانات وليس متلقيًا للخدمة فقط
ويقدم هذا النموذج محاولة لربط السياسة العامة بتجربة المستفيد منها، عبر الجمع بين البيانات الكمية والخبرة اليومية للمواطن والتحليل المتخصص.
وبالتالي، فإن القيمة الأهم لمشاركة المواطنين في «منتدى مصر 2026» لا تتمثل فقط في زيادة عدد المشاركين، وإنما في بناء قاعدة أكثر تنوعًا من المعلومات حول ما تحقق، وما لم يتحقق، وأسباب الفجوات، وما ينبغي استكماله أو تطويره خلال المرحلة المقبلة.










