الذهب أمام اختبار الـ4300 دولار.. الفيدرالي بين رفع الفائدة وفخ الديون

دخل الذهب أسبوعًا حاسمًا وهو يختبر منطقة دعم جديدة قرب 4300 دولار للأونصة، في وقت تقترب فيه الأسواق من اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي يومي 15 و16 سبتمبر، وسط توقعات متزايدة برفع أسعار الفائدة.

ورغم أن المعدن النفيس أنهى الأسبوع منخفضًا، فإن قدرته على البقاء فوق مستويات الدعم، ثم ارتداده في تعاملات الجمعة، تكشف أن المستثمرين لا يتعاملون مع رفع الفائدة باعتباره نهاية قصة الذهب.

وارتفع الذهب الفوري خلال تعاملات الجمعة إلى نحو 4363 دولارًا للأونصة، بعدما كان قد تعرض لضغوط قوية في الجلسات السابقة، بينما ظل منخفضًا بنحو 1.5% خلال الأسبوع.

التضخم يضع الفيدرالي أمام قرار صعب

جاءت بيانات التضخم الأمريكية الأخيرة لتزيد الضغط على صناع السياسة النقدية.

وسجل مؤشر أسعار المستهلكين ارتفاعًا بنسبة 3.4% على أساس سنوي في أغسطس، بينما ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، بنحو 2.4%.

ورغم أن التضخم لم يتسارع سنويًا مقارنة بيوليو، فإنه لا يزال أعلى بوضوح من هدف الفيدرالي البالغ 2%.

وبعد صدور البيانات، قفزت توقعات الأسواق لرفع الفائدة في اجتماع سبتمبر إلى ما يقرب من 90% وفق بعض مؤشرات التسعير، بينما أظهرت تقديرات أخرى احتمالات في نطاق 85–87%.

وهذا يعني أن الأسواق باتت تتعامل مع رفع بمقدار 25 نقطة أساس باعتباره السيناريو الأرجح، وإن لم يصبح القرار محسومًا رسميًا بعد.

لماذا لم ينهَر الذهب رغم توقعات رفع الفائدة؟

عادةً ما يمثل ارتفاع أسعار الفائدة ضغطًا على الذهب، لأن المعدن لا يدر عائدًا، بينما تصبح السندات والأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية.

لكن المعادلة الحالية أكثر تعقيدًا.

فالذهب لا يتحرك فقط وفق توقعات الفائدة، وإنما يتأثر أيضًا بالدولار، وعوائد سندات الخزانة، ومشتريات البنوك المركزية، وتدفقات صناديق الاستثمار المتداولة، إضافة إلى المخاطر الجيوسياسية.

ولهذا، فإن بقاء الذهب فوق منطقة 4300 دولار رغم ارتفاع رهانات التشديد النقدي يمثل إشارة مهمة للمستثمرين.

الديون الأمريكية تفتح جبهة ثانية

المشكلة الأكبر بالنسبة إلى الفيدرالي لا تتعلق بالتضخم وحده.

فارتفاع الدين الحكومي الأمريكي وعوائد سندات الخزانة يضعان السياسة النقدية أمام معادلة صعبة؛ إذ يؤدي رفع الفائدة إلى زيادة تكلفة الاقتراض الحكومي، بينما قد يؤدي إبقاء السياسة أكثر تشددًا لفترة أطول إلى استمرار الضغط على سوق السندات.

وتقترب عوائد السندات طويلة الأجل من مستويات مرتفعة، مع تجاوز عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات مستويات لم يشهدها السوق منذ سنوات، ما يزيد حساسية المستثمرين تجاه مسار الدين الأمريكي.

وهنا تظهر المفارقة: الفيدرالي يريد خفض التضخم، لكن رفع الفائدة يزيد في الوقت نفسه تكلفة خدمة الدين.

الذهب يجد دعمًا من أزمة السندات

يرى عدد من المحللين أن هذه المعادلة قد تكون في النهاية داعمة للذهب.

فإذا رفع الفيدرالي الفائدة، فقد يتعرض الذهب لضغط قصير الأجل بسبب ارتفاع العوائد والدولار.

أما إذا أصبح صانعو السياسة أكثر حذرًا بسبب الديون وسوق السندات، فقد تعود مخاوف التضخم وضعف العملة إلى دعم المعدن النفيس.

ولهذا، فإن حركة الذهب بعد قرار الفيدرالي ستكون مرتبطة ليس فقط بـقرار الفائدة نفسه، وإنما برسالة البنك المركزي بشأن ما سيحدث بعد سبتمبر.

هل يصبح الهبوط فرصة شراء؟

يرى محللون أن أي تراجع جديد للذهب قد يكون محدودًا إذا ظلت العوامل طويلة الأجل الداعمة للمعدن قائمة.

ومن بين هذه العوامل استمرار مشتريات البنوك المركزية، واحتمال تراجع الدولار مستقبلًا، وعودة التدفقات الاستثمارية إلى صناديق الذهب، إلى جانب استمرار المخاطر الجيوسياسية.

وبالتالي، فإن كسر مستوى 4300 دولار بشكل مؤقت قد لا يعني بالضرورة تغير الاتجاه طويل الأجل، بينما سيكون الثبات فوقه أكثر أهمية في تحديد ما إذا كان الهبوط الحالي مجرد تصحيح أم بداية موجة أعمق.

بنك اليابان قد يزيد تقلبات الأسواق

ولا يتوقف الأسبوع المقبل عند الفيدرالي الأمريكي.

فبعد اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي، تترقب الأسواق قرار بنك إنجلترا، ثم قرار بنك اليابان، وسط توقعات بأن يبقي بنك إنجلترا سعر الفائدة عند 3.75%، بينما تراقب الأسواق احتمال رفع بنك اليابان للفائدة.

ويحظى الين بأهمية خاصة بالنسبة للأسواق العالمية؛ لأن أي ارتفاع قوي للعملة اليابانية قد يدفع المستثمرين إلى إعادة ترتيب مراكزهم في ما يعرف بتجارة الين، وهو ما يمكن أن يمتد تأثيره إلى الأسهم والسندات والأصول ذات المخاطر، وربما الذهب أيضًا.

ماذا يراقب المستثمرون الأسبوع المقبل؟

تتركز الأنظار يوم الأربعاء على مبيعات التجزئة الأمريكية وقرار الفيدرالي، بينما تحمل الأسواق يوم الخميس مجموعة من البيانات المهمة، بينها قرار بنك إنجلترا وطلبات إعانة البطالة الأمريكية وبيانات التصنيع والإسكان.

لكن بالنسبة إلى الذهب، يبقى السؤال الأكبر واضحًا:

هل يستطيع الفيدرالي رفع الفائدة دون أن يرسل سوق السندات إشارة أقوى بشأن مخاطر الدين؟

الإجابة قد تحدد مسار الذهب بعد منطقة 4300 دولار.

فإذا جاء القرار متشددًا مع لهجة قوية بشأن التضخم، قد يتعرض المعدن لضغط إضافي على المدى القصير.

أما إذا بدا الفيدرالي أكثر حذرًا بشأن دورة الرفع المقبلة، فقد يجد الذهب مساحة جديدة لاستعادة قوته، خصوصًا إذا استمر الدولار في الضعف وعادت التدفقات الاستثمارية إلى المعدن.

وبذلك، لا تبدو معركة الذهب في الأسبوع المقبل مجرد مواجهة مع سعر الفائدة، بل اختبارًا أوسع للثقة في قدرة السياسة النقدية الأمريكية على الموازنة بين التضخم، والدين، وسوق السندات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى