الذهب يقترب من 4500 دولار.. خفض عوائد السندات يفتح الطريق لموجة صعود جديدة

استقرت أسعار الذهب قرب أعلى مستوياتها في أكثر من شهرين، بعدما لامس المعدن النفيس 4527.67 دولارًا للأوقية خلال تعاملات الخميس، مستفيدًا من تراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وضعف الدولار، بعد إعلان وزارة الخزانة الأمريكية زيادة حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل.

وتحولت هذه الخطوة إلى عامل دعم مباشر للذهب، بعدما ساعدت في دفع عوائد السندات طويلة الأجل إلى الانخفاض، في الوقت الذي تترقب فيه الأسواق اتجاهات السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي وسط استمرار المخاوف بشأن التضخم والدين الأمريكي.

الذهب يستعيد مستوى 4500 دولار

بحلول الساعة 22:37 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، تراجع الذهب الفوري بنسبة 0.7% إلى 4491.35 دولارًا للأوقية، بعد أن سجل خلال الجلسة أعلى مستوى عند 4527.67 دولارًا.

وفي المقابل، ارتفعت العقود الآجلة للذهب بنسبة 0.1% إلى 4548.51 دولارًا للأوقية.

ويعني ذلك أن الذهب أصبح على مسافة قريبة جدًا من مستوى 4500 دولار، بعد موجة صعود قوية تجاوزت 4% خلال جلسة الأربعاء.

وهنا تكمن أهمية الحركة الحالية؛ فالذهب لا يصعد هذه المرة بسبب عامل واحد، وإنما يستفيد من تزامن ثلاثة عوامل: انخفاض عوائد السندات، ضعف الدولار، وتجدد المخاوف المالية والجيوسياسية.

الخزانة الأمريكية تمنح الذهب دفعة غير مباشرة

جاء المحفز الأبرز من وزارة الخزانة الأمريكية، التي أعلنت زيادة حجم بعض عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل.

وتضاعف حجم بعض عمليات إعادة الشراء من 2 مليار دولار إلى 4 مليارات دولار للعملية الواحدة، مستهدفًا سندات ذات آجال تتراوح بين 10 و30 عامًا.

وأدى الإعلان إلى زيادة الطلب على السندات طويلة الأجل، ما ساعد على دفع عوائدها إلى الانخفاض.

وتكمن أهمية هذه الخطوة بالنسبة للذهب في طبيعة العلاقة العكسية بين عوائد السندات والمعدن النفيس.

فالذهب أصل لا يدفع فائدة دورية. لذلك عندما ترتفع عوائد السندات تصبح تكلفة الاحتفاظ بالذهب أعلى نسبيًا، بينما يؤدي انخفاض العوائد إلى تقليل هذه التكلفة وجعل المعدن أكثر جاذبية للمستثمرين.

40 تريليون دولار دين أمريكي.. والذهب يقرأ الخطر من زاوية أخرى

لا تتحرك أسواق الذهب بمعزل عن المخاوف المتعلقة بالمالية العامة الأمريكية.

فقد تجاوز إجمالي الدين الحكومي الأمريكي 40 تريليون دولار، وهو مستوى يعيد إلى الواجهة مخاوف المستثمرين بشأن تكلفة خدمة الدين، وزيادة احتياجات الاقتراض، واستدامة المالية العامة.

وهنا تظهر مفارقة مهمة.

فارتفاع العوائد عادة يمثل ضغطًا على الذهب، لكن القلق من ارتفاع الدين الحكومي قد يدفع المستثمرين في الوقت نفسه إلى زيادة الطلب على الأصول التي يُنظر إليها باعتبارها أدوات للتحوط من المخاطر المالية والنقدية.

وبالتالي، فإن ارتفاع العوائد يمكن أن يضغط على الذهب من ناحية، بينما تدفع المخاوف المتعلقة بالدين الأمريكي والمالية العامة المستثمرين إلى المعدن من ناحية أخرى.

الدولار يضيف وقودًا جديدًا لصعود الذهب

ساهم ضعف الدولار كذلك في دعم أسعار الذهب.

فعندما تتراجع قيمة العملة الأمريكية يصبح الذهب المقوم بالدولار أقل تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، وهو ما قد يعزز الطلب العالمي على المعدن.

وتراجع مؤشر الدولار خلال جلسة الأربعاء إلى مستويات قرب 98.80 قبل أن يتعافى بصورة محدودة، وهو ما منح الذهب مساحة إضافية للصعود.

الفيدرالي لم يتحول إلى الحمائم

لكن الصورة ليست صعودية بالكامل.

فمحضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لشهر يوليو كشف استمرار المخاوف بشأن التضخم، مع استعداد عدد من مسؤولي البنك لرفع أسعار الفائدة إذا لم يتراجع التضخم باتجاه مستهدف 2%.

وتشير تسعيرات الأسواق إلى احتمال يبلغ نحو 67.3% لإبقاء الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير في سبتمبر، مقابل 32.7% لاحتمال رفعها.

وهذا يعني أن السوق لم ينتقل إلى سيناريو تيسير نقدي كامل، بل أصبح أكثر توازنًا بين احتمال استمرار الفائدة المرتفعة واحتمال تحول السياسة لاحقًا نحو الخفض.

وهذه نقطة مهمة بالنسبة للذهب: المعدن يصعد رغم أن الفيدرالي لم يقدم بعد إشارة واضحة إلى خفض الفائدة.

البنوك المركزية تحافظ على الطلب طويل الأجل

ولا يعتمد صعود الذهب على حركة المضاربين فقط.

فالبنوك المركزية تظل أحد أهم مصادر الطلب الهيكلي على المعدن، خصوصًا مع استمرار المخاوف بشأن التضخم والمخاطر الجيوسياسية والمالية.

وأظهر استطلاع لمجلس الذهب العالمي أن 45% من البنوك المركزية التي شملها الاستطلاع تخطط لزيادة حيازاتها من الذهب.

ويمنح هذا الطلب الذهب قاعدة دعم تختلف عن الطلب الاستثماري قصير الأجل، لأنه يرتبط بإدارة الاحتياطيات وتنويع الأصول وتقليل الاعتماد على بعض أدوات الدين والعملات الرئيسية.

4500 دولار.. المقاومة التي تراقبها الأسواق

فنيًا، أصبحت منطقة 4500 دولار نقطة محورية في حركة الذهب.

وإذا تمكن المعدن من الحفاظ على تداولاته فوق هذه المنطقة، فإن ذلك قد يعزز فرص استمرار الاتجاه الصعودي، خصوصًا بعد نجاحه في استعادة مستويات أعلى بكثير من قاعه الأخير قرب 4000 دولار.

ويشير محللون إلى أن تجاوز القمة الأخيرة قرب 4527 دولارًا سيكون أكثر أهمية من مجرد الاقتراب من مستوى 4500 دولار، لأنه سيعطي إشارة أقوى على استمرار الزخم الصعودي.

وفي المقابل، فإن فشل الذهب في تثبيت مكاسبه فوق هذه المنطقة قد يدفع المستثمرين إلى جني الأرباح، خصوصًا بعد الارتفاع الحاد الذي شهده المعدن خلال الجلسات الأخيرة.

النفط يضع الذهب أمام معادلة معقدة

وتظل أسعار النفط أحد المتغيرات التي يمكن أن تقلب المعادلة.

فارتفاع النفط بسبب التوترات الجيوسياسية يرفع الطلب على الذهب كملاذ آمن، لكنه في الوقت نفسه قد يعيد إشعال التضخم.

وإذا استمر ارتفاع أسعار الطاقة، فقد يصبح الفيدرالي أكثر حذرًا بشأن خفض أسعار الفائدة، وهو ما يمثل عامل ضغط على الذهب.

لذلك فإن التوترات الجيوسياسية تحمل تأثيرًا مزدوجًا على المعدن: تدعم الطلب على الملاذ الآمن، لكنها قد ترفع التضخم والعوائد وتضغط على الذهب لاحقًا.

ماذا يعني ذلك للمستثمرين؟

التحرك الحالي للذهب يحمل رسالة أهم من مجرد ارتفاع السعر.

فالمعدن أصبح يتلقى دعمًا من تراجع عوائد السندات، وضعف الدولار، ومخاوف الدين الأمريكي، وطلب البنوك المركزية، والمخاطر الجيوسياسية، في حين يواجه مقاومة من التضخم وأسعار النفط واحتمالات استمرار الفائدة المرتفعة.

ولهذا فإن اختبار 4500 دولار لن يكون مجرد مستوى فني، بل اختبارًا لقدرة الذهب على الحفاظ على الزخم في بيئة نقدية ومالية شديدة التعقيد.

المعادلة الأهم خلال الفترة المقبلة: إذا استمرت عوائد السندات في التراجع، وظل الدولار ضعيفًا، واستمر الطلب الرسمي على الذهب، فقد تتحول منطقة 4500 دولار من مقاومة إلى قاعدة جديدة للصعود.

أما إذا عاد التضخم إلى التسارع وارتفعت العوائد مجددًا، فقد يجد الذهب نفسه أمام موجة جني أرباح قوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى