ذهب عيار 21 بنقاء 760.. «مرصد الذهب» يكشف أزمة تهدد مدخرات السوريين

كشف «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» عن أزمة تتجاوز حدود الغش في بعض المشغولات الذهبية بالسوق السورية، لتطال قيمة جزء من المخزون القديم المتداول، بعدما أظهرت عمليات فحص وجود قطع مدموغة على أنها عيار 21 قيراطًا، بينما بلغ مستوى نقائها في بعض الحالات نحو 760 جزءًا من الألف، مقابل 875 جزءًا يفترض توافرها في هذا العيار.
وأوضح المرصد أن خطورة المشكلة لا تتوقف عند بيع قطعة بعيار أقل من المعلن، وإنما تمتد إلى استمرار تداولها لسنوات وانتقالها بين المواطنين والصاغة، أو دخولها مجددًا في عمليات الصهر وإعادة التصنيع.
من 875 إلى 760.. خسارة مباشرة في محتوى الذهب
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن العيار يمثل قيمة مالية حقيقية وليس مجرد رقم محفور على المشغولة، لأن المشتري يدفع مقابل كمية محددة من الذهب الخالص داخل كل جرام.
ويحتوي الذهب عيار 21 نظريًا على 875 جزءًا من الذهب الخالص لكل ألف جزء، بينما يعني نقاء 760 وجود فجوة تبلغ 115 جزءًا من الألف، وهو مستوى يقترب من عيار 18 الذي تبلغ درجة نقائه 750 جزءًا.
وبحسب حسابات المرصد، فإن قطعة تزن 100 جرام ومباعة باعتبارها عيار 21 يفترض أن تحتوي على 87.5 جرام من الذهب الخالص.
لكن عند وصول درجة النقاء إلى 760 جزءًا من الألف، فإن محتوى الذهب الخالص ينخفض إلى 76 جرامًا فقط، بفارق يبلغ 11.5 جرام من الذهب الخالص في كل 100 جرام من المشغولات.
ويعني ذلك أن حامل القطعة حصل فعليًا على كمية من الذهب الخالص تقل بنحو 13.1% عن الكمية المفترضة في عيار 21.
وتستند حالة النقاء عند مستوى 760 إلى تصريحات محمود النمر، رئيس الجمعية الحرفية للصياغة وصنع المجوهرات في دمشق، الواردة في تحقيق استقصائي نشرته «درج» بالتعاون مع الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية «سراج».
المشكلة ليست ذهبًا مزيفًا بالكامل
يشير «مرصد الذهب» إلى ضرورة التمييز بين الذهب المزيف والتلاعب في العيار.
فالقطعة التي تبلغ درجة نقائها 760 لا تخلو من الذهب الحقيقي، لكن المشكلة تكمن في أنها بيعت وسُعرت وتداولها السوق باعتبارها ذات نقاء أعلى من محتواها الفعلي.
وتزداد خطورة هذا النوع من التلاعب عندما تحمل القطعة دمغة، لأن المستهلك يتعامل معها باعتبارها دليلًا على أن جهة مختصة قامت بفحص العيار والتأكد من مطابقته للمواصفات.
13 طنًا من الذهب الخام و7 أطنان مشغولات
وتكتسب القضية أهمية اقتصادية أكبر بالنظر إلى حجم النشاط في السوق السورية.
وأعلنت الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة في سوريا إدخال 13 طنًا من الذهب الخام إلى البلاد منذ الأول من فبراير 2025، إلى جانب إنتاج أكثر من 7 أطنان من المشغولات الذهبية محليًا خلال العام نفسه.
ويكشف هذا الحجم عن حساسية أي انحراف في نسب النقاء، حتى وإن كان محدودًا، عند انتقاله من مستوى القطعة الفردية إلى كميات كبيرة من المشغولات.
فإذا انخفض متوسط النقاء بمقدار جزء واحد فقط من الألف في 7 أطنان من المشغولات، فإن الفارق الحسابي يعادل نحو 7 كيلوجرامات من الذهب الخالص.
أما الفارق بين 875 و760 فيعادل 115 جرامًا من الذهب الخالص لكل كيلوجرام من المشغولات إذا افترضنا أن الكمية بالكامل تعاني الفجوة نفسها.
ويؤكد المرصد أن هذه الحسابات لا تعني أن إجمالي إنتاج السوق السورية يعاني هذه النسبة من التلاعب، إذ لا توجد بيانات رسمية منشورة تسمح بتحديد نسبة المشغولات المخالفة إلى إجمالي السوق.
عشرات الكيلوجرامات من الذهب القديم تحت الاختبار
وتحدث التحقيق الاستقصائي عن تقديرات مهنية تشير إلى تداول عشرات الكيلوجرامات من الذهب منخفض العيار خلال سنوات سابقة، كما تضمنت إحدى الشهادات تقديرًا بدخول نحو 50 كيلوجرامًا من الليرات والأونصات والمشغولات المخالفة إلى السوق خلال عام 2013.
ولا يعتبر «مرصد الذهب» رقم 50 كيلوجرامًا إحصاءً رسميًا لحجم الظاهرة، باعتباره قائمًا على شهادة مهنية وليس حصرًا رسميًا للسوق.
لكن الرقم يوضح حجم المخاطر المحتملة؛ فإذا افترضنا لأغراض القياس فقط أن 50 كيلوجرامًا بيعت بنقاء 760 بدلًا من 875، فإن الفارق في محتوى الذهب الخالص سيصل حسابيًا إلى 5.75 كيلوجرام.
الدمغة القديمة تفتح بابًا جديدًا للرقابة
وتشير التطورات التنظيمية في سوريا إلى أن ملف الدمغات أصبح أحد المحاور الرئيسية لإعادة ضبط سوق الذهب.
وأعلنت الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة إجراءات لتنظيم السوق ورفع سوية العيارات، فيما واصلت عمليات الرقابة والفحص والدمغ ومتابعة منشآت ومحال الصاغة.
كما اتجهت السلطات إلى توسيع الرقابة المؤسسية على القطاع، إذ صدر قرار في يونيو 2026 بإحداث فروع للهيئة في المحافظات، تتولى من بين مهامها فحص ودمغ المعادن الثمينة والرقابة على منشآت ومحال الصاغة.
وتكشف هذه الإجراءات عن انتقال الرقابة من مجرد الاعتماد على وجود الدمغة إلى منظومة أوسع تشمل فحص العيار ومتابعة مصادر المشغولات وتحميل الصائغ مسؤولية الذهب الموجود داخل محله.
قواعد جديدة لحماية الذهب المستعمل
وفي مايو 2026، أصدرت الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة ضوابط جديدة لتنظيم عمليات بيع وشراء الذهب، من بينها منع بيع المشغولات الذهبية المستعملة قبل التأكد من عيارها، ولا سيما الأوزان الثقيلة والمسكوكات، مع تحميل الصائغ المسؤولية عن العيارات الموجودة داخل محله.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة للذهب القديم، لأن المشغولة لا تنتهي دورتها الاقتصادية عند بيعها للمستهلك الأول.
فالذهب قد يعود بعد سنوات إلى الصائغ، ثم يدخل في عمليات صهر وإعادة تصنيع، وهو ما يعني أن أي خلل قديم في العيار يمكن أن ينتقل إلى دورة تداول جديدة إذا لم يتم اكتشافه.
الخسارة تظهر عند إعادة البيع
وأوضح فاروق أن الخسارة الفعلية للذهب منخفض العيار تظهر بصورة أكبر عند محاولة إعادة بيعه، لأن محتوى الذهب الحقيقي يصبح العامل الأساسي في تحديد القيمة.
فالمستهلك الذي اشترى قطعة باعتبارها عيار 21 ثم اكتشف لاحقًا أن نقاءها يقترب من عيار 18 لا يواجه خسارة ناتجة عن تراجع سعر الذهب، وإنما يكتشف أن كمية الذهب الخالص التي امتلكها منذ البداية كانت أقل من الكمية التي دفع ثمنها.
وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا في حال فقدان فاتورة الشراء أو توقف المتجر عن العمل أو تعذر تحديد الجهة المنتجة للمشغولة.
«جواز سفر» إلكتروني لكل قطعة ذهب
ويرى «مرصد الذهب» أن تطوير أجهزة الفحص والدمغ بالليزر خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى منظومة تتبع أكثر شمولًا للتعامل مع المخزون القديم.
ويقترح المرصد إنشاء قاعدة بيانات مركزية للدمغات تربط كل دفعة إنتاج بالورشة المصنعة وتاريخ الفحص ونتيجة تحليل العيار، مع تخصيص رقم تسجيل يمكن التحقق منه إلكترونيًا.
ومن شأن هذه الآلية تحويل الدمغة من مجرد علامة على المشغولة إلى هوية قابلة للتتبع، بما يعزز الثقة ويحد من فرص انتقال المشغولات غير المطابقة بين حلقات السوق.
كما يقترح المرصد إتاحة مسار اختياري لفحص المشغولات والليرات القديمة لدى جهات معتمدة، مع منح صاحب القطعة شهادة بنتيجة الفحص دون إلزامه ببيع الذهب أو صهره.
لا توجد نسبة رسمية لحجم الذهب المخالف
ويؤكد «مرصد الذهب» أن الرقم الأهم الذي لا يزال غائبًا عن السوق السورية هو نسبة المشغولات المخالفة إلى إجمالي الذهب الذي خضع للفحص.
ورغم إعلان الجهات الرسمية اكتشاف مخالفات واتخاذ إجراءات تنظيمية ورقابية، فإن البيانات المنشورة لا تقدم حتى الآن حصرًا شاملًا يوضح وزن المشغولات المخالفة، وعدد القطع التي ثبت انخفاض عيارها، ومتوسط الانحراف عن العيارات القانونية.
ولهذا، لا يمكن مهنيًا تعميم حالة النقاء عند 760 جزءًا من الألف على جميع المشغولات القديمة في سوريا، كما لا يمكن القول إن نسبة محددة من الذهب السوري «مغشوش» دون بيانات إحصائية رسمية.
من الدمغة إلى الثقة
وتشير الإجراءات التي اتخذتها الهيئة خلال الفترة الماضية إلى أن إعادة تنظيم سوق الذهب السوري تتجه نحو بناء منظومة رقابية أكثر شمولًا، تشمل الفحص والدمغ والترخيص ومراقبة عمليات البيع والشراء.
ويرى «مرصد الذهب» أن قيمة الذهب لا ترتبط بارتفاع سعره فقط، وإنما بثقة المستهلك في أن كل جرام يشتريه يحتوي بالفعل على كمية الذهب التي دفع مقابلها.
ويظل التحدي الأكبر أمام السوق السورية هو التعامل مع المخزون القديم الذي دخل بالفعل في دورة التداول، ومنع انتقال المشغولات منخفضة العيار إلى أجيال جديدة من المشترين دون اكتشاف حقيقتها.
ويقول المرصد إن تقييم نجاح منظومة الرقابة الجديدة يتطلب نشر ثلاثة مؤشرات بصورة دورية: كمية الذهب التي خضعت للفحص، وكمية المشغولات المرفوضة بسبب العيار، ومتوسط الانحراف عن العيارات القانونية.
وعند توافر هذه البيانات، يمكن الانتقال من مجرد إثبات وجود مخالفات في سوق الذهب السورية إلى قياس حجم الظاهرة بدقة، ومعرفة مدى نجاح الإجراءات الجديدة في معالجة إرث المشغولات القديمة وحماية مدخرات المواطنين.









