رغم رهان 90% على رفع الفائدة.. الذهب يتمسك بـ4300 دولار

يختتم الذهب أسبوعًا جديدًا في المنطقة السلبية، وسط استعداد المستثمرين لقرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن أسعار الفائدة الأسبوع المقبل، في وقت يراهن فيه السوق بقوة على رفع الفائدة.

ورغم الضغوط، أظهر الذهب قدرة على الصمود عند مستوى دعم جديد قرب 4300 دولار للأوقية، ما دفع بعض المحللين إلى التساؤل عما إذا كانت الأسواق قد استوعبت بالفعل جزءًا كبيرًا من مخاطر التشديد النقدي.

وسجل الذهب الفوري نحو 4354.90 دولار للأوقية في أحدث تعاملاته، منخفضًا بنحو 1.7% خلال الأسبوع.

90% من الأسواق تراهن على رفع الفائدة

تأتي الضغوط على الذهب في وقت رفعت فيه الأسواق احتمالات زيادة أسعار الفائدة الأمريكية خلال اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المرتقب.

ووفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة بورصة شيكاغو، تقترب احتمالات رفع الفائدة الأسبوع المقبل من 90%.

ويستند هذا الرهان بصورة أساسية إلى استمرار التضخم الأمريكي أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.

وقال كريس زاكاريلي، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة نورثلايت لإدارة الأصول، إن عدم رفع الفائدة الأسبوع المقبل ليس مستبعدًا، لكنه يرى صعوبة في تبرير الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في ظل مستويات التضخم الحالية.

التضخم لا يزال أعلى من هدف الفيدرالي

وأظهرت بيانات أسعار المستهلكين لشهر أغسطس ارتفاع التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، بنسبة 2.4% خلال الاثني عشر شهرًا الماضية.

كما ارتفع التضخم الرئيسي بنسبة 3.4% على أساس سنوي، دون تغيير عن مستوى يوليو.

وتضع هذه المستويات الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة صعبة، إذ يتعين عليه التعامل مع التضخم المرتفع دون تجاهل المخاطر المتزايدة التي تواجه الاقتصاد وسوق السندات.

ويرى بعض الاقتصاديين أن بيانات التضخم الأخيرة تجعل خفض أسعار الفائدة أكثر صعوبة، بل وتمنح صناع السياسة مبررًا إضافيًا للتشديد.

الذهب يجد سندًا في أزمة الديون الأمريكية

لكن معادلة الذهب لا تتوقف عند التضخم وأسعار الفائدة.

فارتفاع الدين الحكومي الأمريكي بدأ يفرض ضغوطًا متزايدة على سوق سندات الخزانة، بينما استقرت العوائد عند مستويات مرتفعة، مقتربة من 5%.

وجاء ذلك رغم شراء وزارة الخزانة الأمريكية سندات طويلة الأجل بأكثر من 5 مليارات دولار يوم الخميس.

وتزامنت هذه التطورات مع تجاوز الدين الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار، ما أعاد المخاوف المتعلقة بالاستدامة المالية إلى واجهة الأسواق.

سوق السندات يضع الفيدرالي أمام معادلة صعبة

ويرى جيف سارتي، الرئيس التنفيذي لشركة «مورتون ويلث»، أن الوضع المالي الأمريكي يحد من قدرة الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة بقوة.

ويعتبر سارتي أن استمرار ارتفاع التضخم قد يصبح أكثر ترجيحًا مع تدهور الوضع المالي، بينما ترسل سوق السندات إشارة واضحة بشأن حجم المخاطر.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية بالنسبة للذهب، لأن ارتفاع العوائد عادة ما يرفع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن النفيس.

لكن استمرار المخاوف بشأن الدين والعجز المالي قد يدفع المستثمرين في الاتجاه المقابل، عبر زيادة الطلب على الأصول التي ينظر إليها باعتبارها أدوات للتحوط من مخاطر العملات والاضطرابات المالية.

لماذا لم ينهَر الذهب رغم توقعات رفع الفائدة؟

يرى نعيم أسلم، كبير مسؤولي الاستثمار في «زي كابيتال ماركتس»، أن الذهب لا يزال يحظى بدعم قوي، في ظل تزايد التساؤلات حول قدرة السياسة النقدية وحدها على معالجة المخاطر الاقتصادية والمالية.

وتعكس هذه الرؤية تحولًا مهمًا في طبيعة سوق الذهب.

فرفع الفائدة يمثل عامل ضغط مباشر على المعدن، لكن تزايد المخاطر المالية والجيوسياسية قد يعمل في الاتجاه المعاكس.

وبالتالي، فإن السؤال لم يعد فقط: هل سيرفع الفيدرالي الفائدة؟ وإنما أصبح: ماذا سيحدث لسوق السندات والدولار والديون الأمريكية بعد قرار الفائدة؟

«الضعف فرصة شراء».. محللون لا يتوقعون انهيار الذهب

وقال ريان مكاي، مدير استراتيجية السلع في «تي دي سيكيورتيز»، إن مخاطر انخفاض الذهب تتزايد قبل قرار السياسة النقدية، لكنه توقع أن يكون التراجع محدودًا.

ويرى مكاي أن البيانات القوية ولهجة الفيدرالي المتشددة قد تؤدي إلى عمليات بيع قصيرة الأجل، لكنها لن تلغي العوامل الداعمة للذهب على المدى الطويل.

وتشمل هذه العوامل احتمال تجدد انخفاض الدولار، وارتفاع مشتريات البنوك المركزية، وعودة التدفقات إلى صناديق الذهب المتداولة.

وبناءً على ذلك، يرى أن أي ضعف قصير الأجل في سعر الذهب قد يتحول إلى فرصة شراء للمستثمرين.

4300 دولار.. مستوى الدعم الذي يراقبه السوق

وتكتسب منطقة 4300 دولار أهمية خاصة في الوقت الحالي، بعد أن أصبحت نقطة اختبار لقدرة الذهب على امتصاص صدمة إعادة تسعير توقعات الفائدة.

وفي حال حافظ المعدن على التداول أعلى هذا المستوى، فقد يعني ذلك أن جزءًا كبيرًا من توقعات التشديد النقدي أصبح محسوبًا بالفعل داخل الأسعار.

أما كسر مستوى 4300 دولار بصورة حاسمة، فقد يفتح الباب أمام موجة تصحيح أعمق، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع استمرار ارتفاع الدولار وعوائد السندات.

حتى رفع الفائدة قد لا يكون صدمة للذهب

ويرى ريان ماكنتاير، رئيس شركة «سبورت»، أن الاحتياطي الفيدرالي قد يفضل الانتظار، خاصة مع وجود عوامل تضخمية مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب المستمرة مع إيران.

لكن ماكنتاير يرى في الوقت نفسه أن الذهب أصبح مستعدًا إلى حد كبير لسيناريو رفع الفائدة.

فمع تراجع السعر إلى ما دون 4400 دولار، أصبحت زيادة الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس جزءًا كبيرًا من توقعات السوق.

وهذا يعني أن تأثير القرار على الذهب قد يعتمد بدرجة أكبر على لهجة الفيدرالي وتوقعاته المستقبلية، وليس على قرار رفع الفائدة وحده.

اليابان تضيف خطرًا جديدًا على الأسواق العالمية

ولا يقتصر جدول الأسبوع المقبل على الاحتياطي الفيدرالي.

فبعد قرار الفيدرالي، يترقب المستثمرون قرار بنك إنجلترا، بينما يأتي قرار بنك اليابان قبل عطلة نهاية الأسبوع.

وتتوقع الأسواق رفع بنك اليابان أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس.

وحذر آدم تورنكويست، كبير الاستراتيجيين الفنيين في «إل بي إل فاينانشال»، من تداعيات ارتفاع الفائدة اليابانية على الأسواق العالمية.

ويراقب المستثمرون بصورة خاصة حركة الدولار مقابل الين ومستوى الدعم قرب 152 ينًا للدولار.

وقد يؤدي كسر هذا المستوى إلى تسارع صعود الين وزيادة مخاطر تصفية مراكز «تجارة الين»، بما قد يمتد تأثيره إلى سندات الخزانة الأمريكية وبقية الأصول العالمية.

الذهب أمام أسبوع حاسم

يدخل الذهب الأسبوع المقبل أمام اختبار مزدوج.

الاختبار الأول يتعلق بقرار الاحتياطي الفيدرالي ومدى تشدده في مواجهة التضخم.

أما الاختبار الثاني فيتعلق بقدرة الذهب على الحفاظ على مستوى 4300 دولار رغم ارتفاع العوائد والدولار.

ويبدو أن السوق بات مستعدًا إلى حد كبير لرفع الفائدة، وهو ما يقلل احتمالات حدوث صدمة كبيرة إذا جاء القرار متوافقًا مع التوقعات.

لكن المفاجأة الحقيقية قد تأتي من لهجة الفيدرالي، أو من أي إشارات بشأن مسار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.

وفي المقابل، فإن استمرار المخاوف بشأن الدين الأمريكي وسوق السندات، إلى جانب مشتريات البنوك المركزية وتدفقات صناديق الذهب، قد يمنح المعدن دعمًا يتجاوز تأثير الفائدة على المدى الطويل.

وبذلك يصبح مستوى 4300 دولار أكثر من مجرد رقم فني؛ فهو يمثل حاليًا نقطة التقاء بين رهانات رفع الفائدة الأمريكية ومخاوف الديون والعوائد، وسيكون الحفاظ عليه مؤشرًا مهمًا على مدى قوة الطلب الاستثماري على الذهب خلال المرحلة المقبلة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى