غرامة تهدد سمعة بنك أوف أمريكا.. لماذا تخشى وول ستريت أزمة امتثال أوسع؟

لم تتوقف تداعيات عقوبات مكافحة غسل الأموال المفروضة على بنك أوف أمريكا عند خسارة مالية بلغت 1.2 مليار دولار، بعدما تحولت القضية إلى تحذير للمؤسسات المصرفية الكبرى من أن قصور أنظمة الامتثال قد يكلفها ثقة الجهات الرقابية، ويعقّد توسعاتها وعلاقاتها التجارية لسنوات.

ووفقًا للبيانات المالية للربع الثالث التي نشرها البنك في 14 أكتوبر، خفضت العقوبة صافي الدخل للسهم بمقدار 17 سنتًا، فيما وصف خبراء الجرائم المالية القضية بأنها مؤشر على تحديات أوسع تواجه القطاع المصرفي في رصد الأنشطة المشبوهة وملاحقة شبكات غسل الأموال المتطورة.

وتتمثل المخاوف الرئيسية في أن الأثر الأشد للعقوبات قد لا يكون قيمة الغرامة نفسها، بل ما قد يتبعها من تدقيق رقابي مكثف، وتراجع ثقة المؤسسات الشريكة، واحتمالات تعقيد إطلاق منتجات جديدة أو التوسع في أنشطة مصرفية.

عقوبات بمئات الملايين تكشف إخفاقات في إدارة المخاطر

تتعلق العقوبات بإخفاقات في التعامل مع مخاطر الجرائم المالية، شملت بحسب ما أورده التقرير مخاطر مرتبطة بشبكات غسل أموال صينية وتمويل غير مشروع على امتداد الحدود الجنوبية الغربية للولايات المتحدة.

وتضم العقوبات 750 مليون دولار لصالح مكتب مراقب العملة الأمريكي، وهي أكبر غرامة يفرضها المكتب، إلى جانب 11.6 مليون دولار لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، بسبب انتهاكات مرتبطة ببرامج عقوبات تشمل إيران وروسيا والمخدرات والإرهاب العالمي.

وأشار التقرير إلى أن العقوبة تندرج ضمن أكبر الغرامات المرتبطة بهذا النوع من المخالفات، بعد تسويات سابقة مع منصة «باينانس» في 2023 وبنك «تي دي» في 2024.

من جانبه، أكد بنك أوف أمريكا أن الامتثال لقواعد مكافحة الجرائم المالية يمثل أولوية، موضحًا أنه تعاون مع الجهات التنظيمية للتوصل إلى التسويات، وأنه استثمر مليارات الدولارات في التكنولوجيا وخصص آلاف الموظفين لمكافحة الجرائم المالية، مع التزامه بمعالجة القضايا التي أثارتها الجهات الرقابية.

الضرر الأكبر قد يصيب الثقة والعلاقات المصرفية

يرى خبراء أن تبعات القضية قد تمتد إلى الأطراف التي تتعامل مع البنك، وليس إلى ميزانيته وحدها. فقد تعيد المؤسسات الشريكة وبنوك المقاصة والعملاء من الشركات تقييم المخاطر المرتبطة بعلاقاتها معه، وتفرض إجراءات أكثر تشددًا لحماية نفسها من تبعات أي مخالفات محتملة.

وقال نيخيل راغوفيرا، الرئيس التنفيذي لشركة «Predicate» المتخصصة في حلول مكافحة غسل الأموال باستخدام تقنية البلوك تشين، إن تضرر السمعة قد ينعكس على العلاقات التجارية وفرص الأعمال، حتى إذا لم يفقد البنك قدرته على مواصلة نشاطه.

وقد يؤدي ارتفاع مستوى التدقيق إلى إطالة مراجعة المنتجات الجديدة وخطط التوسع، بينما تصبح قدرة البنك على إثبات فعالية ضوابطه الداخلية عاملًا أكثر أهمية في علاقته بالجهات التنظيمية والشركاء.

فقدان ثقة الجهات الرقابية قد يفرض قيودًا لسنوات

تتجاوز المخاطر قيمة العقوبة الفورية إلى احتمال إخضاع البنك لمراقبة مستقلة، وزيادة التدقيق من مجلس الإدارة، وربما فرض قيود على النمو، وفقًا لتقديرات خبراء نقلها التقرير.

وقال ويل لورانس، الرئيس التنفيذي لشركة «بريتون إيه آي» المتخصصة في برمجيات مكافحة غسل الأموال، إن الغرامات الكبيرة قد تظل قابلة للتحمل بالنسبة إلى المؤسسات المصرفية الكبرى، لكن استعادة ثقة الجهات الرقابية في قدرة البنك على إدارة المخاطر تمثل التحدي الأصعب.

وأضاف أن معالجة أوجه القصور قد تستغرق سنوات، وأن مشكلات الامتثال غير المحلولة يمكن أن تعرقل خطط التوسع حتى في غياب قيود رسمية على النمو أو الاستحواذات.

وتضع هذه التداعيات إدارة المخاطر والحوكمة الداخلية أمام اختبار يتجاوز الإعلان عن سياسات جديدة أو زيادة الإنفاق؛ إذ يتعين على البنك إثبات أن التغييرات أدت فعليًا إلى تحسين قدرته على اكتشاف المخالفات ومنعها.

الأنظمة القديمة تعجز عن رصد شبكات غسل الأموال المعقدة

من أبرز التحديات التي تواجه البنوك الاعتماد على أنظمة وعمليات تقليدية لا تواكب بالضرورة تطور أساليب الجرائم المالية. فمراجعة كل معاملة أو عميل على حدة قد لا تكشف الروابط بين حسابات متعددة وأطراف مقابلة وقنوات دفع مختلفة.

وأوضح لورانس أن اكتشاف الأنماط الأوسع يتطلب ربط البيانات وتحليل العلاقات بين العمليات، بدلًا من الاكتفاء بفحص المعاملات المنفردة وإعادة بناء تفاصيلها يدويًا.

وأشار راغوفيرا إلى أن الإخفاقات الكبيرة قد ترتبط بتكرار مشكلات مثل ضعف دقة مراقبة المعاملات، أو التأخر في تقديم تقارير الأنشطة المشبوهة، أو عدم تحديث قوائم المراقبة، أو افتقار فرق الامتثال إلى الموظفين والأدوات والصلاحيات اللازمة للتصعيد.

وتعني هذه الثغرات أن زيادة عدد المحللين أو شراء تقنيات جديدة لا تضمن وحدها تحسن النتائج، ما لم تترافق مع إجراءات فعالة لتحديد المخاطر والتعامل معها في الوقت المناسب.

الإنفاق وحده لا يثبت نجاح برامج الامتثال

يتمثل التحدي أمام إدارة البنك في إثبات أن منظومة مكافحة الجرائم المالية تعمل بكفاءة، من خلال سرعة اكتشاف المخاطر، ورفع الحالات الخطيرة إلى المستويات المسؤولة، واتخاذ الإجراءات التصحيحية المناسبة.

ويشير لورانس إلى أن مؤشرات مثل عدد التنبيهات التي جرت مراجعتها أو القضايا التي أُغلقت تقيس حجم العمل، لكنها لا تعكس بالضرورة مدى نجاح البنك في اكتشاف الجرائم المالية وإدارة مخاطرها.

كما أن امتلاك أنظمة مراقبة متطورة لا يكفي إذا لم تُصعّد المشكلات الخطيرة أو لم تستجب الإدارة لها بالشكل المطلوب. لذلك، تركز الجهات الرقابية على الأدلة العملية التي تثبت تحسن الأداء، وليس على السياسات المكتوبة أو الاستثمارات التقنية وحدها.

رسالة إلى وول ستريت: الامتثال الفعال أهم من حجم الإنفاق

يرى براد ليفي، الرئيس التنفيذي لشركة «ثيتا راي»، أن عددًا كبيرًا من الأنظمة والعمليات المصرفية يعود إلى فترة تتراوح بين 10 و30 عامًا، بما يعزز الحاجة إلى مراجعة داخلية جادة تتناسب مع طبيعة العمل المصرفي الذي يعمل على مدار الساعة.

وتكشف قضية بنك أوف أمريكا، وفقًا للخبراء الذين استند إليهم التقرير، أن مخاطر الامتثال لم تعد مسألة غرامات يمكن استيعابها ماليًا فحسب، بل أصبحت مرتبطة بقدرة البنوك على حماية سمعتها، والحفاظ على ثقة الجهات الرقابية، والاستمرار في التوسع دون أن تعرقلها أوجه قصور لم تُعالج.

وبالنسبة إلى وول ستريت، يتمثل التحذير الأساسي في أن تطوير أنظمة مكافحة غسل الأموال لا يُقاس بحجم الأموال المنفقة أو عدد الموظفين، بل بمدى قدرة المؤسسة على اكتشاف الأنشطة المشبوهة مبكرًا، وربط المؤشرات المتفرقة، واتخاذ إجراءات قابلة للإثبات والمراجعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى