قرار الفيدرالي يربك سوق السندات.. لماذا ترتفع العوائد رغم تثبيت الفائدة؟

لم ينجح قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تثبيت أسعار الفائدة في تهدئة مخاوف مستثمري السندات، بعدما أعاد البنك المركزي تقييم الاقتصاد الأمريكي باعتباره قويًا، في وقت لا تزال فيه ضغوط التضخم والمخاوف المتعلقة بالعجز المالي تلقي بظلالها على توقعات الاقتراض الحكومي طويل الأجل.
وتزايدت الضغوط على سندات الخزانة الأمريكية عقب القرار والمؤتمر الصحفي لرئيس الفيدرالي كيفن وارش، مع تعرض العوائد طويلة الأجل لارتفاعات ملحوظة. وامتد القلق إلى قدرة البنك المركزي على خفض الفائدة مستقبلًا إذا استمر النمو الاقتصادي قويًا وظل التضخم أعلى من المستهدف.
منحنى العائد يزداد انحدارًا مع تصاعد ضغوط السندات
اتسع الفارق بين عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين و10 أعوام إلى 34.1 نقطة أساس عقب المؤتمر الصحفي لوارش، بعد استقراره خلال الأسابيع السابقة، في إشارة إلى تغير توقعات المستثمرين بشأن مسار السياسة النقدية ومخاطر الاحتفاظ بالديون الحكومية طويلة الأجل.
وجاءت الضغوط بصورة أوضح على العوائد بدءًا من آجال الاستحقاق المتوسطة، بين 5 و7 سنوات، وصولًا إلى السندات الأطول أجلًا، وسط عمليات بيع عكست مخاوف تتجاوز التوقعات الفورية لأسعار الفائدة.
وتشير هذه التحركات إلى أن المستثمرين لا يركزون فقط على قرار الفيدرالي الحالي، بل يضعون في حساباتهم أيضًا استمرار التضخم، واحتياجات الحكومة الأمريكية إلى الاقتراض، والتعويض الإضافي المطلوب مقابل تحمل مخاطر السندات طويلة الأجل.
النمو القوي يضع الفيدرالي أمام معادلة صعبة
رفع الاحتياطي الفيدرالي تقييمه للاقتصاد الأمريكي إلى «قوي»، مقارنة بوصفه «متماسكًا» في اجتماع سبتمبر، مشيرًا إلى متانة الاستثمار، ومواكبة مكاسب الوظائف لنمو القوى العاملة.
لكن هذا التقييم أثار تساؤلات بشأن كيفية تراجع ضغوط الأسعار في ظل استمرار النشاط الاقتصادي، وهو ما يمثل محور اهتمام المستثمرين الذين يترقبون عودة التضخم إلى مستهدف البنك المركزي البالغ 2%.
وقال أندرس بيرسون، كبير مسؤولي الاستثمار في الدخل الثابت العالمي لدى شركة نويفين، إن استمرار النمو القوي قد يفاقم الضغوط التضخمية، ويزيد أهمية المخاوف المرتبطة بالعجز المالي وكيفية معالجته على المدى الطويل.
وفي المقابل، لم يقدم وارش التزامًا قاطعًا بشأن الخطوات المقبلة للسياسة النقدية، مشيرًا إلى أن تأثير الزيادات السابقة في أسعار الفائدة بدأ يظهر، وأن الأوضاع المالية آخذة في التحسن.
لماذا ترتفع عوائد السندات رغم تثبيت الفائدة؟
يعكس ارتفاع العوائد مخاوف المستثمرين من أن يؤدي استمرار التضخم والاقتراض الحكومي إلى زيادة العائد الذي يطالبون به للاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل، حتى دون تغيير مماثل في سعر الفائدة الذي يحدده الفيدرالي.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى سندات الخزانة لأجل 10 و30 عامًا، إذ تتأثر أسعارها بصورة أكبر بالتغيرات في توقعات التضخم وأسعار الفائدة على مدى زمني طويل. وعندما ترتفع العوائد، تنخفض أسعار السندات القائمة، ما قد يسبب خسائر لحائزيها.
وفي هذا السياق، قد ترتفع علاوة الأجل، وهي التعويض الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل تحمل مخاطر الاحتفاظ بسندات طويلة الأجل، إذا زادت مخاوفهم بشأن التضخم أو احتياجات الحكومة إلى التمويل.
وقال فيل بلانكاتو، كبير استراتيجيي السوق لدى شركة أوسايك لإدارة الثروات، إن المستثمرين ينبغي أن يستعدوا لاحتمال استمرار ارتفاع أسعار الفائدة، في ظل تركيز الفيدرالي على إعادة التضخم إلى مستهدفه.
تساؤلات بشأن مدى قوة الاقتصاد الأمريكي
لم يقتصر القلق على التضخم والسياسة النقدية، بل امتد إلى مدى دقة التقييم المتفائل للاقتصاد الأمريكي.
وأشار برايان جاكوبسن، كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين في شركة أنيكس لإدارة الثروات، إلى أن مؤشرات نمو الأجور الأسبوعية الصادرة عن «إيه دي بي» تحولت إلى اتجاه هبوطي بعد اجتماع يوليو وسبتمبر، كما لفت إلى تغير تقديرات بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا للنمو الاقتصادي من مستويات مرتفعة إلى مستويات ضعيفة.
من جانبه، رأى أندرو هولنهورست، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في سيتي غروب، أن وارش قد يبالغ في تقدير قوة الاقتصاد، بما قد يجعل أي مفاجأة سلبية في البيانات أكثر تأثيرًا على توقعات الأسواق.
وقد ينعكس الغموض الاقتصادي على السندات قصيرة الأجل، التي تتأثر بدرجة أكبر بالتوقعات المتعلقة بتحركات أسعار الفائدة، بينما تستوعب السندات طويلة الأجل مجموعة أوسع من المخاطر المرتبطة بالتضخم والمالية العامة.
مخاوف العجز المالي تضع علاوة الأجل تحت المجهر
تظل المخاوف بشأن الوضع المالي الأمريكي واحتياجات الحكومة إلى الاقتراض من العوامل التي قد تبقي العوائد طويلة الأجل مرتفعة. فكلما تراجع اطمئنان المستثمرين إلى مسار التضخم أو زادت مخاوفهم بشأن حجم الدين الحكومي، ارتفع التعويض الذي يطلبونه للاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل.
وبحسب أندرس بيرسون، تمثل الضغوط على التوقعات المالية أحد العوامل الرئيسية التي تدفع الطرف الطويل من منحنى العائد.
وتعني هذه المعادلة أن تثبيت الفائدة لا يضمن بالضرورة استقرار سوق السندات؛ إذ ستظل تحركات العوائد مرتبطة ببيانات التضخم والنمو، وتوقعات السياسة النقدية، وقدرة المالية العامة الأمريكية على احتواء مخاطر الاقتراض على المدى الطويل.









