من مرونة الجنيه إلى خفض التضخم.. حسن عبد الله يكشف خريطة المركزي لمواجهة الصدمات العالمية

لا يتعامل البنك المركزي المصري مع المرحلة المقبلة باعتبارها مجرد محاولة للحفاظ على الاستقرار الذي تحقق، وإنما يسعى إلى إعادة بناء منظومة نقدية ومصرفية أكثر قدرة على امتصاص الصدمات العالمية، تبدأ من سعر صرف مرن، وتمتد إلى خفض التضخم وتعزيز جودة الاحتياطي، وتنتهي بهدف أكثر طموحًا يتمثل في جعل الجنيه المصري قابلًا للتحويل والتداول خارج مصر.
وكشف حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، خلال جلسة البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي ضمن فعاليات منتدى مصر 2026، عن مجموعة من المستهدفات التي ترسم ملامح السياسة النقدية والمصرفية خلال السنوات المقبلة، مؤكدًا أن الاستقرار النقدي والمصرفي يمثل البوابة الأساسية أمام القطاع الخاص لزيادة الإنتاج واستعادة الثقة في الاقتصاد الحقيقي.
سعر الصرف المرن.. خط الدفاع الأول أمام الصدمات
وضع حسن عبد الله مرونة سعر الصرف في مقدمة أدوات حماية الاقتصاد المصري من المتغيرات الخارجية، مؤكدًا أن سعر الجنيه يجب أن يتحرك صعودًا وهبوطًا وفق قوى العرض والطلب، بدلًا من تثبيت قيمته بصورة مصطنعة.
وأوضح أن نظام سعر الصرف الثابت لم يكن مناسبًا لطبيعة الاقتصاد المصري، وأن التمسك به في فترات سابقة أسهم في ظهور سوق موازية للعملة وخلق تشوهات امتدت آثارها إلى قطاعات الاقتصاد المختلفة.
وأشار المحافظ إلى أن التحول إلى سعر صرف مرن يستهدف بالأساس توحيد سوق العملة والقضاء على السوق السوداء، بما يسمح بأن تعكس أسعار الصرف الظروف الاقتصادية الفعلية بدلًا من وجود أكثر من سعر للعملة.
وتأتي هذه الرؤية في وقت أكد فيه البنك المركزي تمسكه بالمرونة الكاملة لسعر الصرف باعتبارها أداة رئيسية لامتصاص الصدمات الاقتصادية.
التضخم.. من 38% إلى 13% والهدف 5% في 2029
ويمثل خفض التضخم المحور الثاني في خطة المركزي، بعدما أشار حسن عبد الله إلى تراجع معدل التضخم من مستويات اقتربت من 38% خلال ذروة الأزمة السابقة، بينما وصلت معدلات ارتفاع بعض مكونات الغذاء إلى نحو 73%.
وبحسب تصريحات المحافظ، تراجع التضخم حاليًا إلى نحو 13%، فيما يستهدف البنك المركزي الوصول به إلى 7% بزيادة أو نقصان نقطتين مئويتين خلال النصف الثاني من عام 2027، قبل الاقتراب من مستوى 5% بحلول عام 2029.
ولا يعتمد البنك المركزي في هذا المسار على أدوات نقدية تقليدية فقط، إذ أوضح المحافظ أن السياسة النقدية تتجه بصورة أكبر إلى استخدام النماذج الاقتصادية والتنبؤية الحديثة، بما يسمح بالتعامل بصورة استباقية مع الضغوط التضخمية بدلًا من انتظار ظهور آثارها الكاملة.
مستهدفات السياسة النقدية
| المؤشر | الوضع المشار إليه | المستهدف |
|---|---|---|
| التضخم | نحو 13% حاليًا | 7% ±2% في النصف الثاني من 2027 |
| التضخم على المدى الأبعد | — | 5% في 2029 |
| سعر الصرف | مرن | استمرار المرونة وفق العرض والطلب |
| سوق العملة | توحيد السوق والقضاء على السوق الموازية | الحفاظ على سوق صرف موحدة |
57.3 مليار دولار.. المركزي يغير معيار قوة الاحتياطي
وفي ملف النقد الأجنبي، كشف محافظ البنك المركزي عن ارتفاع الاحتياطيات الدولية إلى 57.3 مليار دولار، مع وصول نسبة تغطية الالتزامات الخارجية المستحقة خلال عام إلى نحو 102%، مقارنة بمستويات سابقة تراوحت بين 70% و80%.
لكن الرسالة الأهم في حديث المحافظ لم تكن الرقم المطلق للاحتياطي، وإنما جودة الاحتياطي وقدرته على توفير السيولة في الوقت المناسب.
وأوضح أن التركيز خلال المرحلة المقبلة ينصب على تنويع مكونات الاحتياطي بين العملات والأصول المختلفة، إلى جانب الذهب، بما يعزز قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات الخارجية والوفاء بالالتزامات المستحقة.
وبذلك ينتقل تقييم قوة الاحتياطي من سؤال «كم يبلغ؟» إلى سؤال أكثر أهمية: ما مدى جاهزيته للاستخدام عندما يحتاج إليه الاقتصاد؟
الجنيه المصري.. خطة خمسية نحو قابلية التحويل عالميًا
ومن أبرز الملفات التي كشف عنها حسن عبد الله خطة تمتد خمس سنوات تستهدف الوصول بالجنيه المصري إلى مرحلة يصبح فيها قابلًا للتحويل القانوني والتداول خارج مصر، مع إمكانية فتح حسابات بالجنيه في الأسواق والمؤسسات المالية الدولية.
ويمثل هذا الهدف تحولًا نوعيًا في تصور البنك المركزي لمستقبل العملة المصرية؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بسعر الجنيه أمام الدولار أو اليورو، وإنما ببناء الظروف الاقتصادية والنقدية التي تسمح للعملة المصرية بأن تكون أكثر قابلية للتعامل خارج الحدود.
وأكد المحافظ أن مصر استوفت معايير مرونة سعر الصرف وحصلت على اعتراف وتصنيف من المؤسسات المالية الدولية باعتبارها تطبق نظام صرف مرن بالكامل، بينما يتطلب الوصول إلى قابلية التحويل الكامل استمرار العمل على بناء الثقة واستقرار السوق وتعزيز موارد النقد الأجنبي.
الجهاز المصرفي.. 19% كفاية رأس المال و1.8% للقروض المتعثرة
ويرتكز جانب كبير من خطة مواجهة الصدمات على قوة الجهاز المصرفي نفسه، إذ أكد حسن عبد الله أن البنوك المصرية تمتلك مؤشرات سلامة مالية تسمح لها باستيعاب المتغيرات الخارجية.
وأشار إلى تسجيل معدل كفاية رأس المال نحو 19%، مع عائد على متوسط الأصول بلغ 2.6%، بينما تراجعت نسبة القروض غير المنتظمة إلى 1.8% من إجمالي القروض، مع تغطية بالمخصصات تجاوزت 87%.
وتعني هذه المؤشرات أن خطة المركزي لا تقوم على حماية سعر الصرف والتضخم فقط، وإنما تستند كذلك إلى جهاز مصرفي يمتلك قاعدة رأسمالية وجودة أصول تساعده على الاستمرار في تمويل الاقتصاد حتى في ظل الصدمات.
أبرز مؤشرات قوة الجهاز المصرفي
| المؤشر | المستوى |
|---|---|
| كفاية رأس المال | 19% |
| العائد على متوسط الأصول | 2.6% |
| القروض غير المنتظمة | 1.8% |
| تغطية القروض غير المنتظمة بالمخصصات | أكثر من 87% |
| توظيف الائتمان لتمويل النشاط الاقتصادي | نحو 69% |
البنوك والقطاع الخاص.. تغيير معادلة التمويل
وفي مواجهة الانتقادات المرتبطة بتركيز البنوك على تمويل أدوات الدين الحكومي، أكد محافظ البنك المركزي أن تمويل الاقتصاد الحقيقي أصبح يحتل مساحة أكبر داخل الجهاز المصرفي.
وأوضح أن نسبة توظيف الائتمان لتمويل النشاط الاقتصادي وصلت إلى نحو 69%، بما يعكس اتجاهًا نحو زيادة توظيف الموارد المصرفية في تمويل الأنشطة الاقتصادية المختلفة.
وهنا تظهر العلاقة التي يركز عليها المحافظ بين الاستقرار النقدي والقطاع الخاص؛ فاستقرار الأسعار وسوق الصرف لا يمثلان هدفًا نقديًا منفصلًا، وإنما شرطًا لتمكين الشركات من التخطيط والاستثمار والاقتراض والتوسع دون مواجهة مستويات غير محسوبة من مخاطر العملة والتضخم.
البنوك الرقمية والهوية المالية.. مصرفية بلا فروع
وفي موازاة الإصلاحات النقدية، يدفع البنك المركزي باتجاه تغيير شكل العلاقة بين المواطن والجهاز المصرفي عبر التحول الرقمي والشمول المالي.
وكشف حسن عبد الله عن قرب إطلاق أول بنكين رقميين، إلى جانب استكمال منظومة الهوية المالية الرقمية التي ستتيح فتح الحسابات المصرفية عن بُعد بالكامل.
ويمثل هذا التطور تحولًا في نموذج تقديم الخدمات المصرفية؛ إذ يصبح الوصول إلى الحساب والخدمة المالية ممكنًا بصورة رقمية، بما يفتح المجال أمام دخول شرائح جديدة إلى القطاع المصرفي دون الارتباط التقليدي بشبكة الفروع.
«إنستاباي» والمصريون بالخارج.. المعركة على تدفقات التحويلات
ويمتد التحول الرقمي إلى المصريين بالخارج، مع العمل على تعزيز استخدام خدمات «إنستاباي» وتسهيل التحويلات والربط الرقمي بالخدمات المصرفية.
ويستهدف البنك المركزي من هذه الخطوات تعزيز ارتباط المصريين بالخارج بالمنظومة المصرفية الرسمية وتسهيل تدفقات التحويلات، التي تمثل أحد المصادر الرئيسية للنقد الأجنبي.
وكان المحافظ قد أشار إلى أهمية تحويلات المصريين بالخارج، مع بلوغ قيمتها نحو 47 مليار دولار، وهو ما يفسر ارتفاع أولوية تطوير الخدمات المصرفية الرقمية الموجهة لهذه الشريحة.
الشمول المالي إلى 82.5% بحلول 2030
وتكتمل خريطة التحول الرقمي بمستهدف رفع معدل الشمول المالي إلى 82.5% بحلول عام 2030، بما يشمل المصريين داخل البلاد وخارجها.
ولا ينظر البنك المركزي إلى الشمول المالي باعتباره مجرد زيادة عدد الحسابات المصرفية، وإنما كوسيلة لربط شرائح أكبر من المجتمع بالمدفوعات والخدمات المالية الرسمية، والاستفادة من التكنولوجيا في تسهيل الوصول إلى هذه الخدمات.
الخطة القادمة.. من إدارة الأزمة إلى بناء قدرة على امتصاصها
تكشف تصريحات حسن عبد الله عن تحول واضح في أولويات البنك المركزي؛ فالمهمة لم تعد محصورة في احتواء أزمة سعر الصرف أو خفض التضخم، وإنما في بناء منظومة تستطيع التعامل مع الصدمة قبل أن تتحول إلى أزمة داخلية.
وتتحرك الخطة في عدة مسارات مترابطة: سعر صرف مرن، تضخم أقل، احتياطي أكثر جودة وسيولة، جهاز مصرفي قوي، تمويل أكبر للنشاط الاقتصادي، جنيه أكثر قابلية للتحويل، وبنية مصرفية رقمية أوسع.
والاختبار الحقيقي لهذه الخطة لن يكون في المؤشرات النقدية وحدها، وإنما في قدرة هذه السياسات على الانتقال إلى الاقتصاد الحقيقي؛ أي في صورة استثمار وإنتاج وصادرات وتمويل للقطاع الخاص، مع الحفاظ على استقرار الأسعار وسوق صرف قادر على امتصاص الصدمات الخارجية.
وبذلك، فإن الرسالة الأساسية التي حملها محافظ البنك المركزي من منتدى مصر 2026 تتجاوز التعامل مع تحديات اللحظة الراهنة إلى محاولة بناء نموذج نقدي ومصرفي أكثر مرونة خلال السنوات المقبلة، بحيث تصبح مواجهة الصدمات العالمية جزءًا من تصميم النظام الاقتصادي نفسه، وليس مجرد رد فعل عليها.









