النفط يضغط على الذهب.. الفائدة الأمريكية تهدد موجة صعود المعدن النفيس

تراجعت أسعار الذهب خلال تعاملات الثلاثاء تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط وتزايد رهانات الأسواق على رفع أسعار الفائدة الأمريكية، رغم استمرار ضعف الدولار، في وقت تصاعدت فيه المخاوف الجيوسياسية المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعات التضخم والسياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.

وانخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 0.7% إلى 4375.66 دولارًا للأوقية، بحلول الساعة 15:02 بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بينما تراجعت العقود الآجلة للذهب بنسبة 1.3% إلى 4419.64 دولارًا للأوقية.

ويأتي التراجع بعد خسائر محدودة سجلها الذهب خلال الأسبوع السابق، في ظل تحول اهتمام الأسواق من مخاوف الديون الأمريكية وضعف الدولار إلى تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة على التضخم ومسار أسعار الفائدة.

النفط يفتح جبهة جديدة ضد الذهب

وواصلت أسعار النفط ارتفاعها خلال تعاملات الثلاثاء، بعدما قفز خام برنت في وقت سابق إلى 99.45 دولارًا للبرميل، قبل أن يستقر مرتفعًا بنحو 0.1% عند 97.13 دولارًا.

وكان خام برنت قد ارتفع 9.3% خلال الأسبوع السابق، بعد تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما أعاد مخاطر اضطراب إمدادات النفط إلى واجهة الأسواق العالمية.

وتزداد أهمية أسعار النفط بالنسبة للذهب لأن استمرار ارتفاع الطاقة قد يرفع تكاليف النقل والإنتاج ويزيد الضغوط التضخمية، وهو ما قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى تأجيل خفض الفائدة أو حتى بحث رفعها مجددًا.

وبذلك يتحول النفط من عامل داعم للمخاوف الجيوسياسية التي تصب عادة في مصلحة الذهب إلى عامل ضغط عليه عبر قناة التضخم وأسعار الفائدة.

مضيق هرمز يرفع مخاطر إمدادات الطاقة

وتصاعدت المخاوف بشأن حركة النفط عبر مضيق هرمز مع استمرار العمليات العسكرية والتهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأشارت تقارير إلى استهداف سفن وناقلات نفط في المنطقة، بينما تزايدت التحذيرات بشأن احتمالات تعرض منشآت الطاقة في المنطقة لمزيد من الهجمات.

وتكتسب التطورات أهمية استثنائية بالنسبة لأسواق النفط، إذ يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية.

وفي الوقت نفسه، أثارت تقارير عن هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ استهدفت مصفاة جازان التابعة لشركة أرامكو السعودية، والتي تبلغ طاقتها الإنتاجية 400 ألف برميل يوميًا، مخاوف إضافية بشأن أمن إمدادات النفط في المنطقة.

التضخم الأمريكي يعقد حسابات الفيدرالي

بعيدًا عن التطورات الجيوسياسية، تترقب أسواق الذهب بيانات التضخم الأمريكية هذا الأسبوع، بعدما أظهرت بيانات الوظائف الأخيرة قوة أكبر من المتوقع في سوق العمل.

وأضاف الاقتصاد الأمريكي 162 ألف وظيفة غير زراعية خلال أغسطس، مقابل توقعات بإضافة 55 ألف وظيفة فقط، بينما استقر معدل البطالة عند 4.1%.

كما جرى تعديل بيانات الوظائف لشهري يونيو ويوليو بالزيادة بنحو 55 ألف وظيفة.

وتعزز هذه الأرقام الاعتقاد بأن سوق العمل الأمريكي لا يزال يتمتع بقدر كبير من المرونة، وهو ما يمنح مجلس الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للحفاظ على أسعار الفائدة المرتفعة إذا استمرت الضغوط التضخمية.

الأسواق ترفع رهانات رفع الفائدة

وأدت قوة بيانات سوق العمل إلى ارتفاع احتمالات رفع أسعار الفائدة الأمريكية بمقدار 25 نقطة أساس خلال الشهر الجاري إلى نحو 60%، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة بورصة شيكاغو.

وتشكل هذه التوقعات عامل ضغط مباشر على الذهب، لأن ارتفاع أسعار الفائدة والعوائد على أدوات الدين يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن النفيس الذي لا يدر عائدًا دوريًا.

وتصبح المعادلة أكثر تعقيدًا عندما يتزامن ارتفاع النفط مع قوة سوق العمل؛ إذ يمكن أن يؤدي اجتماع العاملين إلى زيادة مخاوف «التضخم المصحوب بقوة الطلب»، وهو سيناريو لا يخدم الذهب في الأجل القصير.

بيانات المنتجين والمستهلكين تحسم الاتجاه

وتتجه أنظار المستثمرين إلى بيانات مؤشر أسعار المنتجين ومؤشر أسعار المستهلك المقرر صدورها خلال الأسبوع، بحثًا عن مؤشرات أكثر وضوحًا بشأن اتجاه التضخم الأمريكي.

وتحظى هذه البيانات بأهمية خاصة قبل اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في 16 سبتمبر، إذ ستساعد في تحديد ما إذا كان الاقتصاد الأمريكي يتحرك نحو بيئة تسمح بتخفيف السياسة النقدية أم أن استمرار الضغوط السعرية يتطلب الإبقاء على التشدد النقدي.

وتشير التقديرات إلى إمكانية استقرار التضخم السنوي عند نحو 3.4%، وهو مستوى لا يزال أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.

تصريحات مسؤولي الفيدرالي تكشف انقسامًا

وتأتي البيانات في ظل تباين واضح في تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي.

فقد اتخذ رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش موقفًا أكثر تشددًا خلال خطابه في جاكسون هول، بينما صدرت لاحقًا تصريحات أكثر ميلًا إلى التيسير من جون ويليامز، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وكريستوفر والر، محافظ الاحتياطي الفيدرالي.

ويجعل هذا التباين الأسواق أكثر حساسية للبيانات الاقتصادية الجديدة، خصوصًا التضخم وسوق العمل، باعتبارهما المحددين الرئيسيين لمسار السياسة النقدية.

الذهب أمام معادلة صعبة

وقال خوسيه توريس، كبير الاقتصاديين لدى «إنترأكتيف بروكرز»، إن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يعقد مهمة الاحتياطي الفيدرالي في السيطرة على التضخم، خصوصًا إذا ظلت أسعار النفط مرتفعة.

وتشير هذه الرؤية إلى معادلة دقيقة بالنسبة للذهب؛ فالتوترات الجيوسياسية تدعم الطلب على الملاذات الآمنة، لكن ارتفاع أسعار النفط الناتج عن تلك التوترات قد يرفع التضخم ويؤدي إلى تشديد السياسة النقدية، وهو ما يضغط على المعدن.

ومن ثم، لم يعد السؤال بالنسبة للمستثمرين هو ما إذا كانت التوترات في الشرق الأوسط إيجابية للذهب أم سلبية، بل أي قناة ستكون أقوى تأثيرًا: قناة الملاذ الآمن أم قناة التضخم والفائدة؟

الصين تعزز مشترياتها من الذهب

وفي تطور داعم للمعدن النفيس، أظهرت البيانات أن بنك الشعب الصيني رفع مشترياته من الذهب خلال أغسطس إلى أعلى مستوى شهري منذ عام 2023، رغم ارتفاع أسعار المعدن.

وتعكس مشتريات البنوك المركزية أحد أهم عناصر الدعم الهيكلي للذهب، خصوصًا مع استمرار توجه عدد من البنوك المركزية إلى زيادة حيازاتها من المعدن ضمن احتياطياتها.

لكن هذا الدعم طويل الأجل لا يلغي الضغوط قصيرة الأجل الناتجة عن تحركات الدولار والعوائد وأسعار الفائدة.

هل انتهت موجة صعود الذهب؟

التراجع الحالي لا يعني بالضرورة انتهاء الاتجاه الصعودي للذهب، لكنه يكشف عن تغير مهم في طبيعة المخاطر التي تواجه المعدن.

فالذهب استفاد خلال الفترة الماضية من ضعف الدولار والمخاوف بشأن الدين الأمريكي وتدفقات المستثمرين نحو الأصول البديلة، لكنه يواجه حاليًا ضغوطًا جديدة مع ارتفاع النفط وتزايد احتمالات تشديد السياسة النقدية.

ويظل مسار الذهب خلال الفترة المقبلة مرتبطًا بدرجة كبيرة بنتائج بيانات التضخم الأمريكية.

فإذا جاءت البيانات أعلى من المتوقع، فقد ترتفع رهانات رفع الفائدة مجددًا، بما يزيد الضغط على الذهب.

أما إذا جاءت البيانات أضعف من المتوقع، فقد تتراجع رهانات التشديد النقدي، وهو ما يمكن أن يعيد المستثمرين إلى شراء الذهب، خصوصًا إذا استمر ضعف الدولار والتوترات الجيوسياسية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى