6.9 مليار دولار مرت عبر النظام المالي.. لماذا لا تكفي مليارات البنوك لمكافحة غسل الأموال؟

أنفقت البنوك الاستثمارية نحو 77 مليون دولار سنويًا على عمليات مكافحة غسل الأموال، بينما يتجه الإنفاق العالمي على أنظمة مكافحة غسل الأموال إلى 75 مليار دولار بحلول 2030.

ورغم هذه الموازنات الضخمة، كشفت قضية شركة التكنولوجيا المالية A7 أن المال وحده لا يكفي لمنع شبكات مالية إجرامية من استغلال النظام المصرفي العالمي.

وبحسب تقرير نشرته The Banker ، حذر خبراء من أن زيادة الإنفاق على أنظمة مكافحة غسل الأموال لن تكون كافية إذا لم تترافق مع تطوير أدوات اكتشاف الأنماط المشبوهة، وتحسين تبادل المعلومات، ورفع سرعة الاستجابة للمخاطر.

وتأتي هذه التحذيرات بعد تحقيق لـFinancial Times كشف أن شبكة مرتبطة بشركة A7 مررت أكثر من 6.9 مليار دولار عبر النظام المالي الدولي، باستخدام شركات واجهة ووثائق مزورة وأساليب تهدف إلى تجاوز ضوابط الامتثال والعقوبات.

77 مليون دولار سنويًا.. لكن المشكلة ليست في حجم الإنفاق

توضح أرقام The Banker حجم الأموال التي تخصصها المؤسسات المالية لمواجهة غسل الأموال.

فالبنوك الاستثمارية تنفق قرابة 77 مليون دولار سنويًا على عمليات مكافحة غسل الأموال، فيما يُتوقع أن يصل الإنفاق العالمي على أنظمة AML إلى 75 مليار دولار بحلول 2030.

لكن الخبراء يرون أن رفع الموازنات وحده لا يعالج جوهر المشكلة.

فالخطر لا يكمن دائمًا في غياب النظام الرقابي، وإنما في قدرة الشبكات الإجرامية على التكيف مع قواعد الرقابة نفسها.

وهنا تتحول المعركة من سؤال «كم تنفق البنوك؟» إلى سؤال أكثر أهمية: هل تنفق البنوك الأموال في المكان الصحيح؟

كيف استطاعت A7 تمرير 6.9 مليار دولار؟

كشفت تحقيقات Financial Times أن شبكة A7 اعتمدت على منظومة واسعة من الشركات والوثائق المزورة والمعاملات العابرة للحدود.

ووفق التحقيق، استخدمت الشبكة أكثر من 100 شركة واجهة في عدة مناطق، كما استغلت عمليات الدفع المجزأة وشبكات مالية متعددة لتجاوز بعض آليات التدقيق.

وأشارت Financial Times إلى أن الأموال مرت عبر حسابات لدى بنوك دولية كبرى، من بينها Citigroup وStandard Chartered وDeutsche Bank وFirst Abu Dhabi Bank، وفق الملفات التي حصلت عليها الصحيفة.

ولا يعني مرور المدفوعات عبر هذه المؤسسات أن البنوك كانت على علم بكل جوانب النشاط الإجرامي، إذ أشارت التقارير إلى أن بعض المؤسسات أثارت مخاوف تتعلق بغسل الأموال وأغلقت حسابات مرتبطة بالشبكة.

لكن القضية كشفت في المقابل مدى صعوبة اكتشاف الصورة الكاملة عندما تكون المعاملات موزعة بين مؤسسات ودول وشركات متعددة.

المشكلة في «النمط» وليس في المعاملة الواحدة

تعمل أنظمة مكافحة غسل الأموال في البنوك على رصد معاملات قد تبدو غير طبيعية، ثم تولد تنبيهات تحتاج إلى فحص وتحليل.

لكن الشبكات المتطورة تستطيع توزيع النشاط المالي على عدد كبير من الحسابات والكيانات.

وبذلك قد تبدو كل معاملة منفردة أقل إثارة للانتباه، بينما تكشف الصورة الكاملة عن شبكة مترابطة عندما تُجمع البيانات من مصادر مختلفة.

وهنا تظهر إحدى أكبر نقاط الضعف في مكافحة غسل الأموال: المعلومات موجودة، لكنها ليست دائمًا مترابطة بالسرعة الكافية.

شركات واجهة ووثائق مزورة.. كيف تتغير أدوات الجريمة المالية؟

تكشف قضية A7 أن الشبكات المالية الإجرامية لا تعتمد فقط على إخفاء الأموال.

بل يمكنها أيضًا إخفاء العلاقات بين الكيانات التي تتحرك من خلالها الأموال.

ووفق Financial Times، استخدمت شبكة A7 شركات واجهة ووثائق مزورة وفواتير وهمية في عمليات تهدف إلى تجاوز القيود المالية والعقوبات.

وهذا النوع من النشاط يفرض على البنوك الانتقال من مجرد فحص العميل أو المعاملة إلى تحليل أوسع يشمل:

  • العلاقة بين الشركات والأفراد.
  • تكرار التحويلات ومساراتها.
  • الدول التي تمر عبرها الأموال.
  • طبيعة النشاط الاقتصادي المعلن.
  • الروابط بين الحسابات والكيانات المختلفة.

لماذا لا تكفي زيادة موازنات الامتثال؟

زيادة الإنفاق يمكن أن توفر للبنوك مزيدًا من الموظفين والتكنولوجيا والبيانات.

لكنها لا تضمن تلقائيًا قدرة المؤسسات على اكتشاف شبكة مالية تتغير باستمرار.

فإذا ظلت الأدوات تعمل بالطريقة نفسها، فقد تنمو الموازنة بينما تظل قدرة النظام على اكتشاف الأنماط الجديدة محدودة.

لذلك، يرى الخبراء أن الاستثمار الأكثر فاعلية يجب أن يركز على جودة التحليل وليس حجم الإنفاق فقط.

ويشمل ذلك تطوير أدوات أكثر قدرة على اكتشاف الروابط، وتحسين تبادل المعلومات بين المؤسسات، والاستفادة من الخبرات البشرية في الحالات المعقدة.

البنوك أمام معادلة أصعب

المشكلة أن المؤسسات المالية مطالبة في الوقت نفسه بالتعامل مع حجم هائل من المعاملات اليومية.

وبالتالي، فإن تشديد الرقابة بصورة عشوائية قد يؤدي إلى زيادة عدد التنبيهات دون تحسين حقيقي في اكتشاف المخاطر.

أما تقليل التنبيهات دون تطوير أدوات التحليل، فقد يفتح الباب أمام مرور معاملات أكثر خطورة.

لذلك تصبح المعادلة المصرفية أكثر تعقيدًا:

تنبيهات أقل، لكن أكثر دقة.. بيانات أكثر، لكن أكثر ترابطًا.. واستجابة أسرع عندما تظهر المخاطر.

ماذا تعني قضية A7 للبنوك العالمية؟

القضية لا تعني أن أنظمة مكافحة غسل الأموال فشلت بالكامل، كما لا تثبت أن كل المدفوعات المرتبطة بالشبكة مرت دون أي رقابة مصرفية.

لكنها تكشف تحديًا هيكليًا أمام القطاع المالي العالمي.

فالشبكات الإجرامية تعمل عبر الحدود، بينما قد تكون البيانات الرقابية موزعة بين بنوك وجهات تنظيمية ودول مختلفة.

ولهذا فإن تحسين تبادل المعلومات والتعاون بين المؤسسات المالية والجهات الرقابية يصبح عنصرًا أساسيًا في مواجهة هذا النوع من المخاطر.

كما أن القضية تعزز الاتجاه نحو استخدام أدوات تحليل أكثر تطورًا، بدل الاعتماد على أنظمة تكتفي بإصدار أعداد كبيرة من التنبيهات.

سباق الـ75 مليار دولار يبدأ من سؤال مختلف

إذا وصل الإنفاق العالمي على مكافحة غسل الأموال إلى 75 مليار دولار بحلول 2030، فإن التحدي لن يكون في حجم الأموال التي تنفقها المؤسسات فقط.

السؤال الحقيقي سيكون: ما الذي تشتريه هذه المليارات؟

هل تذهب إلى أنظمة تنتج مزيدًا من التنبيهات؟

أم إلى أدوات قادرة على اكتشاف العلاقات الخفية بين المعاملات والحسابات والشركات؟

الفرق بين النموذجين قد يكون حاسمًا في مواجهة شبكات قادرة على تغيير أساليبها بسرعة.

وقضية A7 تعيد تعريف معركة البنوك ضد غسل الأموال ، فالمواجهة لم تعد مجرد سباق بين ميزانيات الامتثال وحجم الجريمة، وإنما أصبحت سباقًا بين قدرة البنوك على تحليل البيانات وقدرة الشبكات الإجرامية على تغيير أنماطها.

ولهذا، فإن الوصول إلى إنفاق عالمي يبلغ 75 مليار دولار لن يكون ضمانًا كافيًا وحده.

القيمة الحقيقية لهذه الاستثمارات ستظهر عندما تتحول إلى كشف أسرع للأنماط، وربط أفضل للمعلومات، واستجابة أكثر دقة للمخاطر.

وهنا يصبح السؤال الذي يواجه القطاع المصرفي أكثر وضوحًا: هل تستطيع البنوك تطوير طريقة تفكير أنظمة مكافحة غسل الأموال بالسرعة نفسها التي تطور بها الجريمة المالية أدواتها؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى