رامي زهدي يكتب :«إفريقيا والقطاع الخاص المصري»

"مستقبل الشراكات بين القطاع الخاص المصري والإفريقي.. فرص واعدة وتحديات نمطية"

لم تعد الشراكات بين القطاع الخاص المصري ونظيره الإفريقي ترفًا اقتصاديًا أو خيارًا ثانويًا ضمن بدائل الانفتاح الخارجي، بل باتت ضرورة استراتيجية تفرضها تحولات عميقة تشهدها القارة الإفريقية، وتحولات موازية في موقع ودور الاقتصاد المصري داخل المحيط العربي والإفريقي. فنحن أمام لحظة تاريخية فارقة، تُعاد فيها صياغة خريطة النفوذ الاقتصادي، وتنتقل فيها المنافسة من منطق الدول إلى منطق الشركات والتحالفات العابرة للحدود، حيث أصبح القطاع الخاص هو رأس الحربة الحقيقي في بناء المصالح، وتثبيت الحضور، وترجمة السياسة إلى مكاسب تنموية ملموسة، وأصبحت الدول التي تمتلك قطاعًا خاصًا أقوى وأكثر امتدادًا وتأثيرًا خارجيًا، تمتلك فرصًا أكبر لتحقيق أهدافها ومصالحها الاستراتيجية، خاصة الخارجية منها.

أما القارة الإفريقية، التي يقترب عدد سكانها اليوم من مليار ونصف المليار نسمة، ويتجاوز 60 في المئة منهم سن الخامسة والعشرين، فهي بالتأكيد تمثل أكبر سوق شابة في العالم، وناتجًا محليًا إجماليًا مجمعًا يقترب من 3 تريليونات دولار، مع توقعات ببلوغه نحو 4.5 تريليون دولار خلال العقد القادم، إذا ما استمرت معدلات النمو الحالية التي تتراوح في المتوسط بين 3.5 و4.5 في المئة سنويًا. ورغم التفاوتات الحادة بين الأقاليم والدول بالقارة، فإن هذه الأرقام وحدها كافية لتفسير احتدام التنافس الدولي على القارة، لكنها في الوقت ذاته تضع أمام مصر فرصة نوعية وأفضلية نسبية، بحكم الجغرافيا والتاريخ والروابط السياسية والأمن القومي المشترك، لتكون شريكًا إفريقيًا حقيقيًا لا مجرد مستثمر عابر.

القطاع الخاص المصري يمتلك من المقومات ما يؤهله للقيام بدور محوري في هذا المشهد، ليحقق لذاته مكاسب كبرى، وللدولة مكاسب ومصالح استراتيجية. فمصر تمتلك قاعدة صناعية متنوعة، وخبرات متراكمة في مجالات البنية التحتية، والطاقة، والإسكان، والأدوية، والصناعات الغذائية، والاتصالات، والخدمات اللوجستية، فضلًا عن قطاع مصرفي تطور بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير، وشركات مقاولات أصبحت من بين الأكبر إقليميًا. ورغم كل ذلك، لا يزال حجم استثمارات القطاع الخاص المصري المباشرة في إفريقيا دون الطموح، إذ يُقدَّر في أحسن التقديرات بما يتراوح بين 11 و12 مليار دولار، وفق بيان رئاسة الجمهورية بعد لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بالوفود الإفريقية المشاركة في المنتدى الوزاري الروسي الإفريقي بالقاهرة في ديسمبر 2025. وبالمقارنة باستثمارات صينية تتجاوز 45 مليار دولار، وتركية تقارب 20 مليار دولار، وإماراتية في حدود 25 مليار دولار، نجد فجوة واضحة بين المحقق والممكن. هذه الفجوة لا تعكس ضعفًا في القدرة، بقدر ما تكشف عن غياب إطار استراتيجي متكامل يقود تحركات القطاع الخاص، ويحوّل المبادرات الفردية إلى مسار مؤسسي مستدام.

الفرص المتاحة أمام الشراكات المصرية الإفريقية متعددة المستويات، ففي مقدمتها قطاع البنية التحتية، حيث تشير تقديرات بنك التنمية الإفريقي إلى أن القارة تحتاج إلى استثمارات سنوية لا تقل عن 130 إلى 170 مليار دولار لسد فجوة البنية التحتية في مجالات الطرق، والموانئ، والطاقة، والمياه. وهنا تحديدًا تبرز الخبرة المصرية، ليس فقط في التنفيذ، بل في نماذج التمويل والشراكة بين القطاعين العام والخاص، وفي القدرة على العمل في بيئات معقدة سياسيًا وأمنيًا.

كذلك يمثل قطاع الطاقة، التقليدية والمتجددة، مجالًا واعدًا، خاصة مع امتلاك إفريقيا لنحو 7 في المئة من احتياطي الغاز العالمي، وإمكانات هائلة في الطاقة الشمسية والرياح، في وقت تبحث فيه دول القارة عن شركاء موثوقين لنقل التكنولوجيا وبناء القدرات وتوطين الصناعة، لا مجرد استخراج الموارد.

كذلك فإن الزراعة والتصنيع الزراعي والكفاية والكفاءة الإنتاجية يمثلون بدورهم ركائز استراتيجية مؤثرة، فإفريقيا، التي تمتلك نحو 60 في المئة من الأراضي الزراعية غير المستغلة في العالم، تستورد غذاءً بقيمة تتجاوز 75 مليار دولار سنويًا. وبالتالي، فإن الشراكات المصرية الإفريقية في هذا المجال يمكن أن تنتقل من نمط الاستثمار الزراعي التقليدي إلى نمط سلاسل القيمة المتكاملة، ومن الإنتاج إلى التصنيع إلى التخزين والتصدير، بما يحقق الأمن الغذائي المشترك ويعظم العائد الاقتصادي. ويُضاف إلى ذلك قطاع الأدوية والرعاية الصحية، حيث تستورد إفريقيا ما يزيد عن 70 في المئة من احتياجاتها الدوائية، بقيمة سوقية تقترب من 40 مليار دولار سنويًا، بينما يمتلك القطاع الدوائي المصري قدرة تصنيعية وخبرة تنظيمية تؤهله ليكون شريكًا أساسيًا في توطين الصناعة الدوائية في إفريقيا.

غير أن هذه الفرص تصطدم بجملة من التحديات الهيكلية التي لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها بخطاب متفائل فقط، مع الاعتراف بأن التحديات لم تعد مستحيلة المواجهة. التحدي الأول يتمثل في بيئة الأعمال، حيث لا تزال العديد من الدول الإفريقية تعاني من ضعف الأطر التشريعية، وتعقيد الإجراءات، وتذبذب السياسات الاقتصادية، وهو ما يرفع من تكلفة المخاطر. ثم يأتي التحدي الثاني المرتبط بالبنية التمويلية، إذ يواجه القطاع الخاص المصري صعوبة في الحصول على تمويل طويل الأجل مخصص للتوسع الإفريقي، في ظل غياب أدوات تمويل متخصصة، وصناديق ضمان مخاطر فعالة. أما التحدي الثالث فيتمثل في نقص المعلومات الدقيقة عن الأسواق الإفريقية، وغياب قواعد بيانات متكاملة، ما يجعل القرار الاستثماري في كثير من الأحيان قائمًا على الانطباع لا على التحليل. ويُضاف إلى ذلك تحدي المنافسة الدولية الشرسة، حيث لا تتحرك الشركات الأجنبية منفردة، بل مدعومة باستراتيجيات دول، وبحزم تمويل، وضمانات سيادية، وأدوات دبلوماسية واقتصادية متكاملة، بينما في المقابل لا يزال التنسيق بين الدبلوماسية الاقتصادية المصرية وتحركات القطاع الخاص في إفريقيا دون المستوى المأمول، رغم التحسن النسبي خلال السنوات الأخيرة.

مستقبل الشراكات المصرية الإفريقية، من وجهة نظري، مرهون بالانتقال من منطق المبادرة الفردية إلى منطق الرؤية الشاملة. فنحن بحاجة إلى بناء منصة مؤسسية دائمة للشراكة، تضم الحكومة والقطاع الخاص والبنوك ومراكز الفكر، تعمل على تحديد الأولويات الجغرافية والقطاعية، وتصميم نماذج شراكة مرنة، وتوفير مظلة دعم سياسي ومالي. كما أن تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تمثل سوقًا موحدة تضم 54 دولة ونحو 1.3 مليار مستهلك، يجب أن يتحول من خطاب سياسي ونوايا طيبة إلى أداة عملية لتسهيل نفاذ الشركات المصرية، عبر قواعد منشأ واضحة، وتسهيلات جمركية، وربط لوجستي فعال.

في المحصلة، الشراكات بين القطاع الخاص المصري والإفريقي ليست مجرد فرصة اقتصادية، بل هي استثمار في الأمن القومي المصري، وفي استقرار محيطنا الاستراتيجي، وفي استعادة مصر لدورها الطبيعي كقاطرة تنمية إفريقية لا كفاعل هامشي. والنجاح في هذا المسار يتطلب شجاعة في القرار، ووضوحًا في الرؤية، وقدرة على العمل طويل النفس، بعيدًا عن منطق المكاسب السريعة.

إفريقيا لا تكافئ من يطرق بابها على عجل أو طمع، لكنها تمنح الكثير لمن يفهم تعقيدها، ويحترم خصوصيتها، ويشاركها التنمية لا يفرضها عليها.

« رامي زهدي – خبير الشؤون الإفريقية»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى