بنوتة مصرية تكتب : « عرش ووطن.. مسيرة تمكين المرأة المصرية »

لم تكن المرأة المصرية يوماً عالة على الحضارة أو هامشاً في كتاب التاريخ، بل كانت دائماً صانعة للحدث وبارعة في صياغة مقدرات وطنها. إن الحديث عن تمكين المرأة في السياق المصري ليس سعياً لانتزاع حق مفقود بقدر ما هو استكمال لمكانة أصيلة وجذور ضاربة في عمق التاريخ.
فالمرأة المصرية مُمكَّنة بطبيعتها ونشأتها وشخصيتها ، وما تحتاج إليه اليوم ليس قوانين جديدة بقدر ما هو بيئة داعمة لها ، وتقدير حقيقي داخل بيتها يرتكز على قيم الدين والشريعة.
التمكين في مصر القديمة: حتشبسوت ونفرتيتي وكليوباترا
عندما كانت مجتمعات العالم القديم تنظر إلى المرأة باعتبارها متاعاً، كانت الحضارة المصرية القديمة تمنحها حقوقاً قانونية وسياسية تضاهي الرجل.
الملكة حتشبسوت (حوالي 1479 إلى 1458 قبل الميلاد): قدمت للعالم نموذجاً فريداً في إدارة الدولة؛ حيث قادت مصر في واحدة من أزهى فترات الرخاء الاستقرائي والاقتصادي، وبنت شبكات تجارية واسعة، وأبدعت معمارياً في دير البحري في الأقصر، الذي يُعد من روائع العمارة المصرية القديمة.
الملكة نفرتيتي: لم تكن مجرد رمز للجمال فقط ، بل كانت شريكة فعلية في الحكم، وداعمة للثورة الفكرية والدينية في عصرها، وأدارت الشؤون السياسية بذكاء وحنكة تُعد نفرتيتي رمزًا للجمال والقوة والنفوذ السياسي في الحضارة المصرية القديمة.
الملكة كليوباترا (69-30 ق.م) : تميزت بذكائها وثقافتها الواسعة وخاضت صراعات سياسية مع أكبر إمبراطوريات العصر الرومان أقامت تحالفات سياسية مع القائدين الرومانيين يوليوس قيصر ثم مارك أنطونيوس لدعم مكانة مصر وقوتها ، وتحدثت عدة لغات، وسخرت دهاءها السياسي للدفاع عن استقلال مصر.
العصور الإسلامية والوسيطة: القيادة والحكمة (شجر الدر)
استمر هذا العطاء ولم ينقطع بمرور العصور، وبرز الدور القيادي للمرأة في المحطات الحرج.تجلى ذلك بأبهى صوره في شخصية الملكة شجر الدر، التي أدارت شؤون البلاد في لحظة فارقة عقب وفاة زوجها السلطان الصالح أيوب وأثناء خوض مصر معركة حاسمة ضد الحملة الصليبية السابعة.
استطاعت الملكة شجر الدر بحكمتها وكتمانها نبأ الوفاة أن تحفظ تماسك الجيش والبلاد، وتقدم نموذجاً قيادياً نادراً استحق أن يُخلّده التاريخ كإحدى أبرز النساء اللاتي حكمن بالذكاء والشجاعة.
النهضة الحديثة : رائدات العلم والأدب والصحافة
مع بداية العصر الحديث، واصلت المرأة المصرية تحطيم القيود التقليدية، لتخترق مجالات العلم والفكر والإعلام:
في المجال العلمي:
برزت سميرة موسى، أول عالمة ذرة مصرية، هالة حلمي السعيد و غادة والي و فاطمة الزهراء رجب عالمة مصرية في مجال التكنولوجيا الحيوية والبحوث الطبية
تظل سميرة موسى الاسم الأشهر بين العالمات المصريات، بسبب ريادتها في الفيزياء النووية وإنجازاتها العلمية المبكرة التي جعلتها رمزًا للمرأة العربية في العلوم.
في الصحافة والفكر الأدب والثقافة:
أثبتت درية شفيق وسهير القلماوي و عائشة عبد الرحمن و صافيناز كاظم و لطيفة الزيات وغيرهن أن القلم سلاح لا يقل قوة؛ فأسسن أولى المجلات النسائية وشاركن في الحركة الوطنية المطالبة بالحقوق السياسية للجميع و أثرت الأديبات والكاتبات المصريات المكتبة العربية بنتاج فكري عميق، يعكس وعي المرأة بقضايا مجتمعها وأمتها، عبلة الكحلاوي ، أستاذة للشريعة الإسلامية وداعية معروفة
رائدات القضاء المصري
تهاني الجبالي ،رضوى حلمي ، فاطمة قنديل هذه الأسماء تُعد بعض رموز لتقدم المرأة المصرية في مجال القضاء والعدالة.
هؤلاء يمثلون بعض النماذج البارزة في الأدب والثقافة المصرية، وقد أسهمن في إثراء الفكر والأدب العربي من خلال الرواية والنقد والترجمة والبحث الأكاديمي.
تكريم الشريعة الإسلامية للمرأة: الحماية والرعاية في كل مراحل حياتها
جاءت الشريعة الإسلامية لترسخ مكانة المرأة وتمنحها حقوقاً غير قابلة للمساس، ورعايتها مكفولة في كافة أدوارها داخل الأسرة:
الأم : جعل الإسلام برها متقدماً على غيره، وجعل الجنة تحت أقدامها، وخصها بثلاثة أضعاف حسن الصحبة مقارنة بالأب لعظم جهدها وحملها.
الزوجة : جعل العقد معها ميثاقاً غليظاً، وأمر بالمعاشرة بالمعروف، وجعل إكرامها دليلاً على كرم خلق الرجل خياركم خياركم لأهلهم.
الابنة : ألغى الإسلام عادة واد البنات، وجعل تربية الإناث والإحسان إليهن سبباً لحجاب الأب من النار ومرافقته للنبي في الجنة.
الأخت : فرض الإسلام صلتها وإكرامها وجعل الإحسان إليها من إظهار التراحم والوفاء بالرحم.
التمكين الأعظم: صناعة الأجيال والبيت السليم
إذا كان الحاضر يفتح للمرأة أبواب العمل والسياسة، فإن التمكين الحقيقي الأعمق لا يقاس فقط بقرار تُصدره أو منصب تشغله، بل يُقاس بقدرتها على بناء الإنسان. إن نجاح المرأة في تربية أطفالها على الأخلاق الحسنة، والدين القويم، والاحتفاظ بقيم احترام الكبير والعطف على الصغير، وحب وبناء الوطن هو أسمى صور التمكين وأعظم أدوارها على الإطلاق. فالمنزل السليم المتماسك هو الذي ينتج مجتمعاً سليماً قوياً. ولكي تؤدي المرأة هذه الرسالة على أكمل وجه، يتطلب الأمر:
الدعم الأسري والمجتمعي تقديم العون لها داخل بيتها، وتقدير حجم الجهد الذي تبذله في غرس القيم ورعاية الأسرة.
التقدير المعنوي التوقف عن اختزال نجاح المرأة في المكتسبات المادية فقط، وإعادة الاعتبار لدورها كمربية وموجهة لأجيال المستقبل.
التوازن والتكامل توفير بيئة ملائمة تتيح لها أداء دورها الأسري والمجتمعي دون أن تُحمل فوق طاقتها أو تُترك وحدها في مواجهة أعباء الحياة.
خاتمة: إن مسيرة المرأة المصرية عبر التاريخ تؤكد أنها لم تكن بحاجة لمن يمكّنها بل كانت دائماً حاضرة بروحها وعقلها. وإن التمكين الحقيقي يبدأ من داخل جدران البيت الصغير؛ حين تُحاط المرأة بالدعم والتقدير والرعاية التي مكفولة لها شرعاً وعرفاً، لتستمر في أداء رسالتها النبيلة في بناء البيت السليم الذي يحمي المجتمع بأكمله.









