الدكتور محمد محفوظ عمران يكتب :« العام الدراسي الجديد »

إن بناء الإنسان وصناعة مستقبل الوطن يتجددان مع إشراقة عام دراسي جديد، حيث تتجدد الآمال في نفوس أبنائنا وبناتنا.

وتتجدد معها مسؤوليتنا جميعًا تجاه التعليم، باعتباره أحد أعظم أدوات بناء الإنسان، وأقوى ركائز نهضة المجتمع والدولة.

فالتعليم ليس مجرد سنوات يقضيها الطالب بين جدران المدرسة أو الجامعة، ولا هو مجرد كتب ومناهج وامتحانات.

وإنما هو رحلة لصناعة العقل والوجدان والشخصية، وبناء الإنسان القادر على العلم والعمل والإبداع وتحمل المسؤولية.

ونحث أبناءنا الطلاب على الجد والاجتهاد، واستثمار سنوات الدراسة أفضل استثمار.

فهذه السنوات هي رأس مال الإنسان الحقيقي، وما يبذله الطالب اليوم من جهد في طلب العلم، سيعود عليه وعلى أسرته ووطنه خيرًا في المستقبل.

والعلم لا يمنح الإنسان المعرفة فقط، وإنما يمنحه القدرة على التفكير السليم، واتخاذ القرار، وحل المشكلات، ومواجهة تحديات الحياة بثقة ووعي.

وقد جعل الإسلام طلب العلم قيمة عظيمة، فقال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة».

ومن هنا، فإن إخلاص النية لله تعالى، والتحلي بآداب العلم، واحترام المعلمين والمعلمات، وحسن التعامل مع الزملاء، والانضباط والصدق والأمانة، كلها قيم لا تقل أهمية عن التحصيل العلمي ذاته.

استثمار في الإنسان

إن تقدم الأمم لا يقاس فقط بما تمتلكه من ثروات طبيعية، وإنما بما تمتلكه من عقول قادرة على استثمار هذه الثروات وتحويلها إلى إنتاج وقوة وتقدم.

ولذلك فإن التعليم يمثل استثمارًا استراتيجيًا في الإنسان، والإنسان المتعلم هو القادر على تطوير نفسه، وتحسين مستوى معيشته، والمشاركة الفاعلة في سوق العمل، وخدمة أسرته ومجتمعه ووطنه.

وعلى مستوى الفرد، يفتح التعليم أبواب المعرفة والعمل، ويرفع القدرة على الابتكار والإبداع، ويمنح الإنسان أدوات التعامل مع التكنولوجيا والتحولات المتسارعة في العالم.

أما على مستوى الأسرة، فهو وسيلة للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي، وبناء جيل أكثر وعيًا وقدرة على تحمل المسؤولية.

وعلى مستوى المجتمع، يسهم التعليم في نشر الوعي، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء، ومواجهة التطرف والشائعات والأفكار الهدامة.

كما يعزز ثقافة الحوار وقبول الآخر واحترام القانون.

أما على مستوى الدولة، فإن التعليم هو الأساس الذي تُبنى عليه التنمية المستدامة، والاقتصاد القوي، والصناعة المتقدمة، والبحث العلمي، والأمن القومي.

فالدولة التي تستثمر في عقول أبنائها، إنما تستثمر في مستقبلها وسيادتها وقدرتها على المنافسة بين الأمم.

مصر.. وطن أنجب العلماء والمبدعين

التاريخ المصري خير شاهد على أن مصر قادرة دائمًا على صناعة العقول والرموز في مختلف المجالات.

ففي العلوم المدنية، قدمت مصر للعالم نماذج مضيئة، مثل العالم الكبير أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء، والدكتور مجدي يعقوب، أحد أبرز جراحي القلب في العالم.

كما قدمت العالم مصطفى السيد في علوم الكيمياء وتكنولوجيا النانو، والدكتور فاروق الباز في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد، والدكتورة سميرة موسى، التي كانت من رائدات البحث العلمي في مجال الطاقة الذرية.

وفي الهندسة والعلوم التطبيقية والابتكار، تزخر مصر بعلماء ومهندسين ومخترعين أثبتوا أن العقل المصري قادر على المنافسة عالميًا، عندما تتوافر له البيئة المناسبة والدعم والإرادة.

وفي المجال العسكري، قدمت مصر نماذج عظيمة جمعت بين العلم والانضباط والوطنية.

وفي مقدمتهم الفريق عبد المنعم رياض، الذي أصبح رمزًا للشجاعة والعلم العسكري والتخطيط، والفريق سعد الدين الشاذلي، أحد أبرز القادة العسكريين المصريين.

وغيرهما من القادة والضباط والمهندسين الذين ساهموا في بناء قدرات القوات المسلحة المصرية وحماية الوطن.

وفي المجال الديني والفكري، أنجبت مصر علماء ومفكرين تركوا أثرًا بالغًا في العالم الإسلامي.

ومن أبرزهم الإمام محمد متولي الشعراوي، والإمام محمد عبده، والشيخ عبد الحليم محمود، وغيرهم من علماء الأزهر الشريف الذين جمعوا بين العلم والفقه والفكر وخدمة المجتمع.

وهؤلاء جميعًا يوجهون رسالة واحدة إلى أبنائنا:

أن النجاح لا يأتي مصادفة، وإنما يصنعه العلم والعمل والصبر والانضباط والإيمان بالقدرة على الإنجاز.

رسالة إلى الآباء والأمهات

مع بداية العام الدراسي الجديد، فإننا نناشد الآباء والأمهات أن يستقبلوا العام الجديد بروح من التفاؤل والثقة، وأن يكونوا سندًا لأبنائهم، لا مصدرًا للضغط والخوف.

فالطالب يحتاج إلى كلمة تشجيع، وإلى من يستمع إليه ويفهم طموحه ومشكلاته، ويعلمه أن الخطأ فرصة للتعلم وليس نهاية الطريق.

وليس الهدف أن نحصل على درجات مرتفعة فقط، وإنما أن نصنع شخصية متوازنة تمتلك العلم والأخلاق والثقة بالنفس والقدرة على تحمل المسؤولية.

إن الأسرة والمدرسة شريكان في بناء الإنسان، وكلما تكامل دورهما، كان المجتمع أكثر قدرة على صناعة جيل واعٍ ومبدع ومحب لوطنه.

رسالة إلى الإعلام

كما نناشد وسائل الإعلام المصرية أن تضطلع بدورها الوطني في دعم العملية التعليمية.

ونطالبها بتسليط الضوء على النماذج الإيجابية للطلاب والمعلمين والعلماء والمبدعين.

كما ندعو إلى تقديم محتوى يرسخ قيمة العلم والتعلم المستمر، ويعيد للمعلم مكانته، ويحفز أبناءنا على القراءة والبحث والابتكار.

فالإعلام لا يصنع الأخبار فقط، وإنما يستطيع أن يصنع اتجاهات المجتمع وقيمه وأولوياته.

وإذا أردنا بناء مجتمع يؤمن بالعلم، فعلينا أن نجعل قصص النجاح العلمي والإنساني حاضرة بقوة في إعلامنا.

التعليم.. رسالة وطنية

إن بداية العام الدراسي ليست مجرد موعد على التقويم، وإنما هي بداية جديدة لمشروع وطني متكامل لبناء الإنسان المصري.

فلنجعل من المدرسة والجامعة بيئة للعلم والأخلاق والإبداع، ولنجعل من المعلم قدوة، ومن الطالب مشروع عالم ومهندس وطبيب وقائد ومفكر وباحث وقاضٍ وجندي ومواطن صالح.

ولنجعل من الأسرة شريكًا حقيقيًا في التربية، ومن الإعلام صوتًا داعمًا للعلم والمعرفة.

وليتذكر كل طالب وطالبة أن النجاح لا يشترط أن يكون الإنسان نسخة من غيره.

فلكل إنسان موهبته وطريقه وقدرته على العطاء.

اجتهدوا. تعلموا. اقرأوا. اسألوا. ابحثوا. احلموا.

ثم حولوا أحلامكم إلى عمل.

فالأمم لا تتقدم بالأماني، وإنما تتقدم بالعقول المتعلمة، والأيدي العاملة، والأخلاق الرفيعة، والإرادة الصادقة.

ومع بداية عام دراسي جديد، ندعو الله أن يوفق أبناء مصر وبناتها، وأن يحفظ معلميها ومعلماتها، وأن يبارك في أسرها.

وأن يجعل العلم طريقًا للخير والنهضة، وأن يوفق مصر إلى مزيد من التقدم والازدهار.

فبالعلم نبني الإنسان، وبالإنسان نبني الوطن، وبالوطن القوي نصنع مستقبلًا يليق بمصر.

أرقام مهمة.. تفاصيل أعداد الطلاب

يبلغ عدد التلاميذ في التعليم قبل الجامعي بالمدارس نحو 28.9 مليون طالب وطالبة.

ويبلغ إجمالي عدد طلاب الجامعات والتعليم العالي في مصر حاليًا نحو 3.8 مليون طالب وطالبة.

ويتوزع الطلاب على الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية والتكنولوجية، بالإضافة إلى نحو 138 ألف طالب وافد ملتحقين بمنظومة التعليم العالي.

كما تم اعتماد الخريطة الزمنية للعام الدراسي 2026-2027 في مصر رسميًا، ليبدأ في 12 سبتمبر 2026 لعموم المدارس.

ويصل عدد أيام الدراسة الفعلية إلى 183 يومًا، بما يضمن جودة تحصيل الطلاب.

مسك الختام

ولأن أول كلمة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت أمرًا إلهيًا بالقراءة والعلم، فإننا نختم بهذه الآيات الكريمة من سورة العلق:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۝ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.

حفظ الله مصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى