الدكتور وليد فاروق يكتب: « الأرمن وصناعة الذهب في مصر »

كانت أسماء العائلات الأرمنية التي ظهرت على واجهات محال الصاغة في القاهرة والإسكندرية شاهدًا على فصل مهم من تاريخ صناعة الذهب في مصر؛ فترة امتزجت فيه الهجرة بالمهارة، وتحولت خلالها الورشة الصغيرة إلى جسر يصل بين تقاليد الصياغة العثمانية، والموديلات الأوروبية، وذوق المستهلك المصري.
وبحلول ستينيات القرن العشرين، كان الأرمن الذين اختاروا البقاء في مصر قد استقروا في هوية مزدوجة لا تعرف التناقض؛ فقد أصبحوا مصريين بقدر ما ظلوا أرمنًا، محتفظين بطبقة ثقافية خاصة حافظت عليها الكنائس والمدارس والصحف والجمعيات. ويلخص الباحث الديموغرافي أيمن زهري هذه الحالة باعتبارها اندماجًا مصريًا كاملًا، مع احتفاظ الجماعة بخصوصيتها الثقافية.
يرجع الوجود الأرمني الحديث في مصر إلى بدايات القرن التاسع عشر، حين استعان محمد علي باشا وخلفاؤه بموظفين ومستشارين وتجار وحرفيين أرمن ضمن مشروع بناء الدولة الحديثة.
واتسع حضورهم خلال عهد الخديو إسماعيل، قبل أن تتسارع الهجرة بعد موجات الاضطهاد التي تعرض لها الأرمن داخل الدولة العثمانية منذ عام 1896.
ومع الإبادة الجماعية عام 1915، تحولت الهجرة من انتقال اختياري بحثًا عن العمل والأمان إلى نزوح قسري واسع.
ووصلت مجموعات من اللاجئين إلى مصر، من بينها آلاف الأرمن الذين أُنقذوا من جبل موسى ونُقلوا إلى مخيمات أقيمت لهم في بورسعيد، وفقًا لما توثقه موسوعة الهولوكوست والمعهد القومي الأرمني.
جاء بين هؤلاء صاغة وحرفيون يحملون خبرة متراكمة من المدن الحضرية داخل الدولة العثمانية، ولم تكن صياغة الذهب مهنة طارئة على الأرمن؛ فالسجلات الحرفية العثمانية المبكرة تشير إلى وجودهم داخل نقابات الصاغة، كما تولت عائلة دوزيان الأرمنية أدوارًا بارزة في إدارة دار الضرب العثمانية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأسهم حرفيون أرمن في نقل تقنيات أوروبية، خصوصًا أعمال المينا والرسم الدقيق، إلى فنون المجوهرات العثمانية.
وكان السوق المصري مهيأ لاستقبال هذه الخبرات، فبعد دخول العثمانيين مصر عام 1517، تشير المصادر التاريخية إلى نقل السلطان سليم الأول عددًا من أمهر الحرفيين المصريين إلى الأستانة، وهو ما أضعف بعض سلاسل المهارة المحلية، من دون أن يعني انتهاء الحرفة المصرية كما تذهب بعض الروايات المطلقة.
وفي القرن التاسع عشر، أدى الانفتاح التجاري والوجود الأوروبي، ولا سيما الفرنسي والإنجليزي، إلى انتشار موديلات جديدة في المجوهرات، وعندما وصل الأسطوات الأرمن، امتلكوا القدرة الفنية التي تسمح بتحويل تلك الرسوم والموديلات إلى قطع يمكن إنتاجها داخل الورشة المصرية.
ويلخص الباحث عطا درغام تطور الحرفة في ثلاث لحظات رئيسية: انتقال عدد من الحرفيين المصريين إلى الأستانة عقب الغزو العثماني، ثم دخول التصميمات الأوروبية إلى السوق المصرية، وأخيرًا نزوح الصاغة الأرمن المهرة الذين استطاعوا تنفيذ هذه التصميمات بمستوى مرتفع من الدقة.
وتكشف دراسة أكاديمية أعدها بيدروس توروسيان في الجامعة الأمريكية ببيروت عن المهاجرين الأرمن في مصر بين عامي 1882 و1914، أن الحرفيين والصناع مثّلوا نحو 45.8% من قوة العمل الأرمنية، وأن الصياغة وصناعة المجوهرات كانتا من أكثر أنشطتهم وضوحًا.
كما رصدت الدراسة تمركزهم في شارع الصاغة بالقاهرة وشارع فرنسا بالإسكندرية، وربطت نجاحهم بمهارتهم ومتابعتهم المستمرة للاتجاهات الأوروبية.
وفي القاهرة، استقر الصاغة الأرمن في خان الخليلي ووكالة الجواهرجية وحي الصاغة، قبل أن يمتد وجود بعض المتاجر الراقية إلى منطقة المناخ وشارع عبد الخالق ثروت.
أما في الإسكندرية، فانتشروا في شارع فرنسا وسوق الصيارف ومحيط جامع العطارين، لتتشكل خريطة مهنية جمعت بين الورشة التقليدية والسوق السياحية ومتاجر النخبة المتخصصة في المجوهرات والأحجار الكريمة.
ويوثق كتاب «صاغة مصر.. النشأة وتطورها التاريخي» صورة رقمية نادرة لهذا الحضور؛ إذ تشير قراءته لجداول تعداد عام 1882 إلى وجود 101 صائغ أرمني، مقابل 106 صاغة مسلمين، بما يكشف عن الثقل الكبير الذي تمتع به الأرمن داخل المهنة في ذلك الوقت.
كما تكشف دراسة أصول الصاغة الأرمن عن ارتباط غالبيتهم بمراكز حضرية كبرى، في مقدمتها الأستانة والقاهرة وحلب، إلى جانب قيصرية وبروصة وأزمير وسيباستيا وآجن وفان، فقد جاء هؤلاء من مدن عرفت الأسواق المنظمة ونظام الطوائف الحرفية والاتصال التجاري بين الشرق وأوروبا.
وحافظت الصياغة على طابعها العائلي؛ إذ انتقلت المعرفة من الأب إلى الابن، ومن الأسطى إلى الصبي، داخل دائرة ثقة ضيقة تحمي أسرار الخلط واللحام والتطعيم والتشطيب.
ومن أبرز العائلات التي ارتبط اسمها بالمهنة: جيفاهيرجيان، وموجيان، ويرجنيان، وعريفيان، وكيفوركيان، وبندريان، وخانتيميان، وشاهبازيان، وكازانجيان، وكيزيليان.
ولم يكن الاسم العائلي مجرد نسب، بل كان علامة جودة وضمانًا اجتماعيًا أمام الزبون، في وقت اعتمدت فيه سوق المجوهرات على السمعة والثقة أكثر من اعتمادها على الإعلانات أو العلامات التجارية بمفهومها الحديث.
ولعل أبرز ما أضافه الأرمن إلى السوق المصرية هو توسيع المسافة بين الذهب بوصفه وعاءً للادخار، والمجوهرات باعتبارها منتجًا فنيًا.
فقد أسهموا في تنفيذ تصميمات أوروبية دقيقة، وفي زيادة حضور مشغولات عيار 18، التي تحتوي على 75% من الذهب الخالص وتتطلب ضبطًا محكمًا لنسب المعادن المضافة، خصوصًا في القطع المرصعة والتصميمات كثيرة التفاصيل.
وكان السوق المصري يميل تقليديًا إلى مشغولات عيار 21، بينما ظل الإقبال على عيار 18 محدودًا حتى منتصف القرن العشرين، غير أن الصاغة الأرمن قدموه في موديلات أوروبية اتسمت بالدقة والحرفية، ما ساعد تدريجيًا على قبوله بين شرائح أوسع من المصريين، ولا سيما في المدن وبين زبائن المجوهرات الحديثة.
وتدل اليومية الخاصة بمحل «سركيس وفاهان كيزيليان إخوان» في وكالة الجواهرجية، خلال الفترة من مايو 1939 إلى 11 مايو 1944، على أن نجاح الصائغ الأرمني لم يكن محصورًا داخل طائفته، فبحسب تحليل السجل، شكّل المصريون 35.7% من الزبائن، والأرمن 23%، والشوام 10.7%، والأوروبيون 10.7%.
كانت الورشة أرمينية الخبرة، لكنها مصرية السوق ومتعددة الزبائن، وهي صورة تختصر طبيعة القاهرة التجارية في تلك الفترة، وقدرة الصائغ الماهر على تجاوز حدود الطائفة والوصول إلى مختلف فئات المجتمع.
بلغ تعداد الأرمن في مصر ذروته خلال الأربعينيات، عندما قُدر عددهم بنحو 40 ألف شخص، قبل أن يبدأ الاتجاه العكسي عقب ثورة يوليو 1952.
وتسارعت المغادرة منذ أزمة السويس عام 1956، ثم مع التشريعات الاشتراكية وسياسات التأميم في مطلع الستينيات، فتوجه كثير منهم إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وأوروبا.
ولم يكن تراجع صناعة الذهب بعد ذلك نتيجة خروج جماعة واحدة أو قرار منفرد؛ فقد اجتمعت إعادة هيكلة الاقتصاد مع هجرة قطاعات من الأرمن واليهود والأوروبيين وتغير أنماط الإنتاج، لتفقد السوق في وقت واحد جزءًا من رأس المال والشبكات التجارية والخبرة اليدوية.
لكن خروج عدد كبير من الصاغة الأرمن كان مؤثرًا بصورة خاصة، لأن ما حملوه معهم لم يكن آلات يمكن استيراد بديل لها، بل معرفة حرفية تكونت عبر أجيال، وذاكرة أصابع تحفظ أسرار المهنة وتفاصيلها الدقيقة.
بقي في مصر عدد من الصاغة والعائلات الأرمنية، لكن أثرهم ظل أوسع من عددهم، ويظهر ذلك في استمرار احترام التفاصيل الدقيقة، وانتشار عيار 18 داخل سوق المجوهرات الحديثة، وبقاء أسماء ارتبطت في الذاكرة المصرية بالثقة والحرفية.
ومن هنا، فإن قصة الأرمن مع الذهب المصري ليست هامشًا في تاريخ جالية أجنبية، بل جزء أصيل من تاريخ الصناعة الوطنية نفسها؛ صناعة صاغتها الهجرة، ثم أعادت مصر صوغ أصحابها، حتى صاروا مصريين بقدر ما ظلوا أرمنًا.









