مصر تعيد رسم خريطة التعدين.. تحويل الخامات إلى صناعة ورفع القيمة المضافة

تتجه مصر إلى إعادة صياغة دور قطاع التعدين من مجرد استخراج وتصدير الخامات إلى توظيفها كمدخلات رئيسية للصناعة، ضمن توجه يستهدف رفع القيمة المضافة وتعميق سلاسل التوريد المحلية وخلق فرص تصديرية جديدة.

وقال المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، خلال جلسة نقاشية بعنوان «مواءمة تنمية الموارد المعدنية مع النمو الصناعي» على هامش النسخة الخامسة من منتدى مصر للتعدين، إن الحكومة تدرس حاليًا المعادن المستخرجة في مصر لتحديد مدى قابليتها للتصنيع، والعمل على تطوير سلاسل قيمة متكاملة تبدأ من الاستخراج وتمتد إلى المعالجة والتكرير والتصنيع.

ويستند هذا التوجه إلى استراتيجية الصناعة المصرية التي صنفت المعادن الأساسية ضمن الصناعات الاستراتيجية، بما يعكس سعي الحكومة إلى ربط الثروة التعدينية باحتياجات القطاعات الصناعية بدل التعامل معها كسلع خام منفصلة.

مصر تدرس تصنيع المعادن المستخرجة محليًا

أكد وزير الصناعة أن الحكومة تعمل حاليًا على دراسة مختلف المعادن المستخرجة في مصر لتحديد الفرص المتاحة لتصنيعها محليًا، وتحسين سلاسل القيمة الخاصة بمعالجتها.

ويستهدف هذا المسار زيادة القيمة المضافة للمعادن المصرية وتحويلها إلى مواد خام وسيطة تخدم قطاع الصناعة، بما يدعم توطين مدخلات الإنتاج وتقليل الاعتماد على الخارج.

ويضع هذا التوجه قطاع التعدين في قلب السياسة الصناعية، من خلال الربط بين موارد الدولة الطبيعية وبين احتياجات المصانع والأسواق المحلية والخارجية.

من استخراج الخام إلى سلسلة صناعية متكاملة

وأوضح هاشم أن الحكومة تستهدف تطوير سلاسل قيمة متكاملة لقطاع التعدين تربط بين عمليات الاستخراج والمعالجة والتكرير والتصنيع القائم على المعادن.

وتقوم الفكرة على المواءمة بين سياسات التعدين والسياسات الصناعية، بحيث لا تتوقف الاستفادة الاقتصادية عند استخراج الخام، بل تمتد إلى المراحل الأعلى قيمة داخل سلسلة الإنتاج.

ويرتبط ذلك بعدة أهداف، من بينها دعم الصناعات ذات القيمة المضافة الأعلى، وتعزيز سلاسل التوريد المحلية والإقليمية، وتقليل الاعتماد على المدخلات المستوردة، وفتح فرص جديدة أمام الصادرات المصرية.

الفوسفات يتجه من التصدير الخام إلى التصنيع

وضرب وزير الصناعة مثالًا بقطاع الفوسفات، موضحًا أن مصر اتخذت خطوات للحد من تصدير الخام، مع إعطاء الأولوية للتصنيع المحلي والصناعات التحويلية الأعلى قيمة.

وتشمل هذه الرؤية التوسع في منتجات مثل حمض الفوسفوريك والأسمدة الفوسفاتية بدلًا من الاكتفاء بتصدير خام الفوسفات.

ويعكس هذا النموذج توجهًا نحو تحقيق عائد اقتصادي أكبر من المورد نفسه عبر إدخاله في مراحل تصنيع متعددة قبل طرحه في الأسواق.

المنجنيز يدخل خطط التصنيع المحلي

وأشار هاشم إلى أن خام المنجنيز المصري يمثل أحد المدخلات الرئيسية في صناعة الحديد والصلب وبعض الصناعات الثقيلة، ما يجعله أحد الخامات المهمة لتعظيم الاستفادة من الثروات التعدينية.

ويرتبط تصنيع المنجنيز محليًا أيضًا بهدف تقليل فاتورة واردات بعض المواد، وفي مقدمتها المواد الحرارية وسبائك السيليكون والمنجنيز.

وقال الوزير إنه تم خلال العام الجاري التعاون مع شركتين للعمل على تصنيع الخام محليًا، بهدف توفيره بتركيز عالٍ، وزيادة الصادرات، وخلق فرص عمل جديدة، إلى جانب تعميق سلاسل الإمداد المحلية.

الصناعة المصرية تبحث عن قيمة مضافة أعلى

ويعكس التوجه الحكومي تغييرًا في طريقة التعامل مع الموارد المعدنية، من خلال النظر إليها باعتبارها مواد خام يمكن أن تغذي صناعات متكاملة، وليس مجرد سلع أساسية جاهزة للتصدير.

وقال وزير الصناعة إن الهدف هو ربط الصناعة المصرية بـسلاسل القيمة الإقليمية والعالمية، بما يسمح بزيادة الاستفادة الاقتصادية من الموارد المحلية وتحسين موقع المنتجات المصرية داخل الأسواق الخارجية.

وتعني هذه الرؤية أن التوسع في التعدين يرتبط بصورة مباشرة بالتوسع في الصناعات التحويلية، كلما أمكن إدخال الخامات المصرية في مراحل إنتاج أعلى قيمة.

220 مليار دولار حجم التجارة البينية الأفريقية

وعلى مستوى التعاون مع دول القارة، قال هاشم إن حجم التجارة البينية الأفريقية يبلغ نحو 220 مليار دولار، معتبرًا أن هذا الرقم لا يزال محدودًا بالنظر إلى عدد الدول الأفريقية البالغ 54 دولة، وإلى حجم الموارد والطلب والواردات من بقية دول العالم.

ويضع الوزير هذا التفاوت كدافع لتعزيز التكامل بين الدول الأفريقية في مجال التعدين والصناعات القائمة على المعادن.

ويشمل هذا التكامل، وفق الطرح الذي قدمه، مشاركة الدول بما تمتلكه من عمالة مدربة وخبرات ومهارات وتكنولوجيا وخامات معدنية وقدرات تصنيع، بما يسمح بإنتاج منتجات معدنية تخدم الأسواق الأفريقية مجتمعة.

التعدين يمكن أن يتحول إلى منصة للتكامل الأفريقي

يرى وزير الصناعة أن التعاون في مجال التعدين يمكن أن يتجاوز مجرد تبادل الخامات ليصل إلى بناء قدرات صناعية مشتركة داخل القارة.

ووفق هذا التصور، يمكن توزيع أدوار الإنتاج بين الدول الأفريقية وفق ما يتوافر لديها من موارد وخبرات وتكنولوجيا وقدرات صناعية، وصولًا إلى منتجات نهائية أو وسيطة تخدم احتياجات القارة.

ويمنح هذا النموذج قطاع التعدين دورًا أوسع من توفير المواد الخام، ليصبح أحد مسارات التكامل الاقتصادي والصناعي الأفريقي.

«إفريقيا العلمين» يستكمل أجندة التكامل

وأشار هاشم إلى أن منتدى «إفريقيا العلمين» المقرر أن تستضيفه مصر مطلع الشهر المقبل سيؤكد على هذا التوجه، خصوصًا ما يتعلق بتعزيز التعاون بين الدول الأفريقية في المجالات الاقتصادية والصناعية.

وتتقاطع هذه الرؤية مع هدف بناء سلاسل إمداد أكثر تكاملًا داخل القارة، والاستفادة من الموارد والخبرات المتاحة لدى الدول بدل الاعتماد بصورة أكبر على سلاسل توريد خارجية.

مصر تربط التعدين بالصناعة والتصدير

تكشف مداخلات وزير الصناعة خلال منتدى مصر للتعدين عن توجه واضح نحو إعادة تعريف دور الثروة المعدنية في الاقتصاد المصري، بحيث تصبح نقطة انطلاق للصناعة والتشغيل والتصدير، وليس نهاية دورة الإنتاج.

وتظهر أمثلة الفوسفات والمنجنيز كيف تسعى الحكومة إلى دفع الخامات المصرية نحو مراحل تصنيع أعلى قيمة، بالتوازي مع العمل على خفض واردات بعض المدخلات وتعزيز الصادرات.

وفي الوقت نفسه، تضع مصر التعاون الأفريقي في مجال التعدين والصناعة ضمن مسار أوسع يستهدف بناء سلاسل قيمة إقليمية قادرة على الاستفادة من موارد القارة وطلبها الكبير، وتحويل الثروات المعدنية إلى قاعدة للنمو الصناعي المستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى