2.5 مليار دولار تحت التدقيق.. تقرير «الفيدرالي» يحسم مصير ملف تجديدات باول

تحولت تجديدات مقر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من مشروع لتحديث مبانٍ تاريخية إلى أحد أبرز ملفات الصدام بين الرئيس دونالد ترامب وجيروم باول، بعدما ارتفعت التكلفة المقدرة للمشروع إلى 2.46 مليار دولار، وأصبح ملف الإنفاق مدخلًا لتحقيقات وضغوط سياسية استمرت من عام 2025 حتى سبتمبر 2026.
وفي أحدث تطور، خلص تقرير المفتش العام للاحتياطي الفيدرالي إلى وجود أوجه قصور في الإشراف وإدارة المشروع، لكنه لم يجد سوء سلوك أو أساسًا للإحالة الجنائية، ليضع نهاية لواحد من أكثر الملفات حساسية التي ارتبطت بعلاقة ترامب المتوترة مع باول.
البداية.. خلاف على الفائدة سبق أزمة التجديدات
لم يبدأ الصدام بين ترامب وباول بسبب أعمال التجديد؛ إذ تعود جذوره إلى 2018، بعد أشهر قليلة من تولي باول رئاسة الاحتياطي الفيدرالي عقب ترشيحه من ترامب.
وانتقد ترامب آنذاك مسار السياسة النقدية، مع اعتراضه على رفع أسعار الفائدة وعدم خفضها بالسرعة التي كان يراها مناسبة للاقتصاد الأمريكي، ووصل الأمر إلى مناقشة إمكانية إقالة باول بصورة خاصة.
وبمرور السنوات، أصبحت استقلالية الاحتياطي الفيدرالي إحدى النقاط الرئيسية في الخلاف بين الطرفين، قبل أن يتحول ملف التجديدات إلى محور جديد للمواجهة خلال الولاية الثانية لترامب.
مشروعان تاريخيان وتكلفة تتجه إلى 2.46 مليار دولار
تتركز أعمال التجديد في مبنى إيكلز، الذي شُيد بين عامي 1935 و1937، ومبنى شارع الدستور الذي يعود إلى عام 1932، وكلاهما يقع في منطقة ناشونال مول بواشنطن ومدرج ضمن المباني التاريخية.
وكان الهدف من المشروع تحديث أنظمة قديمة مرتبطة بالكهرباء والسباكة وأنظمة الإطفاء والتكييف، إلى جانب معالجة مواد خطرة مثل الأسبستوس والرصاص وتحسين متطلبات السلامة وإمكانية الوصول.
وبحلول أحدث ميزانية معتمدة، وصلت التكلفة التقديرية إلى 2.46 مليار دولار، مقارنة بنحو 1.88 مليار دولار في الميزانية السابقة، لتصبح الزيادة في النفقات محورًا رئيسيًا للانتقادات السياسية والإعلامية.
2025.. التجديدات تتحول إلى ملف سياسي
في أبريل 2025، تصاعد الجدل حول ما وصفته تقارير إعلامية بالتجديدات الفاخرة، ودعا إيلون ماسك، الذي كان يقود في ذلك الوقت جهود خفض الإنفاق الحكومي ضمن إدارة ترامب، إلى التحقيق في التكلفة.
وفي يونيو، واجه باول أسئلة مباشرة داخل مجلس الشيوخ بشأن المشروع، ورد بأن المباني قديمة وتعاني مشكلات مرتبطة بالسلامة، نافياً أن تكون الأعمال تستهدف تحسينات فاخرة.
ثم تصاعد الضغط في يوليو، بعدما نقل مدير مكتب الإدارة والميزانية راسل فوغت إلى باول قلق ترامب بشأن تجاوزات التكلفة.
ورد باول بأن جزءًا كبيرًا من الزيادة ارتبط بارتفاع أسعار المواد والعمالة بعد جائحة كورونا، إلى جانب تغييرات في التصميم ومتطلبات فرضتها الجهات المعنية بالتخطيط، فضلًا عن تكاليف لم تكن متوقعة، من بينها معالجة الأسبستوس.
ومع اشتداد الجدل، طلب باول من المفتش العام للاحتياطي الفيدرالي إعادة النظر في تكلفة المشروع.
ترامب يلوّح بالتصعيد والتحقيق الجنائي يبدأ
في أغسطس 2025، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن ترامب يدرس رفع دعوى قضائية ضد باول على خلفية أعمال التجديد.
لكن التصعيد بلغ مستوى مختلفًا في يناير 2026، عندما أعلن باول أن وزارة العدل أصدرت استدعاءات أمام هيئة محلفين كبرى تتعلق بأعمال التجديد وشهادته أمام الكونجرس بشأن المشروع، ووصف التحقيق بأنه محاولة غير مسبوقة للترهيب.
وأصبح استقلال الاحتياطي الفيدرالي حاضرًا بقوة في المعركة السياسية، بعدما أعلن السيناتور الجمهوري توم تيليس أنه سيعرقل ترشيح كيفن وارش لخلافة باول إلى أن يُحسم التحقيق.
مارس 2026.. القضاء يوقف الاستدعاءات
في مارس، أوقف رئيس قضاة المحكمة الجزئية الأمريكية جيمس بواسبيرج الاستدعاءات المرتبطة بالتحقيق.
واعتبرت المحكمة أن الحكومة لم تقدم أساسًا كافيًا للاشتباه بارتكاب باول جريمة، وخلصت إلى أن الغرض من الاستدعاءات ارتبط بالضغط عليه للرضوخ لمطالب سياسية تتعلق بأسعار الفائدة أو ترك منصبه.
وبذلك أصبح الملف القضائي جزءًا مباشرًا من الجدل الأوسع حول حدود السلطة التنفيذية واستقلال البنك المركزي الأمريكي.
أبريل.. وزارة العدل تنهي تحقيقها
في أبريل 2026، أعلنت المدعية العامة الأمريكية جانين بيرو إغلاق التحقيق الجنائي المتعلق بتجاوزات تكلفة تجديدات الاحتياطي الفيدرالي.
وفي الوقت نفسه، ظل فحص المفتش العام للمشروع قائمًا، بينما أعلن باول أنه سيبقى في الاحتياطي الفيدرالي إلى أن ينتهي التحقيق بصورة نهائية وشفافة.
وأدى إغلاق التحقيق الجنائي إلى إزالة العقبة السياسية الرئيسية أمام استكمال إجراءات تعيين كيفن وارش خلفًا لباول في رئاسة البنك المركزي.
مايو.. وارش يتولى الرئاسة وباول يبقى محافظًا
انتهت ولاية باول كرئيس للاحتياطي الفيدرالي في مايو 2026، وتولى كيفن وارش رئاسة البنك في 22 مايو.
لكن باول لم يغادر مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، ليواصل عضويته في المجلس والمشاركة في مناقشات السياسة النقدية والتصويت على قرارات الفائدة.
وأبقى هذا الترتيب باول داخل المؤسسة النقدية الأمريكية، ولكن بعيدًا نسبيًا عن الواجهة العامة مقارنة بالفترة التي كان فيها رئيسًا للبنك.
سبتمبر 2026.. قصور في الإدارة بلا أساس جنائي
وجاء تقرير المفتش العام في سبتمبر ليقدم الخلاصة النهائية للملف الرقابي.
التقرير سجل أوجه قصور في إدارة المشروع والإشراف عليه، لكنه لم يجد سوء سلوك أو أسبابًا لإحالة جنائية، ما يفصل بين وجود إخفاقات في إدارة مشروع ضخم وبين إثبات ارتكاب جريمة.
وأعاد التقرير بذلك ملف التجديدات إلى جوهره الإداري: مشروع ارتفعت تكلفته بصورة كبيرة، وواجه انتقادات بشأن التخطيط والإشراف والسيطرة على المصروفات، لكنه لم ينتهِ إلى اتهام جنائي ضد باول.
وبعد سنوات من المواجهة بين ترامب وباول، أصبح مصير رئاسة الاحتياطي الفيدرالي قد حُسم لصالح وارش، بينما بقي باول عضوًا في مجلس المحافظين، وانتهى المسار الجنائي المرتبط بتجديدات المقر من دون إحالة جنائية.









