من 14% إلى 25%.. ناجل يرصد التحول الكبير في احتياطيات البنوك المركزية نحو الذهب

عاد الذهب إلى صدارة حسابات البنوك المركزية بشأن إدارة الاحتياطيات، مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع مستويات الدين السيادي والمخاوف المرتبطة بالعقوبات وتجميد الأصول، وفق يواخيم ناجل، رئيس البنك المركزي الألماني «البوندسبانك».
وقال ناجل خلال مؤتمر LBMA العالمي للمعادن الثمينة في سورينتو بإيطاليا، إن مبررات تنويع الاحتياطيات باتجاه الذهب لا تزال قوية، مشيرًا إلى أن حصة المعدن من احتياطيات البنوك المركزية العالمية ارتفعت من نحو 14% في 2023 إلى قرابة 25% حاليًا.
ويرى رئيس البوندسبانك أن هذا التحول لا يتعلق فقط بالارتفاع الكبير في سعر الذهب، وإنما يعكس أيضًا تغيرًا في طريقة تقييم البنوك المركزية لمخاطر الاحتياطيات وأمان الأصول التي تحتفظ بها.
من 14% إلى 25%.. الذهب يوسع حضوره في الاحتياطيات
أوضح ناجل أن ارتفاع حصة الذهب من الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الأخيرة ارتبط جزئيًا بصعود سعر المعدن، لكنه أشار إلى أن المخاطر الجيوسياسية غيرت بصورة جوهرية حسابات إدارة الاحتياطيات.
وأصبح الذهب، وفق هذه الرؤية، أكثر أهمية كأداة لتنويع الاحتياطيات في ظل عالم يشهد تغيرات في التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد والسياسة النقدية.
وقال ناجل إن الحاجة إلى مزيد من التنويع نحو الذهب لا تزال كبيرة، في إشارة إلى أن التحول الذي بدأ خلال السنوات الماضية لا يبدو مؤقتًا.
لماذا يختلف الذهب عن السندات والودائع؟
يكمن أحد أهم عوامل جاذبية الذهب، بحسب ناجل، في أن الذهب المادي لا يعتمد على جهة مُصدرة أو طرف مقابل للوفاء بالتزام مالي.
وتتعرض السندات والودائع الأجنبية، في المقابل، لمخاطر مرتبطة بالجهات المصدرة والأنظمة المالية التي توجد فيها، كما يمكن أن تصبح بعض الأصول عرضة للتجميد في حالات العقوبات.
أما الذهب المادي المحتفظ به محليًا، فلا يحمل النوع نفسه من مخاطر الطرف المقابل، وهو ما يجعله أداة مهمة لتنويع الاحتياطيات خلال الأزمات الاقتصادية والمالية والجيوسياسية.
الديون السيادية المرتفعة تفتح بابًا جديدًا أمام الذهب
لا يرى ناجل أن ارتفاع عوائد السندات الحكومية العالمية يلغي جاذبية الذهب؛ صحيح أن العوائد الأعلى تجعل السندات أكثر جاذبية نسبيًا لمديري الاحتياطيات، لكنها في الوقت نفسه تتزامن مع ارتفاع مستويات الدين الحكومي.
ويؤدي تضخم الدين السيادي إلى زيادة التساؤلات بشأن الجدارة الائتمانية لبعض الأصول الحكومية، وهو ما يمكن أن يمنح الذهب ميزة إضافية في المحافظ الاحتياطية.
وأشار ناجل إلى أن المخاوف المرتبطة بالأوضاع المالية للدول يمكن أن تتحول في حد ذاتها إلى عامل يدعم أسعار الذهب، خصوصًا عندما ترتفع مستويات القلق بشأن قدرة الحكومات على ضبط أوضاعها المالية.
البوندسبانك يحتفظ بأكثر من 3500 طن من الذهب
وتقدم ألمانيا نموذجًا واضحًا على استمرار الأهمية الاستراتيجية للمعدن، إذ يمتلك البوندسبانك أكثر من 3500 طن من الذهب، ليكون ثاني أكبر حائز رسمي للذهب في العالم.
ويربط ناجل بين حجم الاحتياطي الألماني والتحول الأوسع في تفكير البنوك المركزية، معتبرًا أن بناء محافظ أكثر تنوعًا أصبح اتجاهًا مستمرًا لا يتوقع اختفاءه في المستقبل القريب.
وبذلك لا يتعامل الذهب في هذا السياق باعتباره مجرد أصل استثماري، وإنما باعتباره أداة لإدارة مخاطر الاحتياطيات في بيئة مالية وجيوسياسية أكثر تقلبًا.
اضطرابات العالم تضع الذهب أمام اختبار جديد
جاءت تصريحات ناجل في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي ضغوطًا مرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط واضطرابات طرق التجارة والطاقة، وهي تطورات رفعت مستويات عدم اليقين أمام البنوك المركزية.
ورغم هذه الاضطرابات، يرى ناجل أن الاقتصاد العالمي أظهر قدرة لافتة على الصمود، مع استمرار نمو التجارة وقوة الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والرقمنة والدفاع وأمن الطاقة.
كما أشار إلى أن اقتصاد منطقة اليورو كان أكثر صمودًا مما كان متوقعًا، مدعومًا بالصادرات والاستهلاك والقطاع الصناعي.
أوروبا تتوقع نموًا 0.9% في 2026
تأتي هذه النظرة المتفائلة نسبيًا متسقة مع أحدث توقعات موظفي البنك المركزي الأوروبي، التي ترى نمو اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 0.9% في 2026 و1.4% في 2027 و1.5% في 2028.
وفي المقابل، يتوقع البنك المركزي الأوروبي أن يبلغ التضخم السنوي 3% في 2026 و2.5% في 2027 و2.1% في 2028، مع بقاء مخاطر الأسعار المرتبطة بالطاقة مرتفعة.
ويعني ذلك أن البنك المركزي الأوروبي يواجه معادلة صعبة بين دعم النمو واحتواء تضخم لا يزال أعلى من مستهدف 2%.
التضخم عند 3.8% يضغط على حسابات المركزي الأوروبي
حذر ناجل من أن ارتفاع أسعار الطاقة لم يتحول حتى الآن إلى موجة ثانية واضحة في الأجور وتحديد الأسعار، لكن المخاطر لا تزال تميل إلى الاتجاه الصعودي.
وبلغ التضخم في منطقة اليورو 3.8% في سبتمبر، وفق أحدث قراءة، وهو ما يقارب ضعف هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2%.
وأشار ناجل إلى مجموعة من المخاطر التي يمكن أن تبقي الضغوط السعرية مرتفعة، من بينها انخفاض مخزونات الغاز الأوروبية، وتراجع طاقات التكرير، والجفاف والحرائق ونقص الأسمدة.
وفي المقابل، قال إن توقعات التضخم طويلة الأجل لا تزال متوافقة مع هدف البنك المركزي الأوروبي، ولم تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على انتقال صدمة الطاقة إلى دوامة مستدامة في الأجور والأسعار.
الفائدة عند 2.5%.. والقرارات مفتوحة على البيانات
رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرتين خلال يونيو وسبتمبر بمقدار 25 نقطة أساس في كل مرة، لترتفع فائدة الإيداع إلى 2.5%.
ودافع ناجل عن قراري رفع الفائدة، لكنه لم يلتزم بمسار محدد للزيادات المقبلة، مؤكدًا أن السياسة النقدية ينبغي أن تظل مرنة وتعتمد على البيانات الواردة.
وتشير هذه اللهجة إلى أن مسار الفائدة الأوروبية سيظل مرتبطًا بدرجة انتقال صدمة الطاقة إلى التضخم الأساسي والأجور، وليس بمجرد ارتفاع أسعار الطاقة في حد ذاته.
الذهب أمام معادلة جديدة في النظام النقدي العالمي
يرى ناجل أن التحول في احتياطيات البنوك المركزية نحو الذهب يمثل اتجاهًا طويل الأجل، وليس مجرد استجابة مؤقتة لتحركات الأسعار.
فالذهب يواجه من ناحية ضغطًا تقليديًا من ارتفاع العوائد، لكنه يحصل من ناحية أخرى على دعم هيكلي من رغبة البنوك المركزية في تنويع الاحتياطيات وتقليل بعض مخاطر الطرف المقابل والعقوبات والديون السيادية.
ولهذا، فإن أهمية الذهب في النظام النقدي العالمي قد تتجاوز ارتباطه التقليدي بأسعار الفائدة؛ إذ أصبح، وفق رؤية ناجل، جزءًا من حسابات الأمان والسيادة وتنويع الاحتياطيات.
ومع وصول حصة الذهب إلى قرابة 25% من احتياطيات البنوك المركزية العالمية وامتلاك البوندسبانك أكثر من 3500 طن، تبدو رسالة ناجل واضحة: البنوك المركزية لا تنظر إلى الذهب كأصل من الماضي، بل كأداة قد تزداد أهميتها في النظام المالي العالمي الجديد.









