التكنولوجيا المالية تعبر الخط الأحمر.. التراخيص والودائع سلاحها الجديد ضد البنوك

لم تعد شركات التكنولوجيا المالية في أمريكا اللاتينية تكتفي بمنافسة البنوك التقليدية على العملاء والخدمات الرقمية، بل بدأت الانتقال إلى مرحلة أكثر تأثيرًا، عبر السعي للحصول على التراخيص المصرفية والودائع والميزانيات العمومية التي تمنحها القدرة على العمل كبنوك كاملة.

وتبرز البرازيل باعتبارها النموذج الأكثر وضوحًا لهذا التحول، بعدما أصبح بنك نوبانك أكبر مؤسسة مالية خاصة في البلاد من حيث عدد العملاء، وفق بيانات حديثة للبنك المركزي البرازيلي، مع امتلاكه قاعدة عملاء تتجاوز 112 مليونًا.

ويعني هذا التحول أن شركات التكنولوجيا المالية التي ظهرت قبل نحو عقد باعتبارها منافسًا للبنوك الراسخة، بدأت الآن في تبني الأدوات التنظيمية والاقتصادية التي تقوم عليها الصناعة المصرفية نفسها.

نوبانك يتجاوز البنوك الخاصة في عدد العملاء

بحسب بيانات البنك المركزي البرازيلي، يمتلك ما يقارب 60% من البالغين في البرازيل حسابات لدى نوبانك، ليصبح أكبر مؤسسة مالية خاصة في البلاد من حيث عدد العملاء، رغم أنه لا يزال بعيدًا عن تصدر القطاع من حيث حجم الأصول.

وتكشف بيانات معهد «لوكوموتيفا» عن تحول أعمق في سلوك العملاء، إذ يعرّف 55% من البرازيليين الذين يمتلكون حسابات مصرفية أنفسهم أساسًا كعملاء لبنوك رقمية أو شركات تكنولوجيا مالية.

وقال ألفارو ماتشادو دياس، المدير المساعد بمعهد «لوكوموتيفا»، إن سوق التكنولوجيا المالية تجاوز بوضوح مجرد توسيع الوصول إلى الخدمات المصرفية، وأصبح جزءًا مركزيًا من الاقتصاد المصرفي البرازيلي.

ولا تقف الظاهرة عند البرازيل، بل تمتد إلى أسواق أخرى في أمريكا اللاتينية، مع توسع استخدام المحافظ الرقمية وتزايد قاعدة عملاء شركات التكنولوجيا المالية.

المحافظ الرقمية تتقدم في أمريكا اللاتينية

في الأرجنتين، تفوقت المحافظ الرقمية على وسائل الدفع الأخرى، بعدما استخدمها 70% من المستهلكين خلال الأشهر الستة الماضية، مقابل 52% للدفع النقدي، وفق بيانات «ماستركارد».

وفي المكسيك، وصلت خدمة «نو مكسيكو» إلى ما يقارب 15% من السكان البالغين بعد سبع سنوات فقط من دخول السوق.

كما ارتفع عدد المستخدمين النشطين شهريًا لخدمة «ميركادو باجو»، الذراع التابعة لشركة «ميركادو ليبر»، إلى 83 مليون مستخدم في ثماني دول، بزيادة بلغت 29% خلال عام.

وتنعكس هذه التحولات على سلوك الدفع، إذ استخدم 61% من المستهلكين البرازيليين و47% من المستهلكين المكسيكيين أجهزة محمولة في آخر عملية شراء لهم، وفق مؤشر التسوق الرقمي العالمي الصادر عن «بي واي إم إن تي إس إنتليجنس».

التكنولوجيا المالية تبدأ معركة التراخيص المصرفية

بعد بناء قواعد عملاء ضخمة، تتجه شركات التكنولوجيا المالية إلى الخطوة الأكثر حساسية، وهي الحصول على تراخيص مصرفية كاملة.

وفي يوليو، وافق نوبانك على الاستحواذ على بنك «بورتو ريال دي إنفستيمينتوس»، بما يتيح له الحصول على ترخيص مصرفي برازيلي.

وفي المكسيك، بدأ فرع نوبانك العمل كبنك خلال الشهر الماضي، ليصبح أول مؤسسة مالية شعبية مكسيكية «سوفيبو» تحصل على مسار للتحول إلى بنك.

كما يتحرك «ميركادو باجو» في الاتجاه نفسه، مع تقديم طلب للحصول على ترخيص مصرفي في المكسيك، بهدف إنشاء أكبر بنك رقمي في البلاد.

وحصلت شركة التكنولوجيا المالية المكسيكية «بلاتا» على ترخيص مصرفي في فبراير، بينما يمتلك بنك «أوالا» الأرجنتيني تراخيص مصرفية كاملة في الأرجنتين والمكسيك، إلى جانب ترخيص شركة تمويل في كولومبيا.

لماذا تريد التكنولوجيا المالية رخصة مصرفية؟

لا يتعلق السعي للحصول على الترخيص بالصفة القانونية فقط، وإنما يرتبط مباشرة باقتصاديات العمل المصرفي.

فمع نمو شركات التكنولوجيا المالية، تصبح القيود المرتبطة بالتراخيص الأقل صرامة أكثر وضوحًا، بينما يوفر الترخيص المصرفي الكامل قدرة أكبر على جمع الودائع وتوسيع نطاق الخدمات.

وفي المكسيك، يسمح وضع «سوفيبو» لـ«نو مكسيكو» بتأمين ودائع تصل إلى 25 ألف وحدة حسابية مرتبطة بالتضخم لكل عميل، بينما يرفع الترخيص المصرفي الكامل هذا الحد إلى 16 ضعفًا.

كما يمنح الترخيص المصرفي فرصة للمنافسة على حسابات الرواتب، التي لا يمتلكها سوى نحو ثلث البالغين المكسيكيين، وتتركز بدرجة كبيرة لدى أربع مؤسسات مصرفية قائمة.

لكن العامل الأهم يظل الودائع.

الودائع.. الجائزة الأكبر في المعركة

تمنح الودائع البنوك مصدر تمويل منخفض التكلفة لمحافظ القروض، ولذلك فإن امتلاك القدرة على جذب الودائع واستخدامها على نطاق واسع يمثل ميزة اقتصادية رئيسية.

وتملك «نو مكسيكو» بالفعل ودائع بقيمة 5.9 مليار دولار، ما يجعل توسيع قدرتها على جمع الودائع واستخدامها عنصرًا متزايد الأهمية في نموذج أعمالها.

وقال ريجينالدو نوغيرا، المدير الوطني لكلية إدارة الأعمال والاقتصاد «إبمك» في البرازيل، إن حصول البنك الرقمي على الترخيص نفسه واتباع القواعد نفسها وتمويل نفسه بالطريقة نفسها يجعله غير مختلف جوهريًا عن البنك التقليدي.

ويصبح الفارق، وفقًا له، في التكنولوجيا والكفاءة وتجربة العملاء.

4.2 مليار دولار خلف توسع نوبانك

ويترافق التحول التنظيمي مع التزامات استثمارية ضخمة.

فقد ربط المؤسس ديفيد فيليز حصول نوبانك على الترخيص المصرفي في المكسيك باستثمار متوقع يصل إلى 4.2 مليار دولار في البلاد حتى عام 2030.

وتكشف هذه الخطوة أن شركات التكنولوجيا المالية لم تعد تنظر إلى التراخيص المصرفية باعتبارها مجرد وسيلة لتوسيع النشاط، وإنما باعتبارها منصة لبناء أعمال مصرفية واسعة النطاق.

البنوك الإقليمية أمام اختبار جديد

وتكشف تجربة أمريكا اللاتينية عن تغير جوهري في طبيعة المنافسة داخل القطاع المصرفي.

فشركات التكنولوجيا المالية نجحت أولًا في جذب العملاء عبر التطبيقات الرقمية وسهولة الاستخدام وانخفاض الحواجز أمام الحصول على الخدمات المالية.

لكنها تتحرك الآن إلى المجال الذي كان يمثل أحد أهم مصادر قوة البنوك التقليدية، وهو جمع الودائع وبناء الميزانيات العمومية وتقديم الخدمات في إطار ترخيص مصرفي كامل.

وبذلك تنتقل المنافسة من سؤال «من يقدم التطبيق الأفضل؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «من يستطيع بناء بنك أكثر كفاءة باستخدام التكنولوجيا؟».

وهنا تحديدًا يتغير ميزان القوى.

من مطاردة البنوك إلى امتلاك أدواتها

قبل عقد تقريبًا، دخلت شركات التكنولوجيا المالية أمريكا اللاتينية باعتبارها جهات جديدة تتحدى البنوك الراسخة على العملاء والفروع والميزانيات.

أما اليوم، فقد تجاوزت بعض هذه الشركات مرحلة إثبات قدرتها على جذب العملاء.

والخطوة التالية أصبحت الحصول على الامتيازات التنظيمية ومزايا التمويل التي تسمح لها بممارسة العمل المصرفي نفسه.

وتشير هذه التطورات إلى أن المعركة المقبلة في القطاع المصرفي لن تكون بين البنوك التقليدية والبنوك الرقمية فقط، بل بين نماذج أعمال مختلفة تسعى جميعها إلى السيطرة على العميل والوديعة والتمويل.

وهذه هي النقطة الأهم للبنوك التقليدية: المنافس الجديد لم يعد يريد أن يأخذ عملاءها فقط، بل يريد أن يصبح بنكًا كاملًا ينافسها بالأدوات نفسها، مع الاحتفاظ بميزة التكنولوجيا والسرعة وتجربة المستخدم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى