الفائدة الأوروبية إلى 2.5%.. حرب إيران تعيد التضخم إلى واجهة الأسواق

يواجه البنك المركزي الأوروبي اختبارًا جديدًا في معركته ضد التضخم، مع توقعات باتجاهه لرفع سعر الفائدة الرئيسي إلى 2.5% من 2.25%، وسط عودة أسعار الطاقة للارتفاع بفعل تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
وأعادت التطورات العسكرية الأخيرة أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، ما أثار مخاوف من تجدد الضغوط التضخمية في منطقة اليورو، التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة.
ويرى اقتصاديون أن رفع الفائدة في سبتمبر يبدو مرجحًا، مع احتمال إبقاء البنك المركزي الأوروبي الباب مفتوحًا أمام تشديد إضافي للسياسة النقدية إذا لم تتراجع توقعات التضخم بالسرعة المطلوبة.
صدمة الطاقة تعيد حسابات البنك المركزي الأوروبي
أدت الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران إلى إنهاء فترة من الهدوء النسبي في أسواق الطاقة، بعدما استهدفت العمليات مواقع عسكرية وسفنًا ومنشآت مرتبطة بالطاقة.
وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط مجددًا، بالتزامن مع صعود أسعار الغاز، وهو ما يزيد مخاطر انتقال صدمة الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات في منطقة اليورو.
وقالت أليسيا بيراردي، رئيسة قسم الاقتصاد الكلي العالمي في معهد أموندي للاستثمار، إن رفع الفائدة في سبتمبر يبدو شبه مؤكد.
وأوضحت أن التضخم لا يزال مرتفعًا، وقد يستمر عند مستويات مرتفعة خلال الأشهر المقبلة، قبل أن يبدأ في التراجع تدريجيًا.
الاقتصاد الأوروبي يمنح المركزي مساحة للمناورة
ورغم الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف الوقود والمنافسة الصينية والجفاف، أظهر اقتصاد منطقة اليورو مرونة أكبر من المتوقع.
كما تسارعت وتيرة الإقراض المصرفي خلال يوليو، بما يشير إلى أن رفع الفائدة في يونيو لم يفرض حتى الآن ضغطًا حادًا على النشاط الاقتصادي.
وتمنح هذه المرونة البنك المركزي الأوروبي مساحة أكبر لمواصلة تشديد السياسة النقدية إذا اقتضت تطورات التضخم ذلك.
وقال مارتن وولبورغ، كبير الاقتصاديين في جينيرالي للاستثمارات، إن كريستين لاغارد يُرجح أن تحافظ على موقف متشدد قائم على الترقب والانتظار.
وأضاف أن هذا الموقف سيبقي الباب مفتوحًا أمام المزيد من رفع الفائدة.
عوائد السندات تزيد تعقيد المشهد
ولا يواجه البنك المركزي الأوروبي ضغوط التضخم وحدها، إذ تشهد أسواق السندات أيضًا ارتفاعًا في تكاليف التمويل طويلة الأجل.
ووصلت عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات مرتفعة، في ظل مخاوف المستثمرين من التضخم ومن ارتفاع مستويات الدين الحكومي.
كما ساهمت مبيعات السندات التي تنفذها شركات التكنولوجيا الكبرى لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي في زيادة المنافسة على السيولة داخل أسواق الديون.
وتضيف الاضطرابات السياسية في ألمانيا عاملًا آخر إلى الضغوط الصعودية على عوائد السندات الأوروبية.
البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة التضخم والنمو
ومن المتوقع أن يعيد البنك المركزي الأوروبي تقييم توقعاته للنمو الاقتصادي، مع احتمال رفع توقعاته للعام الحالي ولعام 2027، في ضوء قدرة اقتصاد المنطقة على الصمود.
لكن تحسن النمو قد يحمل جانبًا سلبيًا بالنسبة لمعركة التضخم.
فاستمرار التضخم فوق 3%، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة، قد يؤخر عودته إلى مستهدف البنك المركزي البالغ 2%.
وكان البنك قد توقع في يونيو أن يعود التضخم إلى مستهدفه خلال الصيف المقبل.
أسعار الغاز تمثل الخطر الأكبر
وترى باركليز أن التطور الأكثر إثارة للقلق خلال الأسابيع الأخيرة يتمثل في تجدد ارتفاع أسعار الغاز.
وتكتسب أسعار الغاز أهمية خاصة بالنسبة لمنطقة اليورو، لأن تأثيرها على التضخم قد يكون أكثر استدامة من التأثير المباشر لارتفاع النفط.
وقد تنتقل تكلفة الغاز المرتفعة إلى قطاعات الصناعة والنقل والخدمات، بما يزيد الضغوط على أسعار المستهلكين.
التضخم الأساسي يمنح لاغارد ورقة دفاع
ورغم صدمة الطاقة، لا تزال بعض مؤشرات التضخم الأساسية تشير إلى تحسن نسبي.
وانخفض التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الطاقة والغذاء، إلى 2.4% خلال الشهر الماضي.
كما أظهرت استطلاعات حديثة تراجع توقعات المستهلكين بشأن نمو الأسعار، بالتزامن مع تباطؤ زيادات الأجور.
وقال أندرو كينينغهام، من كابيتال إيكونوميكس، إن صدمة الطاقة الحالية قد لا تؤدي إلى دوامة واسعة بين الأجور والأسعار مثلما حدث في عام 2022.
ويرجع ذلك، وفق رؤيته، إلى أن ظروف الطلب الاقتصادي الحالية لا تزال تحد من قدرة الشركات على تمرير الزيادات الكبيرة في التكلفة إلى المستهلكين.
هل تكون زيادة الفائدة الأخيرة؟
تتباين التقديرات بشأن مستقبل السياسة النقدية الأوروبية بعد الزيادة المرتقبة.
ففي الوقت الذي تتوقع فيه الأسواق احتمال تنفيذ زيادة أخرى خلال العام، تذهب تقديرات اقتصادية إلى أن خطوة سبتمبر قد تكون الأخيرة في الوقت الحالي.
ويرتبط ذلك بارتفاع تكاليف التمويل بالفعل، خصوصًا مع صعود عوائد السندات طويلة الأجل.
لكن استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز قد يغير هذه الحسابات سريعًا، إذا بدأت صدمة الطاقة في الانتقال بصورة واضحة إلى التضخم الأساسي.
البنوك أمام اختبار جديد
وتنعكس قرارات البنك المركزي الأوروبي مباشرة على القطاع المصرفي، من خلال تكلفة التمويل وأسعار القروض وهوامش الفائدة وجودة الائتمان.
وقد تستفيد البنوك من ارتفاع أسعار الفائدة عبر تحسن عوائد بعض الأصول، لكن استمرار التشديد النقدي لفترة أطول قد يرفع تكلفة الاقتراض على الشركات والأفراد.
كما أن ارتفاع عوائد السندات يضغط على تقييمات المحافظ الاستثمارية لدى المؤسسات المالية، ويزيد حساسية الأسواق تجاه مخاطر الدين السيادي.
ومن ثم، فإن اتجاه السياسة النقدية الأوروبية خلال الفترة المقبلة لن يكون مجرد قرار يتعلق بسعر الفائدة، بل سيحدد أيضًا بيئة التمويل التي تعمل فيها البنوك والشركات والمستهلكون.
لاغارد أمام أسئلة تتجاوز الفائدة
ولا يقتصر الضغط على كريستين لاغارد على السياسة النقدية، إذ يُتوقع أن تواجه أسئلة بشأن مستقبلها بعد انتهاء ولايتها المقررة في 31 أكتوبر 2027.
وقد تكرر ارتباط اسم لاغارد بقيادة المنتدى الاقتصادي العالمي، بينما أثارت تصريحات سابقة لها بشأن القيم الأوروبية تكهنات حول أدوار مستقبلية محتملة.
لكن لاغارد أكدت في وقت سابق أنها لا تعتزم مغادرة البنك المركزي الأوروبي قبل عام 2027.
كما أثارت تقارير عن محادثات بين عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي إيزابيل شنابل وصندوق النقد الدولي تكهنات بشأن تغييرات محتملة في قيادة المؤسسات الاقتصادية الدولية.
المعركة الحقيقية تبدأ من أسعار الطاقة
وتكشف التطورات الأخيرة أن البنك المركزي الأوروبي يواجه معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد ارتفاع مؤقت في التضخم.
فإذا تراجعت أسعار الطاقة سريعًا، فقد يستطيع البنك المضي نحو تثبيت الفائدة بعد الزيادة المرتقبة.
أما استمرار النفط والغاز عند مستويات مرتفعة، فقد يجبر البنك على إبقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول.
وبالنسبة للأسواق والبنوك، ستظل المعادلة الأساسية خلال الفترة المقبلة مرتبطة بثلاثة متغيرات: أسعار الطاقة، والتضخم الأساسي، وتكاليف التمويل.
ومن هنا، فإن اتجاه البنك المركزي الأوروبي لن يتحدد بسعر النفط وحده، وإنما بمدى انتقال صدمة الطاقة إلى التضخم الأساسي والأجور وتوقعات المستهلكين والشركات.









