مدير صندوق يتحدى الفيدرالي: الذهب قد يقفز 30% قبل نهاية 2026

تتجه أسعار الذهب إلى مرحلة جديدة من التقلب، مع استمرار الأسواق في إعادة تقييم مسار أسعار الفائدة الأمريكية، لكن إريك ستراند، مؤسس شركة «أو إيه يو إيه جي فندز»، يرى أن المستثمرين يطرحون السؤال الخطأ؛ فالمشكلة، من وجهة نظره، ليست فقط في مستوى الفائدة، وإنما في طبيعة التضخم والديون الأمريكية التي قد تفرض في النهاية تغييرًا جذريًا في السياسة النقدية.
وقال ستراند إن الذهب سيستأنف اتجاهه الصعودي طويل الأجل، معتبرًا أن ارتفاع أسعار الفائدة لن يكون قادرًا على معالجة العوامل الهيكلية التي تقف وراء التضخم الحالي.
ويتوقع ستراند أن يرتفع الذهب بسهولة بنسبة تتراوح بين 20% و30% خلال الفترة المتبقية من عام 2026، إذا أدركت الأسواق أن تشدد مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد لا يتحول إلى إجراءات فعلية قادرة على معالجة الضغوط الاقتصادية.
لماذا يرى ستراند أن رفع الفائدة لن يحل أزمة التضخم؟
يرى ستراند أن الأسواق تركز بصورة مفرطة على رد فعل الاحتياطي الفيدرالي تجاه التضخم، من دون النظر بصورة كافية إلى الأسباب التي تقف خلف ارتفاع الأسعار.
وبحسب رؤيته، فإن التضخم الحالي يرتبط بدرجة كبيرة بارتفاع تكاليف السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج، وليس فقط بزيادة الطلب الاستهلاكي.
وأوضح أن رفع أسعار الفائدة في حالة التضخم الناتج عن ارتفاع التكاليف قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، لأنه يضيف تكلفة جديدة على الشركات والمستهلكين بدلًا من معالجة مصدر ارتفاع الأسعار.
وتختلف هذه الرؤية عن التصور التقليدي للسياسة النقدية، الذي يعتمد على رفع الفائدة لتقليص الطلب والإنفاق عندما يتجاوز الاقتصاد قدرته الإنتاجية.
الذهب يتلقى ضربة من رهانات الفائدة
وتعرض الذهب لضغوط مع زيادة رهانات المستثمرين على استمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة.
وأدى ارتفاع توقعات الفائدة إلى دعم الدولار، وهو ما شكل رياحًا معاكسة للمعدن النفيس المقوم بالعملة الأمريكية.
لكن ستراند يرى أن هذه الضغوط قد تكون مؤقتة، بل قد تتحول لاحقًا إلى عامل يدعم موجة صعود جديدة للذهب، مع اضطرار المستثمرين إلى إعادة بناء مراكزهم إذا تغيرت توقعاتهم بشأن السياسة النقدية.
وقال إن المراكز الاستثمارية الهبوطية التي تكونت خلال فترة التقلب يمكن أن تتحول إلى وقود لموجة صعود قوية عندما يبدأ المستثمرون في إغلاق رهاناتهم على انخفاض الذهب.
«الفيدرالي مجرد كلام بلا فعل»
ويشكك ستراند في قدرة الاحتياطي الفيدرالي على تنفيذ التشدد النقدي الذي توحي به تصريحاته، خصوصًا في ظل الضغوط المالية المتزايدة على الحكومة الأمريكية.
ووصف موقف البنك المركزي بأنه «مجرد كلام بلا فعل»، مشيرًا إلى أن صناع السياسة النقدية بحاجة إلى الحفاظ على مصداقيتهم في مواجهة التضخم، حتى إذا كانت الظروف الاقتصادية والمالية تحد من قدرتهم على تنفيذ تشديد نقدي قوي.
ويرى أن هذه المفارقة ستصبح أكثر وضوحًا مع ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي واستمرار ضخ إصدارات جديدة من سندات الخزانة لتمويل العجز.
الدين الأمريكي يضع الفيدرالي أمام معضلة صعبة
تجاوز الدين الفيدرالي الأمريكي مستوى 40 تريليون دولار، وهو ما يجعل تكلفة خدمة الدين عنصرًا متزايد الأهمية في معادلة السياسة الاقتصادية الأمريكية.
ويرى ستراند أن الحكومة ستحتاج في النهاية إلى خفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل للحفاظ على خدمة الدين ضمن مستويات يمكن تحملها.
وهنا تظهر المعضلة؛ فرفع الفائدة أو إبقاء العوائد طويلة الأجل عند مستويات مرتفعة يضغط على تكلفة تمويل الدين، بينما يحتاج الاقتصاد إلى ظروف مالية أكثر مرونة لدعم النمو.
وقال ستراند إن الحكومة ستضطر في مرحلة ما إلى اللجوء إلى التيسير الكمي أو أي أداة أخرى قادرة على خفض العوائد طويلة الأجل.
هل يعود التيسير الكمي لدعم سوق السندات؟
ويرى ستراند أن تراجع الطلب على سندات الخزانة الأمريكية وارتفاع العوائد طويلة الأجل قد يدفعان صناع السياسة إلى استخدام أدوات استثنائية للسيطرة على تكلفة الاقتراض.
ومن بين السيناريوهات التي يطرحها عودة التيسير الكمي، أو استخدام آلية تؤدي عمليًا إلى التأثير في منحنى العائد.
ويعني ذلك، في حال حدوثه، تحولًا مهمًا في البيئة الاستثمارية؛ لأن ضخ السيولة وشراء الأصول المالية من جانب البنك المركزي قد يعيدان توجيه رؤوس الأموال نحو الأصول الحقيقية، وفي مقدمتها الذهب.
التضخم قد يتحول من مشكلة إلى أداة لتخفيف عبء الدين
ويرى ستراند أن التضخم قد يتحول paradoxically إلى جزء من الحل لمشكلة الديون الأمريكية.
فارتفاع المستوى العام للأسعار والناتج المحلي الاسمي يؤدي، من الناحية الاقتصادية، إلى تآكل القيمة الحقيقية للالتزامات المقومة بالدولار مع مرور الوقت، ما يخفف جزءًا من العبء الحقيقي للدين.
ولا يعني ذلك أن التضخم يمثل حلًا بلا تكلفة؛ إذ يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تقليص القوة الشرائية وقد يفرض أعباء كبيرة على الأسر والشركات.
لكن من منظور المالية العامة، يمكن أن يساعد ارتفاع الناتج الاسمي والتضخم المعتدل في تقليل نسبة الدين إلى الناتج، بينما يمثل التضخم المرتفع خطرًا على الاستقرار الاقتصادي.
الذهب قد يستفيد من ضعف الدولار
ولا يربط ستراند توقعاته للذهب بالسياسة النقدية وحدها.
فهو يرى أن ضعف الدولار يمثل أحد العوامل الرئيسية التي يمكن أن تدعم المعدن النفيس، خاصة إذا اضطرت الولايات المتحدة إلى اتباع سياسات أكثر توسعًا للتعامل مع عبء الدين وتكاليف خدمته.
كما أن انتقال المستثمرين من العملات الورقية إلى الأصول الملموسة يمكن أن يزداد مع تصاعد المخاوف بشأن الاستدامة المالية الأمريكية.
وقد شهد الذهب في أغسطس موجة صعود قوية، لكن ستراند يرى أن المكاسب السابقة قد تبدو محدودة مقارنة بما يمكن أن يحدث في المرحلة المقبلة.
هل التصحيح الحالي فرصة للشراء؟
ويرى ستراند أن المستثمرين الذين فاتهم الجزء الأول من موجة صعود الذهب قد يجدون في التصحيح الأخير فرصة ثانية للدخول.
ويحذر في المقابل من أن انتظار عودة الذهب إلى الارتفاع قبل بناء المراكز قد يعني فقدان فرصة أخرى، خصوصًا إذا بدأت الأسواق في تسعير تحول جديد في السياسة النقدية الأمريكية.
وتبقى هذه الرؤية توقعًا استثماريًا وليست ضمانًا لتحرك الأسعار، خاصة أن الذهب يظل شديد الحساسية لتغيرات الدولار والعوائد الحقيقية وتوقعات الفائدة.
شركات تعدين الذهب قد تكون المستفيد الأكبر
ولا تقتصر نظرة ستراند المتفائلة على الذهب نفسه، إذ يبدي تفاؤلًا خاصًا تجاه شركات تعدين المعادن الثمينة.
ويرى أن تقييمات شركات التعدين لا تزال جذابة مقارنة بأسعار الذهب والفضة، رغم المكاسب التي حققتها خلال الفترة الماضية.
كما أن سنوات ارتفاع أسعار المعادن ساعدت شركات التعدين على تحسين ميزانياتها وتقليص المخاطر المالية، بينما يظل ضعف الإنفاق على الاستكشاف وتطوير المناجم الجديدة عاملًا يحد من نمو المعروض المستقبلي.
ويرى ستراند أن محدودية اكتشاف رواسب جديدة من الذهب والفضة، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على المعادن، قد تخلق دعمًا هيكليًا لأسعار شركات التعدين.
الذكاء الاصطناعي والدفاع يزيدان الطلب على المعادن
ويضيف ستراند عاملًا آخر إلى معادلة الذهب والمعادن، يتمثل في ارتفاع الطلب على المعادن المستخدمة في قطاعات الدفاع والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية.
وتحتاج الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات وشبكات الطاقة والتقنيات المتقدمة إلى كميات متزايدة من المعادن، في وقت لا ينمو فيه المعروض من المناجم بالسرعة نفسها.
وبذلك، فإن معادلة سوق المعادن لا تتعلق فقط بالطلب الاستثماري على الذهب، وإنما تمتد إلى الطلب الصناعي المتزايد على مجموعة واسعة من المعادن.
الرهان الحقيقي يتجاوز قرار الفائدة
وتكمن جوهر رؤية ستراند في أن الذهب لا يجب أن يُقيّم فقط من خلال قرار الاحتياطي الفيدرالي المقبل بشأن أسعار الفائدة.
فالمستثمر، وفق هذه الرؤية، عليه أن يراقب في الوقت نفسه الدين الأمريكي، والعوائد طويلة الأجل، والدولار، وتكاليف السلع الأساسية، ومحدودية إنتاج المناجم، والطلب المتزايد على المعادن.
ويعتقد ستراند أن هذه العوامل ستفرض نفسها في النهاية على السياسة النقدية، حتى لو استغرق الاحتياطي الفيدرالي وقتًا طويلًا قبل الاعتراف بذلك.
وفي حال تحول السياسة النقدية من التشدد إلى التيسير، بالتزامن مع استمرار المخاوف المالية الأمريكية وضعف الدولار، فقد يجد الذهب بيئة مواتية لموجة صعود جديدة.
أما إذا نجح الاحتياطي الفيدرالي في الحفاظ على تشدد نقدي فعلي، واستقر الدولار وارتفعت العوائد الحقيقية، فقد يظل الذهب تحت ضغط لفترة أطول.
وبالتالي، فإن المعركة المقبلة في سوق الذهب ليست بين المعدن والفائدة فقط، وإنما بين السياسة النقدية والواقع المالي الأمريكي؛ وهي معركة يرى ستراند أن الذهب قد يخرج منها مستفيدًا في النهاية.









